صدر حديثاً كتاب بعنوان «وداعاً يا أحمد» للإعلامي يوسف عبد الحميد الجاسم.. وهو لفته إنسانية رقيقة تخليدا لذكرى المفكر والسياسي والأكاديمي الراحل الدكتور أحمد الربعي.
المفكر المتعمق والسياسي النقي والإعلامي المتجدد... حياته على قصرها (59عاماً) مليئة بالمحطات والإنجازات ولأن امتدادات المؤلف (يوسف الجاسم) مع «الربعي» غائرة في عمق ست عقود مضت، فلقد جاء الكتاب بنفس العمق والوفاء لصحبة امتدت لسنوات طوال، لقد كانا قريبين من بعضهما البعض منذ الرحلة الثانوية ثم الجامعية، وافترقا حين التحق «الربعي» بالعمل الثوري، وحين التحق بجامعة هارفارد بأميركا.. ثم عاد ليلتصقا سوياً مرة أخرى بعد عودته من أميركا كانا أخوين لم تلدهما أم واحدة حتى فارق الحياة في الخامس من مارس 2008.
ربما أراد المؤلف أن يوجز ملخص شخصية الدكتور الربعي- فاستهل الكتاب بمقولة «للربعي» تعود لقرابة الأربعين عاماً مضت إذ قال: «لم أرض لفكري أن يتجمد تحت مكيفات الهواء.. لذا فإني وضعته تحت مشرط الممارسة وعندها خجلت ومت خجلاً.. ويا لها من خطوة إلى الأمام، أن يخجل الإنسان، فإن هذا يعني أنه انتصر على ذاته ولمصلحة الحقيقة فالخجل عاطفة ثورية».
الكتاب يروى على لسان الدكتور الربعي ومن خلال علاقات إنسانية جمعته بالمؤلف وأيضاً من خلال مواقفه عبر مسيرة حياته الزاخرة وكذلك من خلال شهادات من عرفوه وارتبطوا به وبفكره ، ولعل أبرز ما جاء في هذا الكتاب، ذلك الحوار الشامل الجامع الذي أجراه «يوسف الجاسم» مع الدكتور الربعي عام 1997. تأثر الربعي كثيراً في طفولته بمدرسة صلاح الدين المتوسطة، وكان ناظرها عبد الحميد الحبشي، صاحب مشروع حضاري، وكان الطلبة مقسمين إلى أربعة ألوان:عمر، خالد، أبو بكر، وصلاح الدين، ولكل مجموعة لون، كانوا يتنافسون في الدراسة والرسم والرياضة.
في جامعة الكويت كان «الربعي» احد طالبين فقط يدرسان في قسم الفلسفة تتلمذ على يد أكبر أساتذة الفكر في الوطن العربي، وكان منهم الفيلسوف المعروف الدكتور زكي نجيب محمود، والدكتور فؤاد زكريا والدكتور عبد الرحمن بدوي وغيرهما من الأسماء المعروفة، ولأنهما كان طالبان فقط فلقد كرس هؤلاء الأساتذة كل أوقاتهم لهما، فالدرس الذي يأخذ ساعة كان يستمر إلى ساعتان لذلك عندما ذهبا للدراسة بالخارج كانا محصنين ومهتمين، وكانت قراءتهما الخارجية تفوق القراءة المقررة.
أما النشاط السياسي لـ «الربعي» فقد بدأ خارج الكويت فلقد أنضم مع مجموعة من الطلبة العرب والخليجيين مع حركة المقاومة الفلسطينية في الأردن، وكان ذلك أثناء دراسته بالجامعة.قضى «الربعي» أكثر من عامين دراسيين في العمل السياسي خارج الكويت، ثم عاد لاستكمال دراسته منهيا الدراسة عام 1976 ثم ذهب مباشرة إلى الولايات المتحدة في بعثة دراسية.
أما علاقته بالصحافة، فبدأت أيام الدراسة، فقد كان في صحيفة السياسة، ثم انتقل إلى صحيفة الوطن في بدايتها وكان يملكها محمد مساعد الصالح، وكتب فيها.. وبدأت كتابته اليومية المنظمة بطريقة طريفة. وأبدى رأيه في مجموعة من كبار الكتاب والصحفيين العرب ومنهم محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين وعبد الرحمن الراشد، كما أبدى آرائه حول العديد من القيادات والزعامات العربية.
ورغم أن «الربعي» كان أستاذا للفلسفة الإسلامية بجامعة الكويت، إلا أنه تعرض لحملة ضارية من التيارات الإسلامية سواء عندما كان نائبا أو وزيرا ويفسر ذلك بقوله: علينا أن نفرق بين الإسلام والتيارات الإسلامية، وكذلك لابد أن نفرق بين التيارات الإسلامية المختلفة، فالإسلام ملك الجميع وفيه ميزة انه لا رهبانية في الدين، فلا يمكن لأحد أن يقول أنا أمثل الدين الإسلامي، ولكن لدينا من يقول اجتهد وأعطيكم اجتهادي ورؤيتي.
كتيبة من الرجال
وصف المؤلف يوسف عبدالحميد الجاسم الربعي بالآتي: لقد عاش «الربعي» كالمتنبي شاعره الذي عشقه واعتنقه فملأ دنياه وشغل ناسه.. وكان كتيبة من الرجال في رجل واحد.. تزاحمت الأفكار في رأسه بشدة لتتدافع وتنفجر كالينابيع، خطابة وكتابة وعملا، وكان يكتب كما يفكر، ويتحدث كما يكتب ويؤثر في جميع الأحوال، وسيظل الغائب الحاضر في مماته، مثلما كان الحاضر المؤثر في حياته.. فالرجال النماذج يموتون ولا يغيبون.
التعليم والجهل
يؤكد أحمد الربعي على أهمية الاهتمام بالتعليم حيث يؤكد أن هناك تجربة تعلمناها من احتلال الكويت وهي أننا لو صرفنا على التعليم لحللنا كثيرا من مشكلاتنا، والأمم الجاهلة هي أمم مقاتلة بطبيعتها والأمم الجاهلة يقتل فيها القوي الضعيف، ولا تستخدم عقلها، وتندفع وراء أي مشعوذ، لذلك كان التعليم مهما لأنه سينقل الإنسان العربي من مرحلة الانفعال إلى مرحلة العقل، من مرحلة التسرع في اتخاذ القرار إلى الرؤية والفهم والوعي.
الربعي في سطور
أحمد الربعي من مواليد الكويت 1949 وحاصل على ليسانس الآداب من جامعة الكويت عام 1957، وعلى درجة الماجستير من جامعة كولورادو، ودرجة الدكتوراه من جامعة هارفارد ـ اميركا 1984 وعمل مدرسا في قسم الفلسفة، ثم رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة الكويت.عضو مجلس الأمة الكويتي في الدورات 1985-1992-1999.عين وزيرا للتربية والتعليم العالي في الفترة من أكتوبر 1992 وحتى أكتوبر 1996.
أنور الياسين
الكتاب: وداعاً يا أحمد
تأليف: يوسف عبد الحميد الجاسم
الناشر: شركة ستة على ستة للخدمات الإعلامية - الكويت 2008
الصفحات: 150 صفحة
القطع: المتوسط

