في كتاب «مستقبل غير مكتمل» يطرح المؤلف دافيد فريدمان العلاقة المستقبلية بين «التكنولوجيا والحرية». وكان هذا الموضوع، كما يشير في المقدمة، قد شغل اهتمامه منذ سنوات طويلة.
ما يتم تأكيده منذ البداية هو أن مسألة العلاقة بين التكنولوجيا والحرية ستكون أحد المواضيع الأساسية التي ستوليها الإنسانية اهتمامها خلال العقود القريبة القادمة. وذلك في ظل مقبول كبير عرفته في واقع الأمر في العلاقة مع العلم ذاته. ذلك أنه في الوقت الذي شكّلت العلوم في الحقب السابقة وسيلة بيد الإنسان من أجل السيطرة على الطبيعة أصبح السؤال المطروح عليها اليوم هو كيفية السيطرة على العلوم ذاتها. إن المؤلف يستخدم في تحليلاته معارفه العميقة في ميادين العلوم الفيزيائية وعلوم المجتمع وعالم «الخيال» العلمي. هكذا يقدم شروحاته عن «سلسلة من الثورات التكنولوجية التي يمكن أن تستجد خلال العقود القادمة». ويبحث أيضاً في النتائج التي سوف تترتب عليها والطرق التي يمكن للبشر أن يتعاملوا معها. ويصل من خلال هذا كله إلى التأكيد على مقولة يرى أنها هي «الحقيقة» الوحيدة التي تلوح في الأفق، ومفادها أن «المستقبل مضطرب بصورة راديكالية».
لكن بالمقابل لا يغرق المؤلف في نزعة التشاؤم السائدة إلى هذه الدرجة أو تلك في الدراسات المستقبلية خاصة فيما يتعلق بالتكنولوجيات. بل إنه على العكس يترك الباب مفتوحا.
هذا الكتاب هو إذن وكما يحدد المؤلف القول عن «التبدلات التكنولوجية ونتائجها وما تطرحه على العالم من تحديات».
ويؤكد المؤلف بأشكال مختلفة أنه «لا يستطيع التنبؤ بالمستقبل»، ولا أحد في العالم يستطيع أن يفعل ذلك، ذلك أن المنظورات التي يمكن للتطور التكنولوجي أن يأخذها متعددة ومتنوعة. كل ما يعرفه، كما يقول، هي أنها «سوف تعيد صياغة العالم»، بما يترتب عليها من نتائج. وأنها قد تؤدي إلى «ثورات سعيدة»، أو أنها على الأقل «تحضّر لها». لكن يبقى الأهم بنظره هو إمكانية التأقلم الصعب مع كل واحدة من هذه الثورات المحتملة.
باختصار يرى المؤلف أن التكنولوجيا قد تؤدي إلى «تثوير العالم». وهو يشير بهذا الصدد إلى النقاشات المستمرة التي يجريها مع طلبته في كلية الحقوق بجامعة سانتا كلارا منذ سنوات حول هذه «الثورات» وآفاقها المستقبلية.
ومن المسائل الهامّة التي يؤكد عليها المؤلف في منظور نتائج التبديلات التكنولوجية التي قد تعرفها البشرية هناك مسألة «أقلمة المؤسسات القانونية» التي تحكم آلية عمل منظومة التكنولوجيات الجديدة التي ستعمّم آثارها على مختلف وجوه الحياة الاجتماعية للبشر المعنيين فيها.
هكذا مثلا سوف تغيّر تكنولوجيات المعلوماتية بصورة جذرية سبل «الدفع» في المعاملات والمبادلات. وبالتالي يمكن للعملات الورقية أن تنحسر شيئا فشيئا من الأسواق وصولا إلى زوالها الكامل. وما ينطبق على العملات يمكن أن ينطبق أيضاً على مختلف آليات التعامل والتبادل التجاري «الرقمي».
مثال آخر من التبديلات التكنولوجية يرى المؤلف أنه سيكون لها آثارها «الثورية» على المجتمعات البشرية ويتعلّق بـ «التكنولوجيات البيولوجية». إن هذه التكنولوجيات مثلا سوف «تلغي ماضي عمره آلاف السنوات من القواعد التي قامت عليها قوانين الأسرة». بل ويؤكد المؤلف أنه قد تمّ الشروع ب«تصحيح» هذه القوانين كي تتأقلم مع معطيات التكنولوجيا الجديدة. ويبقى السؤال هو معرفة إلى أية درجة يمكن للبشر قبول التغييرات التي ستفرضها التكنولوجيات مستقبلا فيما يخص آليات الاستنساخ وغيرها من مستجدات علوم الحياة.
بكل الحالات يشير المؤلف إلى أن نقاشاته حول المستقبل تخص العقود الثلاثة المقبلة ؛ مع التأكيد على منعطفين مفصليين في عام 2030 وعام 2040. بهذا المعنى ينظر إلى المستقبل القريب وما قد يتضمّن عليه من تهديدات، يتفق الجميع على أنها كبيرة وحاسمة؛ ولكن أيضاً ما قد يفتحه من آفاق أمام البشرية. وبهذا المعنى أيضاً ليس هناك «مستقبلا» واحدا أمام البشرية وإنما عدّة «نسخ» محتملة من الصيغ المستقبلية.
وفي المحصّلّة يحمل هذا الكتاب «رسالة» يمكن تلخيصها بالقول «لا نعرف ما الذي سوف يحدث في المستقبل،لكن هناك احتمال قليل أن يشابه كثيرا الماضي. ومن المفيد البدء بالتفكير فيه منذ الآن».
الكتاب : مستقبل غير مكتمل التكنولوجيا والحرّية في عالم مضطرب
تأليف : دافيد د.فريدمان
الناشر: جامعة كامبردج ــ 2008
الصفحات: 300 صفحة
القطع: المتوسط
Future imperfect,
Technology and freedom in uncertain world
David D.Friedman
Cambridge university press 2008
P.300

