لا يمكن غضُّ النظر عن الدور التبشيري الطابع الذي يتمثل في الفهرست، وأحياناً يقال المحتوى، ولكن يبقى للفهرست عراقة الاسم، وهيبة الأثر، حيث إنه يذهب بخيال القارئ بعيداً، ليضعه في عالم الرغبة التي تستبقيه لصيق المنتَظَر، أي ما يبتغيه مؤلفُ الكتاب، وهو يسبق مضمون الكتاب النائم وراء الباب، سواء وضِع في أول الكتاب أو آخره، حيث يجري التمعن في العناوين الفرعية، تلك التي تشكل، بالمفهوم الحديث أحياناً، عتبات النص، والعتبة تغري دائماً بالصعود، ولكن لا أحد تقريباً، يفكر في خط الرجعة «ينظر وراءه»، وهو يصعد أو يطأ العتبة، ليدق الباب، أو ينتظر فتح الباب هنا.
إن فتح الباب إغراءٌ حقيقي، لأنه يستثير مشاعر جمة من الداخل، كما لو أن القارئ هو الذي يتكفل بإيقاظ النائم ذاك، لكنه يتكفل بتقديم واجب الضيافة، وهو ينتقل من فقرة لأخرى، عبر عناوين قائمة، تؤلب رغبات معلومة بمواقعها النفسية، أو تكون مقدرة! إذ إن الانشغال بالقراءة، ليس أكثر من المشاركة في فعل الضيافة ذاك، فالكتاب بين اليدين.
والمؤلف متوار وراء عناوينه، إلا أنه مغتبط، مع كل تقدم في القراءة، كون الفهرست يشد من أزره المعنوي، تلبية لفضول ما، متجاوباً مع مكونات الفهرست، مأخوذاً، بالجانب الإيهامي كثيراً، لِمَا هو مسجل، بخط كبير، وحيث يتبدى سعادة المستشار هذا، أي الفهرست ذاته، أمين سر الكتاب، ناطقاً بلسان حال الكتاب، لكن الدخول في التفاصيل، وعبر عناوين، قد تكون طُعمية: تنويمية.
كما هي لعبة الكثير من المؤلفين، الذين ينتظرون من سعادة مستشارهم، التجلي بالقدر الأوفى من اللباقة والزينة الماكرة، لاستدراج القارئ إلى الداخل. إن خطورة الفهرست تكمن فيما لا يسميه، حيث إن الخميرة لا تسمى العجين، وإن كانت تتلاشى فيه، بقدر ما تتقدم كخميرة، لينطوي العجين هذا على سره السابق.
سعادة المستشار، يقوم بدور خمائري، ولكن الخميرة لا تخلو من مخاتلة في أداء وظيفتها، إذ الاسم يؤخَذ أحياناً كثيرة، بسبب كفايته المفترضة، ولكن في النهاية، قد تكون النتيجة صادمة، وفي الحالة هذه، يكون الدور قد انتهى، لقد تنحى الفهرست، وبقي المتنُ، وبقي القارئ في طور المسترجَع لما تصفَّحه بداية، لِما علق في ذهنه من تصورات، وهو يلاحق محتويات الفهرست.
والفهرست لا يشي بكلمة السر في الكتاب، وإلا فقد سعادة المستشار هذا مبرر وجوده، كما الخميرة، حيث لا يُشرَح ما تكونه آليات عملها تماماً، لأن العجين في حالة غياب، والخميرة بدورها متنوعة قيمة.
إن قراءة الكتاب، تمنح الفهرست قيمة أخرى، غير التي منحت بداية، واللعبة لا تتوقف، حيث الكتَّاب، يدركون خاصية الفتنة في الفهرست، لهذا يُجهدون أنفسهم كثيراً من أجل سعادة مستشارهم، إذ على عاتقه تكون مهمة الإيقاع بالقارئ، وإغلاق الباب وراءه.
هنا، لا أظن أن الحالات النفسية التي يعيشها القارئ تهمُّ الكاتب، أو المؤلف كثيراً، بما أن الجهد المبذول من قبله، وهو يضع فهرست كتابه، قد استغرق وقتاً محسوباً، وهو يتخيل كيفية استدراج القارئ، وأي قارئ يكون هذا، كيف يُبقي الفهرست في الواجهة.
وكأنه حكاية الكتاب الكبرى، وليس عتبته، ليكون لجمالية الوهم في جانب الإقدام على اقتناء الكتاب وقراءته، دورٌ ملحوظ،، وهو وهم موزَّع بين ما يعتبره سعادة المستشار، ضرورة تعريفية بالكتاب مسبقاً، وما يراه المؤلف حقاً محفوظاً تاريخياً، وما لا يدركه القارئ من هذا الوهم المشروش في الحالتين، بما أن رغبته ذاتها، تتخذ من الوهم حافزاً ما، لا ينقطع عنه، في إجرائه هذا!
إزاء علاقة معقدة كهذه، ألا يكون سعادة المستشار، متعدداً؟ إن القارئ ذاته، متقدم في ركب سعادة مستشاره، أي اعتقاده الضمني بأهمية مقروئه مسبقاً، وكلٌّ في اتجاه مختلف، ويبدو أننا جميعاً، مسلّمو أمرنا لسعادة مستشارنا، خصوصاً حين نعتبره منفصلاً عنا، بينما نحن نسمّيه، ونوجّهه هنا وهناك، لنبقى بعيداً عن المساءلة، وفي الوسط يقهقه سعادة المستشار، على هذه المفارقة التي ننتمي إليها، دون أن نعترف بها، كما يجب، إذ يمثلنا سعادة المستشار دائماً!
إبراهيم محمود
