أعطى السفرجلاني في كتابه هذا لمحة عن الفقيد البطل يوسف العظمة، وهو يوسف بن إبراهيم، بن عبد الرحمن، بن محمد، بن إسماعيل، بن إبراهيم، بن إسماعيل باشا التركماني الشهير بالعظمة، من أسرة شهيرة بالنبل والشرف، ولد الفقيد عام 1848 في دار آل العظمة بحي الشاغور بدمشق وترعرع في كنف والده الذي كان أحد موظفي المالية في الدولة العثمانية بدمشق، والذي توفي وترك يوسف في السادسة من عمره، ليتكفله فيما بعد أخوه السيد عزيز.
وتلقى الفقيد العلم في إحدى مدارس دمشق الابتدائية، وانتقل بعدها إلى المدرسة الرشدية العسكرية التي تؤهل طلابها للدخول في مدارس الضباط، وذلك في سنة 1893، وتدعى المدرسة الآن بنموذج المدرسة الأموية، وبعد أن أتم دراسته فيها انتقل مترفعا إلى المدرسة الإعدادية العسكرية عام 1897، وهي مدرسة الضبط التي يتخرج طلابها برتبة عسكرية في صف الضباط. وتخرج الفقيد يوسف العظمة برتبة ملازم ثان وذلك عام 1903، وبعدها أحرز الفقيد الأولية في المعهد حيث أهل للقسم المتفوق في الجيش أركان حرب فبلغ رتبة ملازم أول في تلك السنة، وأخذ يتدرج في معالي النجاح صعودا حتى تخرج برتبة رئيس متفوق أركان حرب عام 1907.
وأكد السفرجلاني مهارة الفقيد يوسف العظمة في صنوف المهارة وضروب البراعة في أعمال الجيش وتعبئته، وميادين الرماية، وأصولها الحربية، ما جعله في مصاف رجال القيادة العليا والحربيين الممتازين، حيث ارتأت الدولة السورية ألا تهمل معارفه في الجندية، فعين رئيسا متفوقا على الجيش عندما كان يؤلف الوزارة السورية رضا باشا الركابي، وكان أمير اللواء عبد الحميد باشا القلطقجي وزير الحربية آنذاك.
وأشار المؤلف إلى المواهب السامية التي تميز بها الفقيد حيث تلألأ نجمه في أفق البلاد السورية خافقا لينال منصب وزير الحربية السورية عام 1920 عندما كانت الوزارة الدستورية الشعبية، منعقد لواؤها تحت رئاسة الرئيس هاشم الأتاسي.
وينقلنا الدكتور السفرجلاني في القسم الثاني إلى فاجعة ميسلون، مسلطا الضوء على فترة الحكم العثماني وما عانت منه الشعوب العربية وما وقع بهم من اضطهاد الترك لهم، وسعيهم إلى التحرر من ذلك الاسترقاق، حيث كانت دمشق دماغ البلاد العربية وقلبها الخفاق، وهكذا أسست الأحزاب السياسية السرية، وتألفت الجمعيات الوطنية الخفية لإعادة مجد العرب. فكانت الحركة الإصلاحية في بيروت، والمؤتمر العربي في عاصمة الفرنسيين، وحركة اللامركزية في مصر، والمنتديات في الآستانة، وأجمع العرب على الالتفاف حول المنقذ الأعظم الحسين بن علي للقتال تحت أمرته، إلى صف الحلفاء أثناء الحرب الكبرى.
وتطرق المؤلف إلى اقتحام فيصل بن الحسين حدود سورية الشمالية، ومن حوله نخبة صالحة من فتية سورية والعراق، ففتح دمشق، وهزم الترك، وحقق ما قاله السوري عبد الغني العريسي وهو يصعد أرجوحة الأبطال راكلا برجله كرسي الموت الأكيد، ممتطياً طهر الحياة الحقة في تلك الأرجوحة: «ما أقيمت الممالك الحرة إلا على الجماجم، ولتكن جماجمنا الحجر الأساسي في بناء عرش الأمة العربية».
كما يرى الكاتب بأنه على الرغم من ذلك الانهزام المريع، إلا أنه ثبتت قوة الميسرة، وصمدت للنضال والكفاح والجلاد، وظلت في أماكنها أمام لواء السنغال المتكامل العدة والعدد، فأحدثت فيه أضرارا فادحة، وجندلت منه عددا وفيرا، حتى اضطرته إلى أن يتراجع ويتقهقر إلى الوراء.
والسياق نفسه تطرق السفرجلاني إلى الجبهة المركزية القلب «جبهة ميسلون» التي كان بطلها الفقيد الكبير يوسف العظمة الذي كان مشرفا على حركات الجيش العربي وقواته، ويراقب كل حركة من حركات تلك القوى، شاهدا على ما كان من أمر قوة الميسرة، واندحارها وانهزامها، مدركا أن جبهته الحربية باتت غير قادرة على الثبات بوجه الأعداء طويلا، وفي هذه الآونة مرت إحدى دبابات الفرنسيين على جسر لغّم خصيصا لنسف من يمر عليه، وكانت من المنتظر أن يكون نصيبها التدمير لمجرد المرور.
إلا أن ذلك لم يكن، الأمر الذي أثار غضب الشهيد العظمة مدركا الخيانة الكبرى، هناك من خان الوطن وتسبب في اندحار الجيش وخذلان الأمة، وقد ثارت ثائرته ولم يتمالك نفسه من الانحدار تاركا مركزه، هابطا نحو المأمور المكلف بإلغام الجسر. وعندما أدرك البطل يوسف العظمة أن يدا ملطخة بالغثم والعار، قد مدت تتناول الوطن لكي يلقى به لقمة سائغة في أفواه المحتلين، وأن هذه اليد نفسها هي التي حالت دون انفجار الألغام في الوقت المطلوب تسهيلا لمهمة العدو، والتي كان يود أن يجعل منها سدا مانعا يحول دون تقدم جيش العدو...
ولاح أمام عينيه شبح القنوط، وحضر لباصرته تمثال اليأس، وفي هذه اللحظة تمكنت إحدى الدبابات من إصابته بنيرانها، فأردته قتيلا في ساحة الشرف، تاركا وراءه رسالة أداها حق التأدية، مات وترك للأمة الخلود، وللشعب البقاء وقد جاد بروحه في سبيل رفاهية أمته، وهناء البلاد، التي كان يود لها كل ارتقاء وكل فلاح. وتوقف السفرجلاني عند احتلال دمشق بعد ما بلغ الجيش الفرنسي ميسلون، وذلك بعد ظهر الرابع والعشرين من تموز سنة 1920، حيث أخذت جيوش الفرنسيين تدخل دمشق المقفلة حدادا على ما كان لها، وما شهدته من رزايا ونكبات.
المؤلف في سطور
ولد الدكتور محيي الدين السفرجلاني في بيروت عام 1915، وتلقى تعليمه في دمشق حيث نال شهادة البكالوريا قسم الآداب سنة 1931، ثم انتسب إلى جامعة دمشق فنال الدبلوم في الصيدلة عام1939 ثم الدكتوراه في الصيدلة من جامعة باريس عام 1951، عمل صيدلانيا ورئيس مخبر ومفتشا عاما للشؤون الصيدلية في وزارة الصحة، وكان عضوا في جمعية البحوث والدراسات. من مؤلفاته «من وحي الأيام »، و«تاريخ الثورة السورية»، و«نضال حتى النصر»، «وفي سبيل الإصلاح» مجموعة مقالات، وموكب العبرات، المجد الخالد، العرب في طريق السيادة، مخطوطات غير مطبوعة.
توفي سنة 1992.
فاجعة ميسلون
هو كتاب يحكي قصة خيانة الحلفاء للعرب، ودور الخونة في التمكين للمحتل الغاشم، وتضمن أيضا نبذة عن حياة الشهيد البطل يوسف العظمة بطل ميسلون، إلا أن هذا الكتاب صودر وأحرق من قبل المحتلين الفرنسيين وسجن مؤلفه، ولم يطلع عليه إلا ثلة ممن تسربت إليهم نسخة منه.
ناهد رضوان
الكتاب: فاجعة ميسلون والبطل العظيم يوسف العظمة
تأليف: د. محيي الدين السفرجلاني
الناشر: دار البشائر دمشق 2008
الصفحات :320 صفحة
القطع: الكبير

