قامت مكتبة الإسكندرية، في إطار مشروع ذاكرة مصر المعاصرة، بتوثيق حياة الرئيس الراحل محمد نجيب، أول من تولى رئاسة جمهورية مصر العربية في أعقاب ثورة يوليو 1952.

قال الدكتور خالد عزب، مدير إدارة الإعلام بالمكتبة، إن فريق العمل بالمشروع قام برقمنة 746 صورة نادرة خاصة بالرئيس اللواء محمد نجيب و155 وثيقة و607 عنوانا من الأرشيف الصحافي الخاص به و12 غلاف مجلة طبعت عليها صورته، ومنها مجلة التايم الأميركية، بالإضافة إلى إتاحة 16 فيديو مرئي و16 مقطعا صوتيا نادرا على الجزء الخاص بالرئيس محمد نجيب في الموقع الإلكتروني للذاكرة. ويعد محمد نجيب يوسف، قائد ثورة 23 يوليو1952 وأول رئيس لجمهورية مصر العربية، سليل أسرة عسكرية اشتهرت بالشجاعة والإقدام، فوالد محمد نجيب «يوسف نجيب» كان ضابطا بالجيش المصري بالسودان واشترك في حملة دنقلة الكبرى لاسترجاع السودان من أيدي الثورة المهدية وشارك في أغلب معاركها.

ولا أحد يعرف تحديدا تاريخ ميلاد محمد نجيب، بل إنه ذكر في مذكراته أنه حائر بين ثلاثة تواريخ لميلاده وهى إما 28 يونيو 1899، أو 19 فبراير 1901، والثالث هو 7 يوليو 1902. والتاريخ الموجود في ملف خدمته بالجيش هو 19 فبراير 1901 حيث ولد بساقية معلا بالخرطوم - طبقاً لملف خدمته - حيث نشأ وترعرع فيها. عاش في السودان مع والده البكباشي يوسف نجيب بالجيش المصري إلى أن أتم دراسته الثانوية ثم عاد إلى مصر ودخل المدرسة الحربية 1917. وقد ارتبط محمد نجيب بالسودان ارتباطا عميقا، فهناك بدأ حياته العملية كضابط بالجيش المصري عقب تخرجه من الكلية الحربية، وقد أطلق السودانيون اسم اللواء محمد نجيب على أكبر شوارع العاصمة «الخرطوم» ولا يزال اسم محمد نجيب محفورا في الذاكرة الجمعية والتراث السوداني باعتباره رمزا لوحدة وادي النيل.

عمل محمد نجيب بالسودان حتى مقتل السردار الانجليزي 1924 ثم عاد إلي مصر، ورغم مسؤوليات نجيب العسكرية، فقد كان شغوفاً بالعلم فحصل على إجازة الحقوق في مايو 1927 ثم دبلوم الدراسات العليا «الدكتوراه» في الاقتصاد السياسي عام 1929 ثم علي دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص ونال بعدها شهادة أركان حرب 1939 وبدأ في إعداد رسالة الدكتوراه، ولكن طبيعة عمله العسكري، وكثرة تنقلاته حالتا دون إتمامها. تشبع محمد نجيب بروح التمرد والثورة على الأوضاع القائمة منذ أن كان ضابطا صغيرا برتبة ملازم ثان بالكتيبة 16 مشاه بالجيش المصري بالسودان، فعندما اندلعت ثورة 1919 في القاهرة، أصر محمد نجيب على تحدى الإنجليز «رؤساؤه في ذلك الوقت» وسافر إلى مصر سرا، وعندما وصل إلى محطة مصر، مر أمامه أميرالاي «عميد» إنجليزي، فرفض نجيب أن يؤدى له التحية العسكرية، غير مكترث بما قد يسبب له ذلك من متاعب بعد ذلك وقد كان.

كانت الروح الوطنية عند محمد نجيب مقدمة على القواعد العسكرية، ولذلك لم يخف إعلان تأييده لسعد زغلول باشا عندما ذهب مع مجموعة من الضباط الصغار وهم يرتدون ملابسهم العسكرية إلى بيت الأمة، ليعبروا عن احتجاجهم ورفضهم لنفي سعد زغلول إلى جزيرة سيلان.

وعقب حادث 4 فبراير 1942، وهو الحادث الذي حاصرت فيه الدبابات البريطانية قصر الملك لإجباره على إعادة مصطفى النحاس باشا إلى رئاسة الوزراء أو يتنازل عن العرش، قدم استقالته من الجيش، نظراً للتدخل الإنجليزي السافر في شؤون مصر الداخلية، ولكن الملك أعاد له الاستقالة، فاضطر للعودة للجيش. واشترك في حرب فلسطين وجرح ثلاث مرات كان آخرها في معركة التبة في دير البلح في 23 ديسمبر 1948، وهي أهم المعارك التي خاضها في فلسطين وعددها 21 معركة.

بدأت المواجهة الفعلية أثناء انتخابات نادي الضباط حيث استقر رأي الضباط الأحرار على ترشيح محمد نجيب رئيسا لمجلس إدارة النادي ضد مرشح «الملك» حسين سري عامر باشا مدير سلاح الحدود، وأصر الملك على ترشيح اللواء عامر رئيسا للنادي، فاجتمعت الجمعية العمومية للضباط، وقررت التمسك بترشيح اللواء محمد نجيب، وفاز بالتزكية وعندما أصر الملك على دخول عامر لمجلس إدارة النادي في حين رفض ذلك الضباط الأحرار، أصدر الملك قراراه بحل مجلس إدارة النادي، وتعيين مجلس إدارة مؤقت وسحب الاعتمادات المخصصة لبناء النادي الجديد، ومن هنا جاء التعجيل بقرار الثورة.

ويمكن القول إن معركة انتخابات نادي الضباط بالزمالك هي التي أخرجت اللواء محمد نجيب من إطار شعبيته داخل الجيش، إلى شعبيته بين الجماهير التي عرفت اسمه للمرة الأولى، على صفحات الجرائد في تلك الفترة.

عقب انكشاف أمر تنظيم الضباط الأحرار ومعرفة الملك به، أمر اللواء محمد نجيب بالتعجيل بالثورة. وفي 23 يوليو عام 1952، أذاع البكباشي محمد أنور السادات أول بيان للثورة بلسان القائد الأعلى للقوات المسلحة محمد نجيب، وفي 26 يوليو 1952 أجبر الثوار الملك- فاروق- على التخلي عن العرش، وعلى إقامة حكومة جديدة برئاسة سياسي مستقل مخضرم ـ علي ماهر ـ يتمتع بسمعة حسنة، رغم أنه نتاج للعهد الملكي.

كما تولي مجلس الوزراء صلاحيات الملك إلى أن أقيم مجلس الوصاية مؤلف من ثلاثة أفراد على الملك الصغير «أحمد فؤاد الثاني» البالغ من العمر ستة أشهر، والذي خلف والده المتنحي عن الحكم، إلا أن المجلس- الوصاية ـ كان من الناحية الفعلية مجردا من السلطات، كما تم الوعد من قيادة الثورة بالعودة إلي الحياة الطبيعية بعد ستة أشهر. لم يتجاوب علي ماهر مع الثورة في أول مشروع إصلاحي تقدمت به، وهو تحديد الملكية الزراعية، وفي7 سبتمبر 1952 قدم علي ماهر استقالة وزارته إلى مجلس الوصاية وقبلت فورا، وبذلك تم تركيز كافة السلطات في يد مجلس قيادة الثورة حتى يكون قادرا على القيام بتنفيذ أهداف الثورة.

ولما تأكد لمجلس قيادة الثورة أن الوقت قد أصبح مواتيا للتخلص النهائي من تركة العهد الملكي قام في 18 يونيو 1953 بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وسقوط أسرة محمد علي التي تولت عرش مصر قرابة مئة وخمسين عاما (بدأت مع تولي محمد علي حكم مصر في مايو 1805). وأصبح محمد نجيب رئيسا للوزراء وللجمهورية في الوقت نفسه، وهكذا بدأت مصر مرحلة سياسية جديدة ثم شكل نجيب وزارته الثانية ( 18 يونيه 1953)، واحتفظ فيها بمنصب رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس قيادة الثورة.

توالت الأحداث بعد ذلك بسرعة كبيرة، فبعد وقوع أزمة مارس 1954، وتقديم اللواء محمد نجيب استقالته ثم عودته مرة أخرى إلى الحكم بضغط المظاهرات الشعبية المؤيدة له، قامت جماعة الأخوان المسلمين بمحاولة لاغتيال جمال عبد الناصر بميدان المنشية بالإسكندرية في 26 أكتوبر 1954، والتي أدت إلى انتهاز الأخير الفرصة لقمع الإخوان والإطاحة بالرئيس نجيب متهما إياه بمساندتهم.

وفي 14نوفمبر 1954 جاء قرار مجلس قيادة الثورة بقبول استقالة محمد نجيب من رئاسة الجمهورية، ومن رئاسة الوزراء، ومن جميع المناصب التي يشغلها، مع استمرار مجلس قيادة الثورة بقيادة البكباشي جمال عبد الناصر في تولي سلطاته الحالية وتعيينه رئيسا لمجلس الوزراء إلى أن تحقق الثورة أهم أهدافها وهو إجلاء المستعمر عن أرض الوطن. كما تقرر أن يبقى منصب رئاسة الجمهورية شاغرا وأن يستمر مجلس قيادة الثورة في تولي كافة سلطاته بقيادة الرئيس عبد الناصر.

في أعقاب حادث المنشية وصدور قرار 15 نوفمبر 1954 بإعفاء اللواء نجيب من جميع مناصبه، تم تحديد إقامة اللواء نجيب مع عائلته في قصر المرج (وهو قصر كانت السيدة زينب الوكيل حرم الزعيم مصطفى النحاس قد أعدته لنفسها ثم صادرته محكمة الثورة). كانت الحراسة مشددة على المكان، وكانت الزيارة ممنوعة حتى على إخوته، ومنذ ذلك اليوم الذي حددت إقامته فيه ظل بهذا المنزل حتى أفرج عنه الرئيس السادات عام 1971.

وفي عهد الرئيس مبارك، قرر تخصيص فيلا في القبة لإقامة نجيب بعد أن صار مهددا بالطرد من قصر زينب الوكيل- حرم المرحوم مصطفى النحاس- بالمرج نتيجة لحكم المحكمة لصالح ورثته، وهو القصر الذي عاش فيه لمدة 29 عاما منهم 17عاما وهو معتقل. وتحدث نجيب عن مبارك قائلا إنه رجل عظيم صاحب مبادئ وهي نفس المبادئ التي كان يطالب بها أثناء حكمه.

توفي اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر العربية عن عمر يناهز 84 عاما بعد صراع مع المرض دام لأكثر من 4 سنوات، وذلك إثر إصابته بغيبوبة في مستشفي كوبري القبة العسكري، وأمر الرئيس مبارك بتشيع جنازة الفقيد عسكريا من مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر.

موضع إعجاب

أصبح محمد نجيب موضع إعجاب واحترام الضباط الشباب بمن فيهم الضباط الأحرار، وكان تنظيم الضباط الأحرار سرياً، وكانت الحركة في حاجة إلى أن يرأسها أحد الضباط الكبار، حيث إنهم من أصحاب الرتب الصغيرة، فاستغل التنظيم شعبية اللواء نجيب بين صفوف الجيش، وتاريخه الطويل والمشرف في تحدى الملك والسراي وبطولاته في حرب فلسطين 1948، ليكون أول اختبار لقوتهم داخل الجيش.

نجيب والصاغ عامر

كانت بداية صلة محمد نجيب بالضباط الأحرار من خلال لقائه مع الصاغ عبد الحكيم عامر عندما عين أركان حرب في اللواء الذي يرأسه نجيب أثناء حرب فلسطين، ثم عرفه بجمال عبد الناصر، ثم التقى بباقي مجموعة الضباط الأحرار، وكان عبد الناصر هو مؤسس التنظيم ورئيسه. لم يكن تفكيرهم يخرج عن إطار ضرورة تغيير الأوضاع في مصر، وذلك قبل حرب فلسطين، ولكن حين وقع حريق القاهرة عام 1951، وحدث الصدام بين نجيب والملك فاروق الذي قام بترقية حسين سري مديرا لسلاح الحدود بدلا منه، بدأ التشاور جديا لتغيير الأوضاع جذريا.

خالد عزب