الذين قرأوا كتاب توني موريسون النقدي الموجز «اللعب في الظلام» يدركون أن الروائية الأميركية الفائزة بجائزة نوبل تشدد دوماً على أن ما هو مميز للعالم الجديد يتمثل في المقام الأول في مطالبته بالحرية وفي المقام الثاني في وجود ما هو غير حر في قلب التجربة الديمقراطية.

هذا التأكيد على أن المثل الاقتصادية والحرية السياسية قد اعتمدت على الاستبعاد الوحشي شكل منطلق كل أعمالها، وليست روايتها الأولى منذ خمس سنوات الصادرة بعنوان «رحمة» استثناء من هذه القاعدة. بهذا المعنى فإن كل ما كتبته موريسون شدَّد على أن تاريخ أميركا وأدبها قد قاما على استبعاد الشريحة السوداء من سكانها وعزلها، وأن الأساطير المتعلقة ببناء الأمة الأميركية قد تضمنت فصلاً صريحاً أو ضمنياً بين «نحن» و«هم». ومن المؤكد أن صدور رواية «رحمة» في وقت يحمل للبعض الأمل في انتخاب باراك أوباما سيقلل من الوضوح الصادم للفاصل بين «نحن» و«هم» يصب في زيادة الاهتمام بهذه الرواية.

لم يتردد أكثر من ناقد بارز في الإعراب عن اعتقاده بأن «رحمة» هي بمثابة جزء أول صدر متأخراً لرواية «محبوبة» التي تعد أشهر روايات موريسون، والتي اختيرت مؤخراً على صفحات صحيفة «نيويورك تايمز» أعظم رواية أميركية في السنوات الخمس والعشرين الماضية. تدور أحداث «رحمة» قبيل أقدم أجزاء «محبوبة»، وعلى وجه التحديد قبل أن يصبح العمل العبودي الأساس الرئيسي للثروة الأميركية، وعندما كانت هذه الفكرة الوحشية تتشكل في السوق الأميركية كأمر واقع عبر نهر من دماء السود المجلوبين إلى أميركا عبر المحيط الأطلسي.

في البداية نحن مع جاكوب فارك الذي يدخل السوق الأميركية قادماً من أوروباً في عام 1682 عندما كانت فرجينيا ساحة للفوضى، فقد ورث مئة وعشرين هكتاراً من عم له لم يره قط، وسرعان ما تحضر زوجته ربيكا من انجلترا استجابة لإعلان نشره وهي لا تزال في السادسة عشرة من عمرها، لكن حلمه الأميركي لا يتحقق، فالمزرعة لا تمضي كما أراد لها، وقد مات أبناؤه الثلاثة تباعاً بعد مولدهم، أما ابنته التي بلغت الخامسة من عمرها فإنها تلقى حتفها برفسة جواد.

وهو يمضي لتحصيل دين له عند مالك مزرعة تبغ يدعى السنيور دروتيجا، ويبدو واضحاً أن مزرعة التبغ ليس فيها ما يعد بسداد الدين، لكن مالكها يقترح تسديد الدين باللحم البشري، أي عبر إعطائه فتاة صغيرة من عبيده تدعى فلورنس. وبكثير من التردد يقبل هذا العرض.هذا القبول هو نفسه الذي يمنح الرواية عنوانها، فأم فلورنس هي التي تقترح انتقال ابنتها من وحشية مزرعة دورتيجا إلى الأوضاع الأقل ضراوة في مزرعة فارك.

غير أن هذه الصفعة يُدفع لها ثمن آخر، حيث ان فارك يلتقي في النزل القريب من المزرعة بمن يقنعه بأن ينطلق إلى رحاب الاقتصاد الجديد، فالمستقبل هو لإنتاج السكر والمولاس والرم وبالتالي لاستيراد هائل لقوة العمل العبودي. والسكر ليس مثل الفراء أو التبغ أو الخشب فالخسارة ليست واردة والمحاصيل لن تمنى بالإخفاق والحروب لن تتدخل في الآلية الاقتصادية والعبيد متوفرون والمشترون متلهفون.

هكذا فإن اليد الخفية للسوق الأميركية الجديدة تقود خطى فارك، وبالتالي فإن آخر ما يقوم به في الرواية هو الاستفسار عن جلب العبيد في مزارع برباروسة، لكن هذا الذي يقوم به هو قرار محدد للتاريخ الأميركي، حيث يمثل اللحظة التي تقرر فيها أن يكون العمل العبودي هو محرك الرأسمالية في العالم الجديد.

بعد أن يقرر فارك ملامح العالم الذي ستحيا فيه النساء اللواتي يدرن في فلكه، سنراه عقب ذلك وقد غدا أكثر ثراء بما لا يقاس، لكنه ما يلبث أن يلفظ أنفاسه الأخيرة عقب الإصابة بالجدري، تاركاً وراءه ربيكا، زوجته الشابة، لتشرف على المزرعة بمساعدة الفتيات الثلاث، فلورنس التي غدت مراهقة الآن، ولينا الخادمة التي تنتمي إلى قبيلة من سكان أميركا الأصليين استأصل الجدري شأفتها، وسورو التي يعتقد أنها ابنة قبطان نجت بأعجوبة من سفينة غارقة.

تبدو لنا كل امرأة من النساء الأربع حبيسة ذهنها وحبيسة قدرها، وكلهن جوار وإن اختلفت طرق عبوديتهن. لقد اضطرت ربيكا إلى الاختيار بين أن تكون خادمة أو عاهرة في إنجلترا أو زوجة لمزارع لا تعرفه في أميركا، فلجأت إلى الخيار الأقل ضرراً. أما لينا فقد شهدت السقوط من فردوس طفولتها، فيما الوباء يقضي على قبيلتها كالنار التي تلتهم غابة من الخشب الجاف، وهي تتعلق بـ «سيدتها» ربيكا باعتبارها عنصر الاستقرار الوحيد في عالمها المهشم.

أما فلورنس فإن كل ما فعلته هو استبدال عبودية بأخرى وهي تقع في غرام حداد يزور المزرعة، هو عبد محرر من نيوأمستردام يرفض خضوعها وخنوعها رفضاً تاماً. ويلفت نظرنا أن موريسون تبني هيكل روايتها بالطريقة المألوفة لديها، فهي تعطي فصلاً لكل صوت متنافس بالتتابع، الأمر الذي يؤدي إلى تهاوي الأطر الزمنية، ونادراً ما تتيح لشخصياتها أن تحتك إحداهن بالأخرى، حيث تقع كل شخصية أسيرة في مسيرتها الذاتية.

وبهذه الطريقة فإنها تبدع شيئاً يحثنا بقوة كتاريخ شفهي مبتكر يطالبنا نحن القراء بأن ننظر إليه على أنه قصة رمزية لكنها قصة يجري تقويضها أو تبدو لنا مراوغة في معناها، على الرغم من أنها تعيش في أرضية الضراوة والتضحية. دعنا نتوقف عند صوت ربيكا، الذي يتناهى إلينا مثقلاً بالحمى، حيث انتقلت إليها العدوى من زوجها، وكنتيجة لذلك فإن عالم النسوة الأربع يترنح دائراً حول محوره، فمن دون «السيدة» لن يكون لأي من النسوة الأخريات مكان في أي موضع، وربيكا من دون مساعدة خادماتها الثلاث ستموت.

وعلى هذه النوعيات من أحجيات الاعتماد الأنثوي المتبادل تبني موريسون رؤيتها الموجزة لتكوين أميركا. دعنا نتوقف عند لحظة انطلاق فلورنس إلى الحداد للحصول على مساعدته، حيث تبدو لنا كل امكانيات واحتمالات أمتها، اللحظة معلقة على رحيلها: «كم من الوقت سيستغرقها الوصول إلى هناك هل سيعود. هل فات الأوان؟ بالنسبة للخلاص».

منذ فوز موريسون بجائزة نوبل للأدب عام 1993، اضطلعت الأديبة السمراء البارزة بغير قليل من التردد بدور الناطقة بصوت ضمير أميركا. وبعد عجائب التوحد التي تجسدت في «محبوبة» وبدرجة أقل في «جاز» فإن ذلك الصوت العام قد ازداد قوة، وفي بعض الأحيان بدا أن موريسون ناطقة باسم هذا الضمير أكثر مما هي كاتبة، وأصبح صوت رواياتها أكثر ندرة.

وفي «رحمة» نلمح جانباً كبيراً من قوة خيال موريسون وقد بدا حاضراً ومتألقاً، على الرغم من أن هذا الحضور ليس مقترناً بطاقتها السابقة على نسج التفاصيل. ربما لهذا بالضبط فإن روايتها هذه تلقى اهتماماً لم يسبق له مثيل في أميركا وخارجها.وعندما يتأمل الكثيرون مسيرة أميركا وأفق مستقبلها في هذه المرحلة التي تعصف فيها الأزمة المالية بالاقتصاد العالمي كله، فإن الكلمة الأولى من رواية موريسون تبدو مهمة وهذه الكلمة هي «لا تخف!».

وحيدة باستثناء العيون

«أسير وحيدة باستثناء العيون التي تشاركني رحلتي، عيون لا تعرفني، عيون تتفحصني بحثاً عن ذيل عن حلمة زائدة عن سوط بين ساقي عيون متسائلة تحدق وتقرر إذا كانت حريتي في موضعها الصحيح وما إذا كانت ركبتاي تنثنيان للوراء مثل القائمتين الأماميتين لكلب» .

مقتطف من رواية « رحمة»

الكتاب: رحمة

تأليف: توني موريسون

الناشر: نوف نيويورك 2008

الصفحات: 176 صفحة

القطع: المتوسط

A Mercy

Toni Morrison

Knopf, N.Y.2008

P.176