«ذاكرة الفنان تغربل وتنتقي ما هو مهم ومميز. تريني ذاكرتي ما لا ينسى، وتساعدني على الاحتفاظ بعبق يسكن هواجسي ولا يفارقني حتى أضعه في إطار معين، وهو الكتابة» قول للروائية الأميركية الصينية ماكسين هونغ كينغستون أدلت به خلال مقابلة معها عام 1987.

تعتبر ماكسين التي ولدت في كاليفورنيا في 27 أكتوبر عام 1940 من أكثر النساء المناصرات لحقوق المرأة نشاطا في العصر الحالي وتقول في كتاب سيرة حياتها «المرأة المحاربة» أن قدرها أن تحارب بالكلمة، العنصرية الأميركية واضطهاد المرأة الصينية الأميركية في مجتمعها وغياب العدالة. وتحكي أنها عاشت طفولتها بين والد تميز بصمته الدائم وأم متعلمة نقلت إليها وإلى أخوتها وعيها وحبها للمعرفة والثقافة. وتذكر أن السنوات الأولى من طفولتها في المدرسة عاشتها بصمت، لتتفوق بعدها في دراستها وتحظى بمنحة دراسية من جامعة بيركلي في كاليفورنيا. درست في البداية الهندسة ثم تحولت إلى الأدب الانجليزي وحصلت على الماجستير عام 1962، وتزوجت من زميلها في الجامعة الممثل إيرل كينغستون.

قرر الزوجان عام 1967مغادرة كاليفورنيا بهدف الانسحاب من الحركة المناهضة للحرب التي كانت تزداد عنفا حينها، واستقرا في هاواي بدلا من اليابان كما خططا، وعاشا فيها لمدة سبعة عشر عاما. وهناك درّست في الثانوية الانجليزية والرياضيات، وأضحت بعدها أستاذا زائرا في جامعة هاواي حيث كتبت مذكراتها لتنشر بعنوان «المرأة المحاربة» عام 1976 لتكتب بعدها روايتها «الاكتشاف» ولتضمها إلى عملها التالي «رجال الصين» عام 1980 ، لتعود بعد ذلك مع زوجها إلى كاليفورنيا مجددا.

كانت إقامتها في هاواي بمثابة إجازة طويلة استطاعت خلالها العمل على العديد من الإشكاليات مع نفسها فيما يتعلق بالهوية والانتماء وإصدار كتابين. كما ساعدتها معرفتها بالطبقة العاملة من جنسيات مختلفة حيث عاشت طفولتها، على اكتساب حكمة حياة الشارع والفهم العميق لمعاناة الإنسان. وتذكر أن والدها كان مدرسا ووالدتها طبيبة أعشاب وقابلة قانونية قبل الهجرة، وفي الوطن الجديد عملت والدتها خادمة ونادلة ومارس والدها شتى المهن كعامل في مصبغة ومنظف زجاج.

وتعد ماكسين من الأدباء الذين يستمدون إلهامهم من ذاكرتهم الحافلة بنماذج متنوعة من الشخصيات التي تركت أثرا كبيرا في حياتهم. وقد عايشت الأديبة التحولات والظروف التي مرت بها عائلتها سواء على الصعيد المالي أو الإنساني. وتتمحور جميع مواضيع أعمالها حول حياة الناس من مختلف الأنماط في أميركا، وتقول إن كتابتها تضفي المادة على شخصيات الأشباح التي تجول في ذاكرتها أو مخيلتها.

ويذكر أن كتبها حازت على العديد من الجوائز القديرة مثل ناشيونال بوك وبوليتزر وغيرها، ومن أهم رواياتها أيضا «صيف في هاواي» و«من خلال الستارة السوداء» و«سيد الرحلات: القرد» ، بالإضافة إلى العديد من الكتب النقدية والثقافية.تتناول في روايتها « الإكتشاف» التي ضمت إلى كتاب «رجال الصين» عدة محاور إنسانية حيث تمثل أرض النساء وما يدور فيها، أميركا والعنصرية العرقية التي تمارسها على الشعوب المهاجرة إليها من غير البيض، وكذلك العنصرية التي يمارسها الرجل على المرأة سيما في المجتمع الصيني.

وكذلك قوته التي استمدها من القوانين التي فرضها على المجتمع.أما فيما يتعلق بأسلوبها، فهي تعتمد على الراوي المحايد الذي يسرد الأحداث كما تجري دون الدخول إلى فكر أو مشاعر الشخصيات، من خلال الأساطير الصينية وقصص العائلات والتاريخ. وتدعى هذه التقنية في الغرب بالمنحى الشعري الذي ينتمي إلى أدب ما بعد الحداثة.

وتجمع في عملها بين أسلوب السخرية في موضوع ينظر له بجدية، ويتجلى عندها في فكرة اكتشاف أميركا التي تعتقد أن الصينيين وصلوا إليها قبل آلاف السنوات، إلى جانب الرمزية والمجاز في قول قصة خفية من خلال القصة الخارجية والجمع بين رمزية الأحداث والفكرة.

تبدأ الرواية بعبارة «كان يا ماكان في قديم الزمان»، مكتشف صيني يدعى تانغ آو يعبر المحيط بحثا عن جبل الذهب أو الذهب الذي تم اكتشافه في كاليفورنيا. وبدلا من وصوله إلى الذهب يصل إلى جزيرة أرض النساء، ويستسلم بود للنساء اللواتي أحطن به.

لكن سرعان ما تتلاشى أوهامه، إذ تقوم النسوة بتقييده وحجزه في غرفة إحداهن. ثم دخلن عليه وبيدهن علبة الخياطة وحينما سألهن عن السبب قلن له أنهن سيخطن فمه، لكنهن ثقبن أذنيه ومن ثم بدأن بكسر عظام أصابع قدميه دون اهتمام بآلامه، وقمن بعد ذلك بحنيها إلى الداخل ولفها بالأقمشة، ليكررن العملية ذاتها على مدى أشهر. التزم تانغ بعد اليوم الأول الصمت كالنساء ولم يعترض على وجوب غسله للضمادات المطرزة التي كانت تفوح منها رائحة العفونة حيث كان يشعر بالخجل من نفسه لغياب رجولته.

ويخبرنه أن جميع تلك الإجراءات لإعداده للقاء الملكة، وكانت تشتد آلامه في كل مرة فتحن فيها الضماد. وكن يطعمنه على مدى شهورالمأكولات الخاصة بالنساء. وفي أحد الأيام نزعن الشعر من وجهه ورسمن حواجبه بالأسود وطلينه بالمساحيق كالنساء تماما، وكان جاهزا لمقابلة الملكة بعد أن ألبسنه الحرير.

وصل إلى القاعة ليكتشف أن المطلوب منه هو خدمة الملكة ومدعويها. وخلال الخدمة كانت النساء تتأمل بإعجاب قدميه الصغيرتين وتمايل جسده خلال سيره. ويدرك القارئ من خلال السرد ما كانت تواجهه المرأة الصينية في حياتها وبصورة ما يدرك تانغ مأساة حياتها وأن الرجال هم من فرضوا عليها الضعف والدونية.

وتأتي النهاية بقول الراوي أنه لا يوجد في أرض النساء حروب أو ضرائب، وربما اعترض البعض على الزمن الذي اكتشف فيه تانغ أرض النساء. ويقال إن تلك البلد اكتشفت خلال حكم الإمبراطورة و(694 705) قبل الميلاد، وآخرون يقولون قبل ذلك بمائتي عام، وعلى الأرجح أن أرض النساء حسب رأي الراوي ما هي إلا أميركا الشمالية.

الكتاب: الاكتشاف

تأليف: ماكسين هونغ

الناشر: كينغستو نفينتيج ــ نيويورك 1989

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

On Dsicovery

Maxine Hong Kingston

Vintage -N.Y.1989

P 320