في بداية القرن التاسع عشر الميلادي انتعشت الموسيقى والغناء في مصر بعد أن كانا في ركود طوال عدة سنوات، فقد عرفت مصر خلال القرن التاسع عشر ألوانًا من الفن الشعبي مثل: حفلات الأعياد الدينية والقومية والحفلات العامة والخاصة تصاحبها الفرق الموسيقية، أما بدايات القرن العشرين فقد شهدت أحداثًا موسيقية كبيرة بدأت بازدهار المسرح الغنائي المصري على يد الشيخ سلامة حجازي ثم حمل الراية من بعده فنان الشعب سيد درويش الذي يعتبر الأب الروحي للموسيقى المصرية ثم جاء من بعده عدة فرسان سار كل منهم في طريق فني قاده إلى تحقيق أسلوب موسيقي متميز.

جاء هؤلاء الفرسان في عدة أجيال منهم الموسيقار محمد عبد الوهاب، ومحمد القصبجي، ورياض السنباطي، وبليغ حمدي، وكمال الطويل، وغيرهم من الملحنين والموسيقيين. من هذا المنطلق قامت مكتبة الإسكندرية من خلال مشروع (ذاكرة مصر المعاصرة) بتوثيق لحياة أبرز الملحنين والموسيقيين ومشوارهم الفني. كما أن هناك حصرا لأهم أعمال كل ملحن أو مؤلف موسيقي لنتعرف على تاريخنا الموسيقي والغنائي بشكل صحيح.

ومن هؤلاء الملحنين الذين وثقت لهم ذاكرة مصر ولمشوارهم الفني الشيخ سلامة حجازي الذي ولد عام 1852 في حي رأس التين بالإسكندرية وتطوع وهو في الخامسة عشرة من عمره للعمل كمؤذن بجامع البوصيري وبمسجد أبي العباس المرسي، ثم تحول من مقرئ ومنشد ديني إلى مطرب على التخت، وظل يحيي الحفلات الغنائية في الإسكندرية ثم انضم عام 1884 إلى فرقة الخياط المسرحية وبعدها إلى فرقة القرداحي والحداد. قدم سلامة حجازي مجموعة كبيرة من المسرحيات لفيكتور هوجو ووليم شكسبير وراسين وفولتير كما قدم مجموعة من المسرحيات العربية منها صلاح الدين الأيوبي، والسر المكتوم، والظالم والمظلوم، والبخيل، وعظمة الملوك وغيرها من الأعمال إلى أن توفي عام 1917 لكن يظل للشيخ سلامة حجازي -بلبل رأس التين- فضل الريادة في مجال المسرح الغنائي العربي حيث ثبت دعائم هذا الفن وأرسى قواعده وأتاح الفرصة لمن جاء بعده للتجديد فيه والإضافة إليه.

قدم درويش العديد من الأعمال من أهمها نشيد بلادي الذي اعتبر منذ عام 1979 السلام الوطني لمصر، وزرونى كل سنة مرة، والحلوى دي، وقوم يا مصري، وأحنا الجنود، وأنا المصري وغيرها. وقد توفي درويش عام 1923 وحظي بالكثير من مظاهر التكريم والاعتراف بعبقريته الموسيقية وذلك بإطلاق اسمه على مسرح وشارعين وإقامة تماثيل له. ومن الجدير بالذكر أن مكتبة الإسكندرية بها معرض لسيد درويش يضم مقتنياته الخاصة وأسطوانات لأغان نادرة مسجلة بصوته والتي تعمل من خلال الفونغراف. وفي عام 1901 ولد موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في قرية بني عباس بمحافظة الشرقية، وكانت أسرته ترغب في إلحاقه بالأزهر الشريف مثل أخيه الأكبر الشيخ حسن، ولكنه تمرد على رغبة الأسرة، وسار في طريق الغناء والموسيقى. وقد أعجب بصوته محمد يوسف -أشهر أعضاء الكورس في الفرق التي كانت تطوف البلاد- فعمل معه ثم قدمه بعد ذلك إلى الفنان فؤاد الجزايرلي صاحب إحدى الفرق المسرحية فاستحسن صوته واتفق معه على الغناء في الاستراحة بين الفصول فأطلق محمد عبد الوهاب على نفسه اسم (محمد البغدادي) خوفًا من غضب أهله ثم انضم بعد ذلك إلى فرقة عبد الرحمن رشدي وهنا لعب الحظ دوره مع موسيقار الأجيال ففي يوم من الأيام حضر إلى المسرح أمير الشعراء أحمد باشا شوقي واستمع إلى غناء محمد عبد الوهاب ثم توالت بينهم الأعمال بعد ذلك وكان أول من أطلق على عبد الوهاب لقب (الكروان).

وفي عام 1922 التحق عبد الوهاب بمعهد الموسيقى العربية كما كان لعبد الوهاب دور كبير في دعم مسيرة السينما الغنائية من خلال أفلامه السبعة وهي: (الوردة البيضاء- دموع الحب يحيا الحب يوم سعيد ممنوع الحب- رصاصة في القلب- لست ملاكا) كما قدم للمسرح الغنائي (مسرحية كليوباترا) التي بدأها سيد درويش ولكن لم يسعفه العمر لاستكمالها، أما من أشهر أغانيه: (ما أحلى عيشة الفلاح يا وبور قولي أوبريت مجنون ليلى حكيم عيون مشغول بغيري من غير ليه وغيرها).

لحن عبد الوهاب لغيره من المطربين من أبرزهم كوكب الشرق أم كلثوم، والعندليب عبد الحليم حافظ، وكارم محمود، ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد. وتوفي عام 1992 عن عمر يناهز 90 عامًا.

أما شيخ الملحنين المصريين في العصر الحديث فهو الشيخ زكريا أحمد الذي ولد في عام 1890 ببلدة سنورس بالفيوم وبعد أن التحق بالأزهر الشريف تركه وأخذ يتردد على محافل الفن فتتلمذ على يد الشيخ سيد موسى خادم القصة النبوية، والشيخ درويش الحريري، والشيخ علي محمود العملاق في أصول فن الموسيقى.

في عام 1919 بدأ زكريا أحمد رحلته كملحن، وفي عام 1924 لحن للمسرح الغنائي حيث لحن لمعظم الفرق مثل: فرقة علي الكسار ونجيب الريحاني وزكى عكاشة ومنيرة المهدية وغيرهم، كما قام بالتلحين لكثير من المطربين والمطربات، ومن أهم أعماله (الورد جميل غنى لي شويه شويه- أنا في انتظارك أهل الهوى) إلى أن توفى عام 1961.

أما محمد القصبجى فقد ولد عام 1892 في حي عابدين بالقاهرة، وبدأ في مزاولة أول نشاط موسيقي له والذي تمثل في إحياء الأفراح ثم حالفه الحظ والتحق بتخت الأستاذ محمد العقاد كعازف عود، وبدأ في تلحين الأدوار والموشحات فذاعت شهرته وتعامل مع العديد من المطربين و منهم (أم كلثوم- منيرة المهدية نور الهدى أسمهان- ليلى مراد) ويعتبر القصبجي من أوائل الملحنين الذين أثروا السينما المصرية بالألحان الموسيقية المتطورة فقد لحن أكثر من 90 أغنية من خلال 38 فيلما أشهرها: وداد ونشيد الأمل وليلى بنت الفقراء وشاطئ الغرام وغيرهم، كما يرجع له الفضل في تطوير قالب المنولوج بخصائص وسمات لم تكن موجودة من قبل وحصل على العديد من الجوائز والأوسمة لجهوده العظيمة في مجال الموسيقى إلى أن توفي عام 1966.

وعن عاشق العود رياض السنباطي فقد ولد عام 1906 بمحافظة دمياط، وحفظ وهو صغير الكثير من الموشحات والأدوار، عشق رياض السنباطي آلة العود حتى وصل إلى أن يكون أمهر العازفين في العالم على العود فقد التحق بمعهد الموسيقى العربي وتتلمذ هناك على يد جهابذة الفن وتأثر بهم، ثم عين بعد ذلك في معهد الموسيقى أستاذًا للموشحات والعزف على العود.

لحن السنباطي عشرات القصائد الشعرية والأغنيات الزجلية كما لحن كثيرا من الأغانى الدينية والوطنية وتعامل معه أشهر المطربين والمطربات منهم أم كلثوم، ومنيرة المهدية، وعبد الغني السيد، وليلى مراد، ونور الهدى، وفايزة أحمد، وصباح، وعبد الحليم حافظ. وقد حصل السنباطي على العديد من الجوائز وشهادات التقدير كأحسن موسيقار خدم موسيقى بلده إلى أن توفى عام 1981.

لحن كمال الطويل ما يقرب من 195 لحنا من مختلف الصيغ الغنائية والموسيقية العربية تميزت بالتنوع والتباين في إبداعاته الفنية سواء من الناحية المقامية أو الإيقاعية أو التوزيع الموسيقي وتعامل معه كثير من مطربي جيله، ومن أشهر أعماله التي عشقها الجمهور لحن أغنية بتلمونى ليه، وفي يوم من الأيام، وأسمر يا اسمراني، ووالله زمان يا سلاحي، وليه خلتني أحبك، وبين شطين وميه، وأحنا الشعب، وصورة وغيرها من الألحان.

من الجدير بالذكر أن كمال الطويل قام بتلحين السلام القومي لكثير من الدول العربية وحصل على الجوائز والأوسمة وشهادات التقدير تقديرًا لفنه المتميز، وتوفي عام 2003.

أما الملحن العاشق للغناء فهو سيد مكاوي الذي ولد عام 1926 بحي عابدين بالقاهرة، وأصيب وهو صغير برمد صديدي في عينه ففقد بصره وهو في هذا السن المبكر، علم نفسه العزف على آلة العود وحفظ الأعمال التراثية المسجلة على الأسطوانات. وكان هناك تعاون مشترك بين سيد مكاوي وصلاح جاهين وتوالت الأعمال بينهما فقد لحن له سيد مكاوي رباعيات جاهين ومسرحية الصفقة وغيرها من الأعمال المميزة.

كما اتجه مكاوي إلى تلحين الأغاني العاطفية لأشهر المطربين فقد لحن لأم كلثوم ونجاة وليلى مراد وشهرزاد، ومن أشهر أعماله: يا مسهرني، وأوقاتي بتحلو معاك، وحكايتنا إحنا الاتنين، ولو بتحبنى وغيرها.. كما قدم سيد مكاوي حلقات المسحراتي وهو لون شعبي خاص بشهر رمضان برع مكاوي في تقديمه وعشقه الجمهور من أدائه الهادي المميز. وتقديرًا لمشواره الفني الحافل حصل على العديد من الجوائز والأوسمة وشهادات التقدير إلى أن توفى في عام 1997.

حياة المشاهير

تطرقت ذاكرة مصر لتوثيق حياة المشاهير من الملحنين ممن عاصرهم الجيل الحالي وشغفت آذانهم بسماع موسيقاهم بصوت العندليب وكوكب الشرق من أمثال كمال الطويل الذي ولد عام 1922 في حي الروضة بالقاهرة، وحفظ معظم الموشحات والأدوار و التحق بمعهد الموسيقى العربية بالإسكندرية فدرس العود والمقامات، وكان زميلا لعبد الحليم حافظ فنشأت بينهما صداقة فنية وشخصية قوية، ثم التحق بالمعهد القومي للموسيقى « الكونسرفتوار » حيث درس الهارمونى والتوزيع الموسيقي.

مسيرة سيد درويش

ولد سيد درويش عام 1892 في حي كوم الدكة بالإسكندرية وكان أيضًا يرفع الأذان بصوته العذب في مساجد الإسكندرية، وقد عمل ليلاً في المقاهي ليردد الحان الشيخ سلامة حجازي، ولكن سعيًا وراء الرزق اتجه سيد درويش لفترة من حياته إلى مهنة أخرى ليست لها علاقة بالموسيقى فقد عمل مساعدا لعامل طلاء يطلي جدران الأبنية لكن حالفه الحظ بعد ذلك وانضم إلى فرقة سليم عطا الله وبعدها إلى فرقة جورج أبيض.

خالد عزب