لا شك في أن المتابع للاشتغال الفكري والفلسفي في المغرب يمكن أن يلاحظ قوة الحضور الرمزي الذي يمارسه كل من عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري في الثقافة المغربية بشكل خاص والعربية بشكل عام، حيث تمكن كل منهما من أن يبني رصيداً لا بأس به من النصوص والأسئلة والمواقف، وشكّل إسهامهما الفكري المتواصل في الفكر المغربي خلال العقود الثلاثة الماضية، علامة غنى لا تقبل الجدل.

وفي هذا السياق يقدم د. كمال عبد اللطيف في كتابه «الفكر الفلسفي في المغرب» قراءات في مؤلفات وأعمال العروي والجابري، حيث يتناول الكيفية التي نظر بها كل من العروي والجابري إلى الآخر عبر مساهماتهما الفكرية، وذلك بالاعتماد على نصوصهما، واستنادا إلى التصور الشخصي للمؤلف بحكم معرفته بهما، ومتابعته لأعمالهما، واشتغاله بذات القضايا التي عالجها المفكران المغربيان. وقد عرف الفكر الفلسفي في المغرب خلال الربع الأخير من القرن العشرين انتعاشاً كبيراً، يمكن التأكد منه وتبيان ملامحه العامة، عندما نقارن إنتاج هذه المرحلة بالآثار الفكرية ذات الطبيعة الفلسفية التي تم إنتاجها في العقود السابقة وإلى حدود منصف هذا القرن.

ويشير المؤلف إلى الدور الريادي الكبير الذي لعبه فكر عبد الله العروي في تطوير النظر الفلسفي في المغرب وفي العالم العربي، حيث عمل هذا المفكر خلال أزيد من ثلاثة عقود متواصلة، ومازال يعمل بكثير من الجهد الممهور بحماسة تاريخية على بلورة مشروع فكري موصول بأسئلة تاريخ الفلسفة، ومرتبط في الوقت نفسه بأسئلة اللحظة التاريخية المغربية العربية في أبعادها المختلفة. كما ساهمت أبحاث محمد عابد الجابري في مجال نقد العقل العربي في بناء جملة من المواقف في موضوع نقد التراث العربي الإسلامي.

وفي مختلف هذه الجهود التي تزامنت واختلفت في مقاربة أسئلة الفكر والواقع العربي، كما تباينت في كيفيات بنائها للنظر الفلسفي المطابق لهذه الأسئلة، نعثر على معطيات فكرية بوأت الفكر الفلسفي المغربي مكانة رمزية قوية في الفكر العربي المعاصر.

وكان حوار قد دار بين المفكرين الكبيرين في منتصف السبعينات من القرن الماضي، حين قام الجابري بمناقشة أعمال العروي بحكم أسبقيته، التي خولت له موقعا خاصا في الفكر العربي نهاية الستينات، إثر صدور كتابه الإيديولوجيا العربية المعاصرة سنة 1967، وتاريخ المغرب سنة 1970، وأزمة المثقفين العرب ثم العرب والفكر التاريخي سنة 1973، وكلها صدرت باللغة الفرنسية.

ويرى المؤلف أنه في كتاب «مفهوم العقل» لعبد الله العروي يرد اسم الجابري في سياق لا تذكر فيه الأسماء، بل تذكر المواقف والاختيارات، وذلك أثناء نقده لنزعات الفكر التوفيقية الانتقائية التي تواصل انتعاشها وانتشارها في فضاء الفكر العربي المعاصر، حيث يرد ضمن تيار كبير دشنه الشيخ محمد عبده. وإذا كان سؤال النهضة وكيفية تجاوز التأخر قد شغل المفكرين الكبيرين،، واختلفت نظرتهما إليه، فإن الشيخ محمد عبده. وتنتظم أعمال هذين المفكرين ضمن أفق تاريخي واحد محدد، هو الواقع التاريخي المغربي العربي، توجهه إشكالية مركزية كبرى؛ إشكالية التأخر التاريخي العربي، حيث يتجه المشروعان معاً لبناء ممكنات ركوب درب الحداثة والتحديث، لكنهما يختلفان في كيفية مواجهة هذه الإشكالية.

ويعبر كل منهما بطريقته الخاصة عن شكل ومحتوى اختلافه مع الآخر، ونرى نحن في اختلافهما كما استوى في إنتاجهما الفكري أموراً تتجاوزهما معاً، لتعبر عن معادلات فكرية تاريخية معقدة، ولهذا السبب حاولنا صياغة بعض الأسئلة حول موقفهما من الحداثة ومن التراث.

ويخلص المؤلف من دراسة أعمال العروي والجابري إلى القول بأنه تمّ تجاوز إشكالية الحداثة في الفكر المغربي، وإيجاد الوصفة المناسبة للتعامل مع الماضي، الذي ما زال يشكل في الواقع مرجعاً أساسياً، موصولاً بمرجعيات أخرى، ولم يعد ممكناً الادعاء بأنها خارج مطلق، يعلو على الذوات.

والتفاعلات التي حصلت خلال أزيد من قرن من الزمان مع الآخر (الغرب)، تدفع إلى إدراك التركيب الحاصل في الذوات، والحاصل في الآن نفسه، في العلاقة بهذا الآخر. وعليه يطرح التساؤل عن كيفية إعادة التفكير في إشكالية استيعاب الحداثة ضمن دائرة الصراع القائمة في الوطن وفي العالم . ويعتقد المؤلف بأن في الإجابة على مثل هذه الأسئلة، ما يسعف بإدراك مستويات من التغير والتحول، وأنها مرتقبة في مجال الفكر الفلسفي بالمغرب.

وقد تساعد الإجابة عليها على إدراك أفضل لطبيعة الصراع القائم في المستوى الفكري، حيث يتم التأكد بالفعل بأن التغير في التاريخ لا تحكمه حتميات مطلقة ومغلقة قدر ما تؤطره معطيات يصعب حصرها.

ومعنى هذا في نهاية المطاف أن معارك الحداثة في التاريخ المغربي والعربي لا تزال متواصلة، وأن حسمها لا يمكن رهنه بمواقيت ولا أزمنة محددة، كما لا يمكن ربطه باختيارات ومواقف نظرية وأيديولوجية مغلقة ونهائية، فالمعارك الكبرى في التاريخ لا تنتهي في منازلة أو منازلات متعددة، ذلك أن المدى الذي يستنفدها ويولد البدائل الجديدة بواسطتها ومن خلالها هو المدى الزمني الطويل.

المؤلف في سطور

الدكتور كمال عبد اللطيف هو أستاذ التعليم العالي في شعبة الفلسفة كلية الآداب الرباط، وعضو اتحاد كتاب المغرب والجمعية الفلسفية العربية، وخبير المجلس القومي للثقافة العربية. مؤلفاته: «سلامة موسى وإشكالية النهضة، 1990»، و«الأنصاري وسوسيولوجيا الأزمة، 1992» و«مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي المعاصر، 1993»، و«قراءات في الفلسفة العربية المعاصرة، 1994»، و«العرب والحداثة السياسية، 1997».

و«في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في نظام الآداب السلطانية، 1999»، و«درس العروي في الدفاع عن الفكر التاريخي، 2001»، و«أسئلة الفكر الفلسفي في المغرب، 2003»، و«أسئلة النهضة العربية، التاريخ ؟ الحداثة ؟ التواصل، 2003»، «التراث والنهضة ؟ قراءة في أعمال محمد عابد الجابري، 2004»، «التفكير في العلمانية - إعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي، 2008».

الكتاب: الفكر الفلسفي في المغرب قراءات في أعمال العروي والجابري

تأليف: كمال عبد اللطيف

الناشر: رؤية للنشر ــ القاهرة 2008

الصفحات: 186صفحة

القطع: المتوسط

عمر كوش