الجزء الأول من رواية «بلد اسمه الوطن» يسبقه نص مقتطف من كتابات جون جاردنر هو: «السقوط من رحاب العناية لا نهاية له». لماذا اخترت هذا المقتطف؟
اقترن شبابي بتعاليم الأصولية الدينية والتكرار المستمر للحديث عن سقوط الإنسان من رحاب العناية، تلك السقطة من جنة عدن. والحقيقة أن أبي كان رجلاً يتسم بمزيج من النبل النادر والتقدير المعيب للأمور. وذلك هو تعريف الشخصية المأساوية. وقد كان مندفعاً نحو إيجاد حياة أفضل لنفسه ولعائلته.
وعلى الرغم من أن بطل روايتي توماس ديراكوت هو طبيب من خريجي جامعة يال، بينما كان أبي قاطع أخشاب لم يحصل إلا على القليل للغاية من التعليم، فإنهما معاً كان يؤمنان بأن بمقدورها السيطرة على العالم من حولهما بمزيج من الرؤية والإرادة الاسمى.
ومثل هذه النوعية من الناس غالباً ما تؤدي رؤيتها إلى افقادها البصر، حتى وإن كانت الرؤية نفسها مشرفة، وعلى الرغم من أن حكمها المعيب قد يسفر عن الفوضى لا عن النظام، فإننا نستفيد من محاولاتها.
وهذا هو السبب في أن رواية «بلد اسمه الوطن» مقسمة إلى جزءين، الجزء الأول هو قصة توماس ديراكوت ومحاولته التوصل إلى وجود مثالي لزوجته وإبنته والجزء الثاني يستكشف كيف أن رؤية ديراكوت، على الرغم من أنها رؤية مدمرة، إلا أنها أيضاً رؤية خلاقة في حياة ابنته إيليس، حيث ندرك الفرصة المتاحة للخلاص.
من أين جاء عنوان روايتك؟
أمضيت أنا وجيني جاكسون محررة روايتي ومراجعتها بعض الوقت في البحث عن عنوان لها. وعندما اقترحت العنوان.. «بلد اسمه الوطن» أحبته جيني في التو. وأعتقد أننا كلينا قد فهمنا كيف يستحضر هذا العنوان الشعور بالأمل والحنين والاصرار الذي يستكشف الكتاب آفاقه.
والوطن بالنسبة لي يعني أموراً كثيرة، فهو مكان للارتياح، للاعتراف، للانتماء. وأنا أفكر في قصة إرنست هيمنغواي بعنوان « في بلد آخر»، حيث البلد ليس مفهوماً عضوياً ببساطة، وإنما هو أيضاً مفهوم عاطفي وذهني.
ووليام جاس له قصة رائعة بعنوان «في قلب قلب البلد» وأنا أحب استخدام كلمة قلب للايحاء ليس بالمركز الجغرافي فحسب وإنما بالكيان العاطفي أيضاً.
تقع أحداث «بلد اسمه الوطن» في أيداهو التي تقيمين بها. ويبدو أن هناك شيئاً في المشهد الطبيعي للغرب يلهم الكثير من الكتاب. كيف ألهمتك الإقامة في ايداهو كتابه أدب إقليمي إن لم يكن الكتابة على الإطلاق؟
إنني أقاوم اصطلاح «الأدب الإقليمي» ولكنني أيضاً أتفهم كيف أن المشهد الطبيعي الغربي يبدو أنه يتخذ حياة خاصة به في أذهان القراء.
والغرب لايزال بطريقة ما أرضاً مجهولة بالنسبة لمن هم خارجها، وربما كانت هذه الساحة الرحبة والدراماتيكية هي التي تحدد مناخ القصة. وبالنسبة لي فإن النشأة في مخيمات قطع الأخشاب المعزولة والبلدات الصغيرة في شمال أيداهو جعلت المشهد الطبعيي يرتبط غريزياً بإحساسي بالقصة.
والمشهد الطبيعي الغربي جديد ولايزال رهن التجزئة والنقل، الجبال لاتزال تنداح الأنهار عبرها، والبراكين لاتزال تثور، وأنا أعانق ذلك الشعور بالعاطفة، بالأشياء التي لاتزال تتشكل ويعاد تشكيلها، على مثل هذا النطاق الهائل. وأنا أحب الدراما، الأمكان بالنسبة للعالم الطبيعي في إثارة الحركة.
وأنا لا أكترث بأي مكان أكتب عنه، فأنا أريد أن أكتب عنه بصورة حميمية، وأن أعرفه كما تعرفه شخصياتي، وأن أكون قد استوعبت أوديته المترامية وانهاره المنداحة الى وعيي، فنحن جميعاً تحددنا الحقائق العضوية للمكان، سواء أكان هذا المكان نيو هافن في ولاية كونيكتيكت أو فايف في ولاية أيداهو. والروائح، النباتات، الحيوانات، الشعور بالمطر المنهمر في غير الموسم المعتاد أو بتلوح الجبال، هذا كله جزء من تجربة يتعين على الكاتب أن يعيد إيجادها لكي تكون القصة قابلة للتصديق.
تقع أحداث الرواية في الستينات والسبعينات من القرن العشرين. لم اخترت هذه المرحلة الزمنية؟ هل تغيرت أيداهو بصورة ملموسة منذ ذلك الوقت وهل ستكون روايتك عملاً مختلفاً لو أن أحداثها كانت تقع في الوقت الراهن؟
شأن الكثير من الأماكن في الغرب، فإن أيداهو تعرضت لتغييرات دراماتيكية في العقود الأخيرة، وغالباً ما كان ذلك من خلال زيادة عدد السكان. وتمثل الستينات والسبعينات ذروة هذا التغيير. وأنا أقول غالباً إن الناس يقبلون على الغرب معتقدين أن بمقدورهم الهرب من عذاباتهم.
ولايزال يدوي في رؤوسهم ذلك الصوت «أيها الشاب، إمض غرباً!» تلك الرغبة في «الانفتاح على المناطق» كما يعبر هاكلبري فن في الرواية الشهيرة. فالغرب هائل في نهاية المطاف، كل ذلك الفضاء المفتوح والسماء الهائلة. الغرب يسمح لنا بالاعتقاد بأنه لايزال هناك مكان يمكن أن نهرب إليه، حيث يمكننا أن نختفي ونعيد صياغة أنفسنا. ولكن، بالطبع، فإن كل ما نفعله هو أن نحمل عذابنا معنا.
زوجك شاعر.. ما هو الشعور الذي يمنحه أن يكون المرء جزءاً من عائلة مهنتها الكتابة؟
يعود زواجي من الشاعر روبرت ريجلي إلى ربع قرن مضى. وقد سألتني إحدى طالباتي: «ما الذي تتحدثان عنه أثناء تناول طعام الإفطار؟». وقد أضحكني ذلك، لأنه من منظورها فإننا لابد أن نحيا في حالة مستمرة من التفاعل المثير. والحقيقة هي أننا غالباً ما نجد أنفسنا نتحدث عن فكرة تصلح قصيدة أو عن رؤية نافذة لدوافع إحدى الشخصيات. ونحن لا نسأم أبداً من تصور ومناقشة الإمكانات المتضمنة في فننا.
ما الذي تشتغلين عليه الآن؟
إنني أعمل على إنجاز رواية تقع أحداثها في الستينات من القرن الماضي في السعودية، وهي تدور حول زوجين شابين أميركيين يتابعان مسيرة الازدهار النفطي، فينتقلان من أوكلاهوما إلى أبقيق، حيث يقيمان في مجمع مسور تابع لإحدى شركات النفط الأميركية ـ السعودية المشتركة. وكل ما يريدانه هو حياة أفضل لنفسيهما، وينتهي بهما المطاف إلى أن يدفعا ثمن هذه الرغبة غالياً. وبهذه الطريقة فإن هذه الرواية لا تختلف كثيراً عن رواية «بلد اسمه الوطن» من حيث ذلك السقوط الذي لا ينتهي من رحاب العناية الإلهية.
المؤلف في سطور
ولدت الروائية الأميركية كيم ماري بارنز في 22 مايو عام 1958 في لويستاون في شمالي ايداهو، وعملت في العديد من المهن منذ كانت في الثالثة عشرة من عمرها، وعملت مدرسة مساعدة، وهي تعمل الآن أستاذة للغة الانجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة أيداهو.
استهلت حياتها الإبداعية بكتابة الشعر والقصص القصيرة. وقدمت كتابين ينتميان إلى السير الذاتية هما «في البرية» (1996) و «جائعة للدنيا» (2000)، بالإضافة إلى روايتها «العثور على كاروزو» ومؤخرا روايتها «بلد اسمه الوطن». تلقت العديد من الجوائز وأشكال التكريم، ومنها منحة قيمتها خمسة آلاف دولار من لجنة إيداهو للفنون عام 1991 والزمالة من مؤسسة جيرار عام 1995.
منى مدكور
