«معركة الحرية» التي يقصدها مؤلف هذا الكتاب تخص تحديدا مفهوم «التدخل لأسباب إنسانية». ومثل هذا التدخل يتناظر في واقع الأمر، كما يتم تقديمه، مع «تدخل عسكري يتم القيام به من أجل تجنب خرق حقوق الإنسان أو وضع حد نهائي لهذا الخرق، وذلك ضد دولة ذات سيادة دون رضاها بذلك».
وبهذا المعنى إذا كانت إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش قد قدّمت التبرير الرئيسي لغزو العراق في ربيع عام 2003 بـ «امتلاكه أسلحة دمار شامل» فإن مطلب «الإطاحة بالنظام» شكّل «هدفا مكمّلا هاما». ويبيّن مؤلف هذا الكتاب كيف أن «منطق التدخل لأسباب إنسانية» قد يحمل أخطارا كبيرة، إذ يمكن اللجوء بـ «سهولة» إلى مثل هذه المقولة لـ «تبرير» خرق السيادة الوطنية لأية حكومة وحيث يكون القصد الحقيقي هو خدمة مصالح هذه القوة الخارجية أو تلك. لكن تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن إدارة جورج دبليو بوش قد انتهجت عمليا نفس الخط الذي كانت الإدارة الأميركية السابقة، إدارة بيل كلينتون، قد دشنته في يوغسلافيا السابقة خلال سنوات التسعينات. بل وتتم الإشارة إلى أنه دون ذلك التدخل في عهد كلينتون، كان من الصعب كثيرا قيام إدارة بوش باجتياح العراق.
وتحت عنوان «نزعة إنسانية أم إمبريالية؟» يبيّن المؤلف كيف أن مقولة «اضطهاد الجماهير» جرى استخدامها من أجل «استبعاد» صفة التدخل الخارجي، وصبغ «نزعة أخلاقية» عليه. بالمقابل جرى في أحيان كثيرة إعطاء عملية إرسال القطعات العسكرية للتدخّل «الإنساني» في هذا البلد أو ذاك صفة «النزعة الإمبريالية».
وينقل بهذا الصدد عن الرئيس السوداني عمر البشير قوله: «إننا لن نقبل قدوم القوات الاستعمارية إلى بلادنا». ويجد في هذا الكلام «صدى» لما كان قد قاله ذات يوم رئيس بيلوروسيا الكسندر لوكاشينكو، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة وجاء فيه: «إذا لم تكن هناك حجج للتدخل فإنه يمكن للمخيلة اختراع مثل هذه الحجج. وهكذا يجري اختيار الديمقراطية وحقوق الإنسان».
أصداء مثل هذه المقولات تتردد على مدى تحليلات كتاب «معركة الحريّة» ويرى أنها تمثل إلى حد كبير صدى لـ «تقاليد فكرية» يمكن وجود صداها لدى كبار المفكرين والمختصين بالسياسات الدولية، خاصة تلك التي اتبعتها بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. هؤلاء المفكرون اعتبروا أن «السياسة الدولية لا أخلاقية وتمثل منافسة متوحشة من أجل البقاء والفتح».
ولذلك ينبغي على «الدول ذات السيادة» أن تعتمد على قواها الذاتية من أجل ضمان أمنها» ومع هذه الحالة «يضيق هامش» الأخلاق، فالمسألة لها أولا وأساسا علاقة بـ «المصالح». إذ «عندما يتعلق الأمر بمصالح الأمة، تتوقف الأخلاق، هذا ما فعلته انجلترا خلال قرون وهذا ما فعلته أميركا وهذا ما تفعله روسيا باستمرار»، كما ينقل المؤلف عن أحد الذين مثلوا أمام محكمة نورمبرغ.
وباسم هذه المصالح كان جورج دبليو بوش، قد أعلن في البداية «ينبغي علينا عدم إرسال جنودنا من أجل كبح عمليات التطهير الاثني ومجازر الإبادة في البلدان الموجودة خارج إطار مصالحنا الإستراتيجية، ثم «غيّر» رأيه كما يشير المثال العراقي البليغ.
ويربط المؤلف في التحليلات المقدّمة بين مفهوم «التدخل لأسباب إنسانية وبين مفهوم جديد لـ «السياسة الخارجية» الأميركية. لقد أصبح يتم التأكيد على أن «الأخلاق» و«الدوافع الإنسانية» تمثّل أحد المشاغل الأساسية في الحياة الأميركية، بل و«ينبغي المخاطرة بالحياة من أجل الدفاع عنها» مما يعني التخلّي عن «مفهوم السيادة الوطنية» الذي يؤكد عليه ميثاق الأمم المتحدة.
ويعود المؤلف لدراسة دروس التاريخ وإلى تلك الفترة التي تمرّد فيها اليونان على سلطة الباب العالي في ظل الإمبراطورية العثمانية، وقامت القوات التركية بعمليات قمع شديدة ضد المتمرّدين. كذلك يعود المؤلف إلى دراسة أزمتين هما تلك التي انفجرت عام 1860 بين المسيحيين والدروز في جبل لبنان ، وأزمة 1870 التي كان البلغاريون ضحايا فيها للسلطة العثمانية.
ولا ينسى المؤلف مجزرة الأرمن في تركيا عام 1915 أثناء الحرب العالمية الأولى. في هذه الأزمات كلها لم يتحمّل العالم، كما يقول المؤلف، مسؤولياته «الأخلاقية».
هذا في الوقت الذي تتطلب فيه «معركة الحرية» تحمّل مثل تلك المسؤوليات إذا أرادت أية قوة ترميم «زعامتها الأخلاقية» للعالم.
ولعل من أهم ميزات هذا الكتاب أن المؤلف لا يتخذ أي موقف «متحيّز» لما يسميه بـ «معركة الحرية» المتعلقة بالتدخل لأسباب إنسانية. إنه يستعرض هذا المفهوم خلال «تطوره» ويقدّم وجهات نظر مؤيّديه ومعارضيه منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى اليوم.
ولا شك أن التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب تساهم كثيرا في «تعميق» النقاش نحو مفهوم يمثل مساحة هامة من النقاشات القائمة اليوم حول «مشروعية التدخلات الخارجية باسم الأخلاق والقيم الإنسانية.
المؤلف في سطور
غاري ج. باس، مؤلف هذا الكتاب، هو أستاذ للسياسات والعلاقات الدولية بجامعة برنستون بالولايات المتحدة الأميركية. كان قد عمل كصحافي في «الايكونوميست» وتعاون مع عدد من الصحف الكبرى الأخرى مثل النيويورك تايمز والنيويورك والواشنطن بوست ونيوريبوبليك وغيرها. له كتاب عن «بقاء يد الثأر: سياسات محاكم جرائم الحرب» الذي نال اهتماما كبيرا من قبل النقّاد عند صدوره.
الكتاب: معركة الحرية: أصول التدخل لأسباب إنسانية
تأليف : غاري ج. باس
الناشر: نوف ــ نيويورك 2008
الصفحات: 528 صفحة
القطع: المتوسط
Freedom's battle : the origins of humanitarian intervention
Gary J. Bass
Knopf Publishing N .Y 2008
P.528.

