حلب بيت النغم

حلب بيت النغم

صورة

يمكن لمن يقرأ كتاب »حلب بيت النغم« للمخرج المخضرم جميل ولاية أن يعتبره سيرة ذاتية موسعة للكاتب، وفي الوقت ذاته هو بحث غني ومعمق في الموسيقا العالمية بشكل عام، والعربية بشكل خاص، وعلاقة حلب بها. يتضمن البحث تاريخ هذه الموسيقا، ونشأتها، وتطورها، وتلاقح موسيقا الشعوب بعضها ببعض، وأصل السلالم، وتاريخ الآلات الموسيقية، وأسرار الأصوات، والمقامات، والنغمات، وأزمانها، وقياساتها..

وقد صيغ البحث بطريقة قصصية ومسرحية من شأنها أن تيسره وتطريه، وتمنع الملل من التسرب إلى نفس من يطلع عليه. إن الظروف الحياتية لم تمكن جميل ولاية من متابعة دراسته بعد حصوله على الشهادة الثانوية، إلا أنه استطاع أن يبني شخصيته الثقافية والفنية من خلال المطالعة والمتابعة والتدريب. وكان أهله قد اكتشفوا، منذ سنواته الأولى، بطريقة ما، أن له صوتاً جميلاً، وميلاً للغناء لا يمكن مقاومته، فأخذ يتناول العود الذي تمتلكه العائلة ويداعب أوتاره. وكان قد تعرف على السينما وهو ابن سبع سنوات، واستأثرت باهتمامه، ثم عشق المسرح، وامتلأ كيانه بالدراما، وفي التاسعة عشرة من عمره كان قد مثل أدواراً مسرحية، وأخرج عدداً من المسرحيات، وأخذ بعض أشعار صديقه أحمد رجائي، ولحنها، ووظفها في تعميق الحدث الدرامي لمسرحياته، ثم دخل إذاعة حلب ممثلاً في عمل وثائقي عن الموسيقار عمر البطش، بعدها شرع يتلقى دروس الموسيقا في أول معهد موسيقي نظامي أنشئ في حلب قبل منتصف القرن العشرين، وكان مؤسسه ومديره الدكتور فؤاد رجائي والد الدكتور أحمد.

في هذا المعهد حضر جميل ولاية دروس الموسيقى النظرية للشيخ علي الدرويش، وعمر البطش، وكان حسن بصال يصحبه إلى تمارين تضم عازفين ومنشدين ومغنين، فحفظ عدداً من الموشحات، وفاصل (اسق العطاش)، وتعرف على عازف القانون شكري انطكلي، والفنان صبري مدلل، وبهجت حسان تلميذ عمر البطش ومدرب رقص السماح وملحن أغاني السماح، وتعلم عزف العود على أصوله من أستاذين كبيرين هما محمد رجب وابراهيم الدرويش، وأصول الغناء وحفظ القدود الحلبية والأغاني المتوارثة من الأستاذ أحمد الفقش.

وحينما أصبح مخرجاً في الإذاعة تعرف على كبار فناني حلب كعبد اللطيف النبكي وتوفيق الصباغ وبكري كردي وأسعد سالم ومحمد النصار وأنطوان زابيطا وعزيز غنان وممدوح الجابري وصباح فخري وعبد الرحمن جبقجي ومحمد عبدو ومجدي العقيلي وعبد القادر الحجار.

وكان أديب السيد قد أنجز كتابة برنامج (أيام وأنغام) أخرجه جميل ولاية ويتضمن أعمالاً عن الفنانين: أحمد الإبري، وعلي الدرويش، وكميل شمبير، وقد أشرف على تسجيل المادة الغنائية والموسيقية الفنان عزيز غنام، وأما العمل الضخم الذي كانا يعدان له عن حياة الفنان أبي خليل قباني فقد ضُربَ بسبب انفصال الوحدة بين مصر وسوريا، لأن قسماً كبيراً من العمل كان سيجري تصويره في مصر.

وقدم برنامجاً على شاشة التلفزيون تضمن نماذج من التراث الغنائي العربي (والحلبي بشكل خاص)، قدم فيه الموشح الأندلسي (يا شقيق الروح من جسدي) من ألحان عزيز غنام، وقدمته المطربة الحلبية المتألقة مها الجابري، وأغنية (بنت الخال) وهي من القدود الحلبية نظم كلماتها عمر حلبي ولحنها عدنان قريش وغناها المطرب ياسين محمود، ووجد في أرشيف إذاعة حلب دوراً بعنوان (القلب مال للجمال) كان قد كتبه حسام الدين الخطيب ولحنه بكري كردي، وغناه صباح فخري.

في سنة 1962 قدم على شاشة التلفزيون برنامجاً من سبع حلقات كتبه القصاص الشعبي حكمت محسن بعنوان (نهوند)، وهو أول دراما غنائية عربية تقدم على الشاشة، ثم قدم برنامج (مع الموسيقا العربية) كتب مادته بالتعاون مع الشاعر أحمد الجندي، بالاعتماد على ما سجل في إذاعة حلب من وصلات موشحات ووصلات قدود حلبية، وبرنامجاً (من وحي الأغاني) الذي أخذت مادته عن كتاب أبي الفرج الأصفهاني، فمسلسلاً عرض فيه سيرة الفنان زرياب.

وأخرج في سنة 1966 مسلسلاً ينتمي إلى الدراما الغنائية بعنوان (ليالي الشرق) كتب مادته ولحن بعض أغانيه الموسيقار شاكر بريخان، وأخرج الأغنية الحلبية المتوارثة عبر الأجيال (أسق العطاش) سينمائياً وقدمها في التلفزيون بصوت صباح فخري الذي قدم معه تجربة تلفزيونية أخرى هي مسلسل (نغم الأمس).

في الكتاب فصول طويلة تتحدث بشكل مفصل عن الموسيقا بشكل أكاديمي تخصصي، من ذلك وقفة مع المقامات الموسيقية الثمانية المتداولة، وهي البيات، والحسيني، والعُراق، والراست، والأوجو، والعجم، والصبا، والحجاز، وقدم شرحاً لما يعنيه اسم كل مقام من هذه المقامات في اللغة السريانية، ووقفة مع الامتداد الكبير للموسيقا العربية خارج الحدود الجغرافية،.. فقد أسس الموسيقار العربي زرياب أول معهد لتدريس الفنون الموسيقية في أوروبة، والباحث البرتغالي إدمون كورايا لويس قدم تلخيصاً رائعاً لهذه المسألة إذ قال إن الموسيقا العربية هي أم الموسيقا الإسبانية.. وهذه الأخيرة هي أم الموسيقا في العالم! وأما يوهانس فولف فقال إن ترجمة المؤلفات الموسيقية العربية تساعد على فهم الموسيقا في كل مكان.

إن الحلبيين لم يكتفوا بالعزف والغناء والرقص وممارسة كل الفنون التي لها علاقة بالموسيقا، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فبادلوا الألحان التي لها صفة دينية طقسية مع ألحان الأفراح والأتراح الدنيوية وصنفوها تحت اسم »القدود الحلبية«.

وقدموا اختراعات وبحوثاً ونظريات في الموسيقا تحولت مع مرور الزمن إلى مراجع تستفيد منها الأجيال.

فأبو نصر الفارابي عاش في كنف الأمير الحلبي سيف الدولة، وكان يلقب المعلم الثاني بعد أرسطو، وهو من ينسب إليه اختراع آلة »القانون«، والشيخ عقيل المنبجي اخترع رقص السماح الذي اشتهرت به حلب ثم انتقل إلى أماكن أخرى، وكتب ابن أبي أصيبعة كتاب (النبض وموازنته للحركات الموسيقية).

ومن طرائف اهتمامهم بالموسيقا أن الأطباء في البيمارستان الكاملي الذي خصص لعلاج المجانين كانوا يأتون بآلات الطرب والمغنين فتصدح الموسيقا الناعمة ويتسرب معها الصوت الجميل حاملاً الألحان التي تحمل السكينة والاطمئنان إلى حنايا قلوب وعقول المرضى، وهكذا جعلوا النغم علاجاً للمعتلين عصبياً وعقلياً.

وللنساء في حلب مجالس طرب كالرجال تماماً، تقدم فيها ضروب النغم والغناء والرقص ويشيع فيها التهريج والضحكات والقهقهات. والقينة صاحبة فرقة النغم في حلب تسمى (الخوجة)، وأما جوقة النوباتية العميان فكانوا يغنون للنساء فقط.

المؤلف في سطور

جميل ولاية من مواليد حلب عام 1930 ، دخل عالم الإخراج الإذاعي والمسرحي والتلفزيوني بالهواية والتحصيل الذاتي. تقدم إلى مسابقة للتلفزيون السوري سنة 1959، وقبل فيها.. وانتقل إلى دمشق ليرافق الشاشة الصغيرة منذ ولادتها. قدم أعمالا كثيرة عن الموسيقا والنغم.. كتابة وإخراجاً. أهمها برنامج (مع الموسيقى العربية) الذي بلغت حلقاته 64 حلقة.

من أفلامه التلفزيونية:العادلون لألبير كامي والسلطان الحائر لتوفيق الحكيم وبيت الدمية لإبسن والمومس الفاضلة لسارتر وماريانا للوركا وثلاثة أجيال للوتشيا ديمتريوس وفي بيوت الناس والعناكب والنسور ويطولوك ياليل الدروب القصيرة لأديب السيد، والستائر الزرق لإلفة الإدلبي وأخرج أيضاً مسلسل الرجال والضباب الذي كتبه الممثل الفنان رضوان عقيلي ومسلسل عائلة أبو الخير الذي اشترك في تأليفه مع ماهر السيد.

الكتاب: حلب بيت النغم

تأليف: جميل ولاية

الناشر: دار طلاس ــ دمشق 2008

الصفحات : 575 صفحة

القطع: الكبير

خطيب بدلة

تعليقات

تعليقات