السياسي السوفيتي الروسي المخضرم يفغيني بريماكوف من مواليد كييف 1929. عاش طفولته في تبليسي وتخرج من معهد الاستشراق، عمل في بداية تخرجه صحافيا ومذيعا ومراسلا للبرافدا في عدة بلدان اغلبها عربي وحاز شهادة في العلوم الاقتصادية وشغل منصب مدير معهد الاستشراق وعضوا في هيئة رئاسة أكاديمية العلوم السوفيتية، كما تولى رئاسة مجلس السوفيت الأعلى وأصبح عضوا في مجلس الرئاسة ومجلس الأمن القومي وتولى في التسعينات رئيس جهاز المخابرات الخارجية ومنصب وزير الخارجية وفي عام 1998 تولى منصب رئيس حكومة روسية الاتحادية وهو يشغل حاليا رئاسة غرفة التجارة والصناعة في روسية الاتحادية.
عاصر بريماكوف معظم الأحداث المصيرية العربية وله مواقف مشهودة في الدفاع عن الإسلام إبان إسقاط البرجين. يعطي هذا الكتاب عرضا لأهم وقائع تجربته السياسية ويبين خفايا السياسة الروسية والعالمية ويوضح أهم خصال هذه الشخصية وهي الاستقامة والوطنية والنزاهة. وهو في تصدير الكتاب لقراء العربية يقول انه ستبقى لروسية كلمتها في الشرق العربي. يتذكر بريماكوف جنازة ستالين الهستيرية وكان بريماكوف وأبناء جيله وقتها يتصورن الحياة في الاتحاد السوفييتي مستحيلة من غيره! ويتهكم على تلك الأيام التي كانوا يتصورن الماركسية دينا لكنه مع ذلك يقول (انه لا يجوز إلقاء الطفل من الطست مع الماء الوسخ) ويثني كثيرا على زوجته المحبة «لاؤرا خارادزه» التي ضحت بمواهبها الكثيرة من اجله وعاش معها ستة وثلاين عاما سعيدة.
في أثناء حياته الصحافية التقى كثيرا من زعامات العرب مثل صدام حسين وطارق عزيز ومصطفى البرزاني والزعماء السوريين البعثيين ابان الانفصال وجعفر النميري ومعظم القادة الاسرائيلين مثل جولدا مائير وموشي دايان والقادة الفلسطينيين مثل ياسر عرفات وابو مازن والملك حسين والزعماء اللبنانيين ويذكر العاهل السعودي الملك فهد الذي سرّ في إحدى الزيارات إلى السعودية بفلم وثائقي روسي عن زيارة الامير فيصل إلى موسكو 1930.
يتحدث (عن المنشقين داخل النظام السوفييتي) والإصلاح البطيء داخل النظام وتشويهات ستالين لتعاليم لينين والبيروستوريكا ويقول انه كان يمكن إنقاذ الاتحاد السوفييتي بالإصلاح الاقتصادي البطيء لا بالصدمة التي فتت الاتحاد. وان السبب الرئيس في انهياره هو عدم البدء بالاقتصاد وعداء الغرب للاتحاد. شارك بريماكوف في المفاوضات بين العراق وأميركا في حرب الخليج الثانية ويصف تصرفات صدام بالمراكمة للأخطاء وبغياب روح المسؤولية الذي انتهى في حرب الخليج الثانية بإخضاع العراق بلا قيد ولا شرط لمطالب المجتمع الدولي كل ذلك بسبب قناعة صدام أن أميركا لن تخذل نظامه؟ ويؤكد أن أميركا في حربها الكارثية حولت النظام العلماني العراقي إلى نظام ديني وقاعدة للإرهاب بدلا من أن تكون واحة للديمقراطية كما بشر جورج بوش!
ويذكر في تجربته كرئيس للاستخبارات الخارجية أسرار استخبارية ويفتح ملفات مخبرين مزدوجين مثل بوتوكوف الذي التحق ببريطانيا والمقدم ايلاريونوف الذي هرب إلى أميركا والرائد جايدوك، وليف ريزون الذي عرف في الغرب «بالكاتب المبدع» ويذكر أهم أسباب الولاء المزدوج وهي: الغرور والحسد والفوضى في العلاقات الجنسية والخمر والاكتئاب والفقر وهي أسباب معروفة في أدبيات الاستخبارات الأميركية ويضف إليها: الأسباب الايديولوجية أو العنصر الفكري ويشرحه: ليس الإيمان بفكرة وإنما عداء فكرة أيضا؟
وفي مراقبته لمشكلة الشرق الأوسط الأولى يرى أن إسرائيل لن تستطيع حل مشكلتها بالقوة وقد أثبتت حروبها كلها هذا، أما إذا استطاعت أميركا حلها فإنها ستعوض كل خسائرها والحل ببساطة يكمن في تعديل بعض خطوط الحدود وحل مشكلة اللاجئين.
أما عن جرح الشيشان النازف فيعيد سببه الرئيس إلى الجنرال الشيشاني الأصل في الجيش الروسي جوهر دودايف الذي غنم أسلحة كبيرة اثر انسحاب روسية عام 1991، فقويت شوكة الإجرام وكثرت العمليات الإرهابية وزادت وتيرة خطف الرهائن لكن يلتسين سيندم على اتفاقية خساف يورت 1996 أو على الأقل عدم تصفية باسايف الذي كان يتمرد على جوهر دودايف ومن بعده مسعادوف وينوي مدّ نشاطاته إلى داغستان. مما اضطر روسيا إلى شن حرب في عام 1999 على الشيشان وإنهاء الصراع هناك.
لم يقبل بريماكوف بمنصب رئيس الوزراء في عهد يلتسين 1998 إلا تحت الضغط وقد خطب في مجلس الدوما قائلا: (لا ادري أيهما لصالحي تصويتكم معي أو ضدي) وحصل وقتها على أكثرية دستورية قياسية هنأه جيرونوفسكي بعدها مؤكدا احترامه له رغم تصويته ضده.
كان الليبراليون المزيفون (الاوليجاركيين) المرتبطين بمدرسة شيكاغو قد تركوا له روسيا مشلولة الاقتصاد وتعاني من بطالة حادة ومن انفجار الأسعار الاستهلاكية. فالنهج الليبرالي برأيه لا يمكن أن يكون وصفة عامة دون الأخذ بعين الاعتبار خصائص الدولة ومميزات اقتصادها وقد أدت الوصفة الليبرالية المجنونة إلى بيع مؤسسات الدولة إلى القطاع الخاص ونقل مبالغ طائلة إلى مصارف الغرب..
عمل بريماكوف جهده في دعم الروبل والرقابة وحل مشكلة الديون وتقنين الضرائب وليس التفاني في جمعها بلا رحمة لكن ابنة يلتسين «تاتيانا ديا تشينكو» التي مارست في العائلة دور المنقذ استطاعت نصب الفخاخ له بالتآمر مع رئيس ديوان الكرملين فولوشين وأبعدته عن منصب رئيس الوزارء بعد ثمانية أشهر فترك المنصب رافضا الأوسمة التقديرية على نهاية الخدمة. يقول انه فوجئ ببوتين الذي اختاره يلتسين حتى يحفظ مصالحه، إذ لم يكن يعرفه في أثناء رئاسته لجهاز المخابرات!
ويحمد بوتين كثيرا على مشاركته أعياده الشخصية مرتين، ويعظّم جهده في تأسيس شعبية كبيرة بعد حرب الشيشان ومحاربة «الليبرالية المزيفة» ولجم الفاسدين واستثمار الحرب الإعلامية الالكترونية جيدا في حربه ضد الأمراء الجدد، ما أدى إلى نمو اقتصاد روسية ومشاركة الدولة في تطوير الاقتصاد وتحديثه والاستفادة من ريع بيع مواد روسيا الخام في مكافحة الفقر بالتنمية الاقتصادية في المجالات الأخرى.
الكتاب: حقول ألغام السياسة
تأليف: يفغيني بريماكوف
تأليف: يفغيني بريماكوف
ترجمة: عبدالله حسن
الناشر: دار الفكر ــ دمشق 2008
الصفحات : 525 صفحة
القطع: المتوسط
أحمد عمر

