هذا كتاب عن نجيب الريس وبقلمه وهو يضم ما كتب عن الريس في حياته وبعد وفاته إلى جانب بعض ما كتبه من متفرقات في الصحافة اللبنانية تحديدا مما يلقي أضواء جديدة على حياته ومواقفه.

وقد أضيف إلى هذا الكتاب بطبعته الجديدة بعض المقالات والصور التي غابت عن الطبعة الأساسية على النحو الذي جعل منه مرجعا لحياة نجيب الريس وتاريخ جريدته وما كتب عنه.

يتصدر الكتاب مدخل يتحدث فيه نجيب الريس عن والده تحت عنوان «ذاكرة الابن عن الأب»، فيعرض للمنزل الذي نشأ فيه ويشير إلى حياة والده في الحدود التي عايشه خلالها حيث يذكر أنه لم يكن يعرف أبيه جديا ذلك أنه في سنوات نمو وعيه كان تلميذا داخليا في المدرسة فكان احتكاكه به يقتصر على العطل المدرسية.

ويشير إلى أن والده كان يصحبه معه إلى بيروت وفي تلك الزيارات تعرف رياض إلى معظم أصدقاء والده اللبنانيين من صحافيين وسياسيين حيث كان والده يأخذه لقضاء فترة الغذاء معهم ولهذا السبب عرف معظم فنادق بيروت ومطاعمها الفخمة وكان بين العاشرة والرابعة عشرة من عمره حين أخذ يعي من هو أبيه ومن هم أصدقاؤه.

وحسبما يشير الكتاب فقد عرف الناس في نجيب الريس صحافيا كبيرا ووطنيا مؤمنا لا يبالي في سبيل أماني بلاده بالتضحية مهما غلا الثمن ولا يتراجع عما يعتقد أنه الحق ولو بذل في سبيله كل ما يستطيع لكنه لم يعرف في نواح أخرى هامة من حياته حيث عاش بعيدا عن المجتمعات العامة التي لم يكن يغشاها كثيرا منصرفا في معظم الأحيان إلى العناية بأبنائه وأصدقائه والإشراف على عمله وتحضير جريدته.

لقد كان نجيب الريس صحافيا موهوبا متين الأسلوب مرهف الحس عظيم الشعور بالمسؤولية ومما يرد في الكتاب رواية عن عبد الرحمن أبو قوس وكان مراسلاً لـ «القبس» في حلب أنه كلما التقى به كان يوصيه أن لا يعتني بالخبر قدر عنايته بالتعليق وكان يقول له: إننا لسنا تجار أخبار وإنما نحن موجهون ويجب أن نقول في غير مناسبة ما لا يتاح لزعماء أن يقولوه إلا في المناسبات.

وقد تعرض نجيب الريس بسبب مقاومته الصريحة والجريئة لسياسة الانتداب إلى كثير من الضغط والاضطهاد فكان في الفترة بين عامي 1920 و1943 نزيل السجون والمنافي والمعتقلات في قلعة دمشق والمزة وحسب وبيروت وراشيا وغيرها إلا أن أهمها كان سجن جزيرة أرواد حتى بلغ مجموعه ما قضاه من عمره في السجن حوالي ثماني سنوات.

وحسبما يشير الكتاب فقد كان نجيب الريس مرهوب الجانب من الحكام، فلم يكن هناك وزيرا أو رئيس وزارة أو حاكم مهما بلغ شأنه من القوة لم يكن يحترم نجيب الريس أو يحسب حسابه. وكان مبعث الرهبة والاحترام يعودا إلى شيئين قوة نجيب الريس أولا وترفعه عن المساومة ثانيا فلم يكن لديه حل وسط للقضايا والأمور التي تهم البلاد وكان هذا الموقف يفرض احترامه الكبير في قلوب الجميع على اختلاف ميولهم وأحزابهم. كان نجيب الريس يحب مجالس الأدباء، فكانت جلسة مع أديب مرموق تساوي لديه أشياء كثيرة لأنه ينصرف بنفسه إليه ويبادله الحديث عن الشعر قديمه وحديثه وعن أدباء الأمس وأدباء اليوم.

وفي فجر يوم السبت التاسع من فبراير عام 1952 استيقظ نجيب الريس فأدى فريضة الصلاة وتلا بعض آي من الذكر الحكيم كعادته كل صباح ثم تناول فطوره ونزل لتهيئة سيارته استعدادا للخروج وعاد إلى الدار بعد برهة للاستماع إلى نشرة أخبار الصباح فشعر بضيق في التنفس فاستدعي الطبيب الذي حضر على الفور ولكن يد الموت كانت أسبق وروعت دمشق في ذلك الصباح إذ سمعت من محطة الإذاعة في الساعة التاسعة منه نعي نجيب الريس.

وهكذا انطفأ الشهاب الذي لمع في سماء الصحافة السورية والوطنية والعربية ردحا قصيرا في زمن كان فيه للنضال لقيم وللسياسة أخلاق وللحرية باب بكل يد مضرجة يدق. ويعرض الكتاب بالتفصيل للساعات الأخيرة لحياة نجيب الريس والموكب الأخير مشيراً إلى احتجاب الصحف حدادا على الفقيد الراحل.

وقد كان أخر ما كتبه رياض الريس في جريدته «القبس» قبل وفاته مقالاً بعنوان «الحكم السابق أمم الكهرباء للأغنياء فلماذا لا يؤمم الحكم الحالي الدواء للفقراء؟

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» وأراد من خلاله كعادته أن ينصف الضعفاء من الأقوياء والمرضى من المستغلين والمحتاجين من المستثمرين لم يكن مريضاً ولكنه كان يشعر بآلام المرضى فيحنو قلبه الكبير عليهم حنوه على كل مضطر ويحدب عليهم حدبه على كل مظلوم ويندفع من أجلهم اندفاعه في سبيل كل مصلحة عامة. وعن نشيده «يا ظلام السجن» يشير الكتاب إلى أن العرب لم يعرفوا في هذا القرن نشيداً أبعد ذيوعاً من هذا النشيد ولم يتعرض نشيدا للنحل كما تعرض نشيد نجيب الريس.

ويخصص الكتاب قسما كبيرا لمقالات كتبت عن نجيب الريس في الصحافة السورية واللبنانية ومقالات كتبت في وداعه والمقالات التي كتبها نجيب الريس في الصحافة اللبنانية وكذا أدبياته ومنها محاضرة عن الشعر وكذا ذكريات شاعر في أرواد. كما يتضمن الكتاب رسالة من الأمير عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن آنذاك إلى نجيب الريس.

المؤلف في سطور

ولد نجيب الريس عام 1898 في مدينة حماة في سورية وتلقى علومه الأولية في مدارسها الخاصة وتابع دراسته على يد كبار أساتذة اللغة العربية والدين. وفي عام 1918 جاء إلى دمشق واتخذها مقرا وعمل في الصحافة السورية وراسل بعدها عددا من الصحف اللبنانية من بينها «الأحرار» و«النهار» ثم انتقل إلى جريدة «المقتبس» التي كان يصدرها العلامة محمد كرد على إلى أن أصدر القبس عام 1928 فكانت ديوانا للحركة الوطنية. وكان نجيب الريس في العشرينات من عمره عندما اقتيد إلى المنفى في جزيرة أرواد حيث نظم في السجن 1922 نشيده الوطني الخالد «يا ظلام السجن خيم» الذي رددته أفواه الملايين من الشباب العربي في كل مكان.

الكتاب : نجيب الريس القبس المضئ

تأليف: نجيب الريس

الناشر : رياض الريس للكتب والنشر ــ بيروت 2008

الصفحات : 467 صفحة

القطع: الكبير

مصطفى عبد الرازق