نال هو الجائزة وحضرت أنا الندوة
نودي على اسمه الميمون، بفخر واعتزاز ملحوظين، قام من مكانه، فك أزرار سترته، وبثقة ملحوظة، صعد إلى المنصة كي يصافح الرجل الكبير، وتعمد أن يتكلم إليه، كأنه يطلب منه شيئا، أو كأنه يوحي إلى كل الحاضرين أن هناك علاقة وثيقة بينهما، استلم شهادة التقدير، رفعها في الهواء، ليتيح لحاملي الكاميرات أن يلتقطوا ما يشاءون من صور لجريدته، ولبقية الصحف، وكان عليه أن يترك فرصة لزميل آخر له، نال كتابه الجائزة الكبرى في نهاية العام أيضا. في اليوم التالي. صدرت إليّ الأوامر المباشرة، من مديرة مكتبه. أن أذهب إلى الندوة. جلست مكانه أمام مائدة الندوة لمناقشة الكتب الفائزة في نهاية العام، وراح مدير الندوة يردد:
ـ يعتذر الكاتب الكبير عاصم النيال عن عدم حضور الندوة لمناقشة كتابه.. ويحضر النقاش معنا، الأستاذ عامر مفتاح. ثقبت أذني تلك الصفة، كأنني أسمعها لأول مرة، أو كأنني أكتبها أيضا لأول مرة، «الكاتب، الكبير».. كاتب.. وكبير..، ترى هل يفهم مدير الندوة معناها الحقيقي، قدمني الرجل بصفتي أستاذ، لا كاتب، ولا كبير. ترى هل «عاصم النيال» كاتب، كبير، لأنه رئيس مجلس إدارة مؤسسة صحافية كبرى، مزدحم بالمسؤوليات، وأرصدة البنوك، ويمتلك مقادير حيوات كل هؤلاء البشر الذين يعملون تحت إمرته، المتأهبين لنهش كل لحمي بدمه، لو انتابتني الرغبة أن أطلب حتى في أن تكون أنا صفتي الأساسية «الكاتب الكبير»، وإنني عاطف الأشموني الحقيقي مؤلف الجنة البائسة، المسماة الآن «صدمات الزمن». التي يجب أن أستعرض صفحاته ككتاب، وأتحدث إلى هؤلاء الحاضرين، الذين تبدو الصدمة على وجوههم لعدم حضور قائدهم الندوة، جاءوا جميعا يملأون القاعة، لإثبات أن جمهور «الكاتب الكبير» ملأ المكان، وأثار الحوار، في عيونهم الكذب والنفاق، ويعرفون الحقيقة التي يتبادلونها في همس، دون أن يجرؤ لسان واحد على البوح بها، ربما لأن من بينهم عشرة على الأقل تنطبق عليهم هذه الصفة «كاتب» دون أن يعرف أحدهم حقيقة ما يكتبه الآخر. مثلي في الخفاء.
أنا المواطن «عامر مفتاح»، رئيس قسم التحقيقات السياسية في المؤسسة الصحافية الكبرى، فقط أحضر بصفتي الوظيفية لمناقشة الكتاب الحاصل على الجائزة. جاء وقت إعلان الحقيقة إذن، أن أقول الحقيقة كلها، أن أجعل هؤلاء «كتبة الظل» أكثر شهرة مما يتصورون، فقط أن أقول إنني المؤلف الحقيقي لـ «صدمات الزمن»، وإنني أيضا مؤلف ثلاثة من الكتب الخمسة عشر التي تم إيداعها في دار الكتب، موقعة بأن مؤلفها هو «عاصم النيال»، وسوف أجزم لهم إنني أعرف أربعة من المؤلفين الحقيقيين لهذه الكتب. حان الوقت لأقول إنني الكاتب الرئيسي للمقالات السياسية للأستاذ، وإن ناجي الصباح هو كاتب العدد اليومي، وإن رجاء إصلاح كاتب المقال الفني، وإن سحر عماد الدين تكتب بالتبادل، المقال الفني، مع رؤوف صبيح.. و...
ردد مدير الندوة للمرة الثاني:
ـ نستمع إلى كلمة الأستاذ عامر مفتاح، نيابة عن الكاتب الكبير...
حدث ما سبق أن عهدته، في مثل هذه المواقف مرات عديدة، ان «اندمج» وأتوحد مع الأستاذ، أن أتخيله، وقد لبسني، أو إنني صرت هو .. مع فارق واحد انني يجب أن أتقبل أن يناديني الناس باسم آخر هو «عاصم النيال»، ولماذا هو اسم آخر أليس هو في حقيقة الأمر اسمي المستعار، أو اسمي الحقيقي، وقد استخدمه رئيس مجلس الإدارة نيابة عني.؟
استبد بي حماس ألفته، وأنا أتحدث عن كل ما كتبته بفهم واعي، متعمدا ألا أنظر إلى عيون الحاضرين الكاذبة، حتى لا توقظني من حالة التقمص التي صرت عليها كالعادة، إلى أن انتهى كلامي، دوت الصالة بالتصفيق، لشخصين معا، أو ربما لشخصه فقط، شخص حاضر، استطاع أن يقرأ من الورقة التي كتبها على انها من صياغة الكاتب الكبير، وآخر أبدع فيما كتبه وحلله حول القرن الحادي والعشرين الذي بدأ بصدمات سبتمبر وأفغانستان، والعراق التي أضيفت إلى صدمات القرن القديم، وعلى رأسها فلسطين التي لن تجد حلا سياسيا قبل نصف قرن قادم.
وبدأت أسئلة البطانة حول الكتاب، وما جاء فيه عن أفكار، لم تكن أسئلة حقيقية، بل تقديس لكل سطوره، وأفكاره الجديدة، فكرا، وأسلوبا، ( آه من أسلوب هذه)، إلى أن أفسد هذه الندوة سؤال حقيقي أربكني أكثر مما أفعل لكل بطانة القاعة:
ـ هل ما جاء في الكتاب هو رأي الأستاذ عاصم النيال أم رأي شخص آخر.؟
بدا السؤال أشبه بفيروس كمبيوتر من النوع الذي يدمر كل موانع الفيروسات في أي جهاز، ويحول الشاشة إلى صفحة بيضاء ولا أمل في أن تضم سطرا واحدا من المعرفة، لا أستطيع أن أتذكر ما قاله مدير الندوة ردا على السؤال القاصم للظهر، لكن كل ما أجزمه إنني دفعت ثمن هذا فاتورة ثماني زجاجات ويسكي تناولتهم فوق معدة جوفاء بمجرد أن خرج بي سائق المؤسسة من ساحة الندوات، واتجه إلى أقرب فندق في أطراف المدينة.
هل يجب أن تحدث للمرء مراجعة للذات ؟، ها... وما قيمتها، وسط كل هذه الزجاجات الغالية الثمن، المدفوع ثمنها بالدولار، وعلى فاتورة المؤسسة.. هل من حقي أن أنهار إلى هذا الحد، أو أن أراجع نفسي. وأكتشف أن بداخلها، وفي ركن صغير منها ذلك الشاب الذي دوخته أزقة القاهرة وأرصفتها، قبل أن أصبح محررا تحت التمرين في المؤسسة؟
قررت أن أوقف هذا الشكل التقليدي من الاعتراف، وأن تكون الكتابة على طريقتي أنا، وليس هو.
سؤال: هل كنت تحلم، وأنت تسكن في ذلك الزقاق، أن تتناول ثماني زجاجات ويسكي، على نفقة المؤسسة؟
جواب: أحلم... أبدا.. لأن هذا النوع من الأحلام لم يكن يجول بخاطر أي شخص، كل ما يمكن أن أحلم بتحقيقه، هو أن أستعير الجريدة من مكتبة الهيئة التي التحقت بها عقب خروجي إلى الاستيداع من الجيش في صيف 1975.
المرتب سبعة عشر جنيها، والصحيفة بقرش صاغ، أي أن ثلاثين جريدة، لمعرفة أخبار الدنيا، التي لا تلبث أن تتحول إلى مواد للثرثرة بين الموظفين، والموظفات الذين تتناثر الأطعمة، وورق الصحف فوق مكاتبهم، ويرمون بآرائهم حول ما تكتبه الجرائد إلى بعضهم البعض، أحلم، لم يكن لدي حلم محدد، كان أملي هو أن أنهي خدمتي العسكرية، وأن أخرج إلى عالم المدنية، أرسلوا لي بقرار للتعيين في إدارة الخدمات في إحدى المؤسسات الاجتماعية.
رغم أن شهادتي تؤكد أنني يجب أن أعمل سفيرا، أو قنصلا، أو حتى مساعد قنصل. أحلم. كان الحلم الحقيقي هو أن أظل مقيما في هذه الغرفة لأطول فترة ممكنة، أربع حجرات، تختنق بستة عشر طالبا، يمثلون أكثر من سبع كليات، وثماني محافظات، خمسة من الوجه البحري، وثلاثة من الوجه القبلي، ينظرون إلي كثيراً كنموذج يجب أن يحتذى به، يقرأ كثيرا، ويختفي في بعض الأساسيات إلى حيث لا يعرف أحد..
سأقول أين كنت أذهب... كنا نلتقي هناك، لنأكل، ونشرب، ونعلن سخطنا على الانفتاح البذيء الذي ملأ الأسواق بعلب الكمبوت، وثلاثة وعشرين نوعا من العطور الغالية، والعدد نفسه من المياه الغازية الحقيقية، التي استطاعت أن تطرد أنواعا رديئة، لم تتجاوز أن تكون مياها مذابا بها سكر، من السوق، و...
سؤال : هل تذكر أول مقال كتبته لرئيس التحرير عاصم النيال..؟
الجواب : أليس من حقي أن أتحدث عن كيف دخلت المؤسسة..
سؤال : أنت تتحدث بتفاصيل أكثر.. لعل الخمر لعبت برأسك.
الجواب : التفاصيل أمر عبقري، أنا لا أكتب مختصرا لحياتي، أريد أن أحكي تفاصيلها... نعم.. أذكر متى كتبت المقال الأول لعاصم النيال، لكنني أذكر أول يوم دخلت الصحيفة.. تم ذلك على يد واحد من كبار الكتاب الاشتراكيين في الصحيفة، ذهبت إليه مع واحد من شلتنا التي كنت أقضي معها بعض الأمسيات، نتوحد معا في أن السادات هو أسوأ خلف لعبد الناصر، وأنه سوف يؤجر البلاد إلى الأميركان بالتقسيط المريح...
في مكتب الكاتب الاشتراكي الكبير، قام بتوقيع قرار صغير، يفيد أن الشاب عامر مفتاح يصلح أن يكون محرراً تحت التمرين، وأمر بتخصيص مكان لي في صالة التحرير التي اكتظت بعشرات من الذين جاؤوا إلى المكان عبر خطابات توصية عقب تخرجهم من الجامعة، أو انتهاء مدة خدمتهم العسكرية.
لذا، لم يكن غريبا، أن يتولى رئاسة القسم في لحظة مفاجئة، والغريب أنه تكفل بكل مصاريف جنازة رئيسه الأسبق، الذي أصابته ذبحة صدرية عقب صدور القرار، وطلب من المؤسسة تحويل كافة مصاريف الجنازة، والمكافأة الأخرى كأموال نقدية لأسرة الفقيد. هذا الموقف، لم يجعل الآخرين ينظرون إليه كقاتل لرئيسه الراحل، بل تهامسوا فيما بينهم أن القاتل الحقيقي هو مهارة عاصم في عمله وحب الناس له، وأن أي شخص في مكانه لا يمكن أن يوقف مسيرته.
في هذه الفترة، كنت قد تجاوزت مرحلة المحرر المستمع الذي يضع السماعة على أذنيه، ليعرف أخبار الدنيا من الإذاعات، واستطعت أن أكتب اسمي على أول خبر منشور في الصفحة الأولي، وبعد ستة أشهر نشرت أول مقال سياسي لي في عشرين سطرا داخل صفحة الرأي... وبعد عام، كان مقالي عن الهدف الاقتصادي لزيارة القدس، قد منع من النشر تماما وشطب بالقلم الأحمر للرقيب.
سؤال: هل تذكر المقال الأول الذي كتبته لعاصم النيال؟
الجواب: صار عاصم النيال نائبا لرئيس التحرير، ضمن سبعة نواب واحتفظ برئاسة قسم الإسكان في الجريدة، وازدحمت أعماله، وخدماته داخل الجريدة، وخارجها، وصار له تليفون خاص بالسيارة التي خصصتها له المؤسسة، وسمعت أن أحد زملائي يردد أنه ليس لديه وقت لينام، فكيف له أن يكتب العمود اليومي الذي يحمل اسمه، وهنا بدأ الهمس.. وسمعت أن صلاح عويشة هو الذي يكتب العمود يوميا، وأنه قبل هذا كنوع من التنفيس عن إيقافه عن العمل، حاول من نقل لي هذا الرأي أن يعطيني الدليل، فصلاح يسكن الآن بشقة كبيرة بالمعادي والمؤسسة خصصت له سيارة تنقله طيلة يومه، وأن سيارته الجديدة تركها لأسرته..
لابد أن تشعر بالغبطة، والحسد تجاه كاتب موقوف عن الكتابة صار هذا هو حاله بل إن الإشاعات طالت هدى صفوت، السكرتيرة الجديدة لمكتب عاصم النيال، وهي التي تخرجت من الكلية نفسها، سمعت من يردد أن الفرصة قد راحت من صلاح عويشة إلى هدى، التي تكتب لرئيسها المباشر كل ما ينشر باسمه في الجريدة، من أخبار، ومقالات، وتصريحات.
إلى أن كانت المفاجأة، أن رأينا صورته على الصفحة الأولى وأن قرارا بترقيته ليتولى رئاسة مجلس الإدارة، ورئيس تحرير الجريدة، لم يكن في الأمر مفاجأة، للبعض، فهذا أمر متوقع بين لحظة، وأخرى، لكنه حين تولى المنصب كان دون الأربعين بثلاثة أعوام، قيل يومها إن القرارات الجديدة تؤيد اختيار الشباب الكفء، يعني هذا بالنسبة للجميع صعود نجم كل من هدى صفوت، وإعادة صلاح عويشة إلى مهمته القديمة، ومحاولة مصالحة للعديد من الذين تم إيقافهم عن العمل. كل بطريقة تتراءى الإدارة الجديدة معي، كان القطار سريعا في مكتب هدى صفوت التي قالت لي:
ـ الأستاذ على سفر دائم.. وأنت مرشح لكتابة الرؤية السياسية.
تصورت أن عفوا عاما قد أصابني وأن اسمي سوف يملأ الصفحات، كما حلمت طوال أيام الأرق التي صادفتني أثناء الانقطاع الذي استمر أربع سنوات وخمسة أشهر، وعشرين يوما، قالت:
ـ بدون توقيع!!
وقبل أن أعلن عن دهشتي قالت بصراحة.
ـ حذاري أن يعرف أحد انك من كتب الرؤية السياسية.
وقبل أن أتصفح الشيك الذي دسته في مظروف ابيض عليه اسم المؤسسة قالت:
ـ هذا أول اختبار لك...
كان المبلغ الذي صرفته من خزينة البنك التابع للمؤسسة يعادل عشرة أضعاف ما يحلم به امرؤ يوافق أن ينشر مقاله بدون توقيع، لذا ترددت عشر مرات قبل أن اندهش وأنا أرى اسم عاصم النيال فوق مقالي مصحوبا بصورته ضاحكاً، كان ينقص المصور أن يطلب منه إخراج لسانه لإغاظتي، لكنني لم أحب له أن يدفع لي مصاريف جنازتي من جيبه، لو أصابتني ذبحة صدرية، وقبل أن أتردد، كانت سيارة المؤسسة تنقلني إلى شقتي الجديدة المهداة من المحافظة، والتي قيل لي إن أثاثها أحضر خصيصاً من دمياط.
سؤال: إذن، كان الثمن كافيا كي لا تعرف التمرد...؟
الجواب: بل كان الثمن أكبر من أن يكون كافيا، لم يكن هناك ثمن واحد، بل عشرات من الأثمان : مكافآت، تذاكر سفر، رحلات، بدلات، مكتب فخم، هدايا منزلية، وأحيانا فتيات جميلات، كي تتشجع، وتكتب الفصول الأولى من كتاب «رؤية الغد».. كي ينشر مسلسلا في الصفحة التاسعة كل أسبوع.. على الطرف الأيسر للصفحة، صورة للأستاذ، وهو يضع عويناته المقعرة، وبشعره المصبوغ قبل الأوان، وتحت الصورة ببنط كبير : رؤية : عاصم النيال، وفي الوقت نفسه، بدأت صحف خليجية ولبنانية عديدة في نشر الحلقات مع الحرص على أن المؤلف والكاتب هو صاحب الرؤية عاصم النيال..
قد تسألني: هل كل الحلقات بقلمك، كلها.. كلها.. وهل راجع عاصم النيال ضميره ألم تلتق به يوما.. سل كما تشاء.. لكن الإجابات المدهشة أنه لا يكاد يعرفني، وربما لا يعرف سوى اسمي كما أنه حين يراني في أحد الاجتماعات لا يكاد يستجمع ملامحي. كل ما يربطني به هو وريقة التعليمات التي تقدمها لي هدي وبها إشارات إلى النقاط الرئيسية في الحلقات، لا أعرف من هو صاحب هذه الإشارات، لكي يعطي لنفسه الحق في أن ينسب إليه كل هذا طالما أنه صاحب الأفكار الأساسية التي لم ألتزم بها قط. في العشرين حلقة التي جاءت خطابات عديدة تمتدح فيما جاء فيها، أرسلت الرسائل كلها إلى صاحب العمل، وولي نعمتنا، عدا ثلاث رسائل، فيها انتقادات وإشارات إلى أخطاء في المعلومات وبعض التواريخ المغلوطة، مما يعني أن إحدى هذه الرسائل قد قرئ بتمعن.
وطوال ثلاثة أيام، لم يكن ليّ سوى البحث عن وسيلة للرد المقنع على ما جاء بالرسائل، حرصت هدى على عدم نشرها، وكأن الخطابات لم تصل قط إلى الإدارة لكن بعد عدة أسابيع، استدعتني هدى ومدتني بمظروف كبير، وقالت باختصار:
ـ هذه بروفات «رؤية الغد».. اقرأها، وصحح أخطاءها كما جاء في ردك... لا نريد خطأ واحدا في الكتاب.
زجاجات الخمر، وصناديق التفاح، والهدايا المتراكمة، وربما تهديد بأن كل هذه النعمة قد تزول عند ظهور خطأ واحد. دفعني كل هذا إلى ملازمة شقتي منعزلا عن العالم.. لأنتهي من مراجعة الكتاب سبع مرات قبل إعادته إلى صاحبة الشأن التي رمت بالمظروف فوق طرف من مكتبها الكبير، وهزت رأسها بما يعني الشكر إلى أن جاءني صوتها عبر الهاتف:
ـ الكتاب جيد، عدا سبعة أخطاء معلوماتية ما كان لمثلك أن يقع فيها.. شكراً.. مع السلامة
سؤال: ماذا كان شعورك وأنت ترى النسخة الأولى من الكتاب...
الجواب: سؤال ساذج، ويحتاج إلى إجابة أكثر سذاجة، وهل يجب أن يكون هناك شعور في مثل هذه الحالات. لنقل إنني لم أشعر بشيء.. بالمرة.. إذا أردت أن يكون هناك انطباع فهو التعود، الأكثر، بدت النسخة غريبة عني تماما، وأنا أراها، لم أشأ حتى أن أتصفحها، لأرى ما بداخلها، هل توجد كلمات في سطور، وبعض الصور، ومقدمة، وكلمة غلاف، مثل كل الكتب، أم أن هذا قد تم مسحه، إذا كان قد حدث ذلك، فقط في ذاكرتي، لذا فإنه لم تكن لدي أي مشاعر تجاه الكتاب، لامعة، ولا حارة، لم أمصمص شفتي مثلما تفعل بعض النساء عند الدهشة..
السبب أنني لو أحسست بأي شيء، فالنتيجة ستكون سيئة، أشبه بمن يفيق من التخدير كي يتألم بأعلى الأصوات، فلا يستطيع أحد أن ينقذه، كل ما فعلته أن شرعت في كتابة حلقات جديدة، أنا صاحب فكرتها، تحمل عنوان «الشرق والغرب. صراع بلا نهاية»، قالت هدى وهي ترى الأربع الأوائل من هذه الحلقات:
ـ سأعرضهم على هيئة التحرير... انتظر.. لا تكمل الكتابة...
ولأول مرة لم أطيعها، استكملت الكتابة، وانتهيت مع ست عشرة حلقة في عشرة أيام.. اكتشفت أن الغيظ هو أشد تأثيرا من الخمر، وأنني أحاول أن أثبت أنني أستطيع أن أكتب، وأن هذا الممنوع من نفسه، يمكنه أن يفعل شيئا...
استدعتني هدى عن طريق الهاتف:
ـ تعال بسرعة.. عندي خبر عاجل من أجلك.
لعل إدارة التحرير وافقت على كتابي (ه) الجديد، سوف تكثر النعم المنتظرة التي ستهل علي، طرقت بابها بأدب، أطلقت عليها تحيتي المعتادة، وجسدي كان ينتفض، مدت لي بصحيفة أجنبية، وقالت :
ـ أنت تجيد الإنجليزية.. أليس كذلك ؟
لم أرد عليها، بدأت في قراءة عرض للكتاب في صحيفة أميركية، سألت:
ـ خيرا... ؟
ردت : هناك عرض بترجمة الكتاب، ونشره في صحيفة «هارد تايم».. ومطلوب منك اختصاره إلى النصف (وبحروف ثقيلة قالت : بالإنجليزية)...
وصار عليّ أن أدبر اثنتين وسبعين ساعة كل يوم لأنجز كل ما هو مطلوب مني، مراجعة الكتاب، واختصاره إلى النصف، ودفعه إلى قسم الترجمة في المؤسسة، ومراجعة البروفات التي ترسل لتوها إلى إدارة الجريدة الأميركية، وفي الوقت نفسه لا أتوقف عن كتابة فصول أخرى من الحلقات الجديدة.
سؤال : هل تعرف أن الصحف الأميركية تدفع مكافآت مجزية بالدولار مقابل نشر هذه الكتب في حلقات..؟
الجواب: أعرف كل شيء... قلت لك إنني كنت أفعل مثل الكمبيوتر، قبل أن يصل النت بشكله الحالي. كنت أدوس على زر «مسح» دون أن تنتابني أي مشاعر.. لم يكن عاصم النيال رجلاً فظاً، ولا غليظا، ولا ناكرا لحقوق الآخرين، جاءتني مكافأة على ما أديته من عملي، وذات مساء، سألت نفسي أسئلة كثيرة، وتوصلت إلى إجابة مقنعة للغاية.
ما فائدة الاسم.. أنا أؤدي عملا، وأنال عليه أجرا.. وقد ارتضيت لنفسي بهذا النوع من العمل، هو عمل بمقابل، مثل كل عمل آخر. له مقابل مادي، هل يكتب الطبيب على بطن المريض، إنه الذي أجرى له العملية، هل يوقع المهندس على باب العمارة انه صممها، هل يعرف أحد منا، من هو الذي صمم الهرم و أو نحت تمثال رمسيس. أو بنى برجي التجارة المنهارين أمام الأطراف البعيدة للمحيط الأطلنطي؟
تعليق: إذن، اقتنعت مع مرور الزمن، وزيادة الإغراءات التي تحصل عليها بأن موقفك صح؟
إجابة: أبدا، لم أقتنع، بدليل أنني الآن فيما يشبه لحظة الاعتراف، تسألني، فأجيب، لمجرد أنني أحسست أن مغفلا جديدا سوف يدخل هذه المملكة المليئة بالمتناقضات.
تعليق آخر : لعلك خائف من أمثالي أن يحلوا مكانك، لأن ظروفنا أسوأ، ولأن قدراتنا أكبر.
إجابة: ربما نعم، لن أكذب عليك، ولا على نفسي، في مثل هذه اللحظة، لعلها اللحظة الأكثر صدقا في حياتي، أنا أعيش في الظل، ويعيش عاصم النيال في النور الحقيقي، يحصل على عائد كبير، أكبر من هذه الدنيا، لو صنعنا حزاماً من الأوراق المالية التي تأتيه من كافة الاتجاهات شهريا.
ولففنا هذا الحزام حول الكرة الأرضية، لاستطاع أن يحوطها مرتين، أنا لا أحسده، فهو رجل كريم، يمنح من حوله الكثير من مكاسبه، أي انه يقتسم معهم الكعكة، ومع ذلك فإن الحزام الذي أخبرتك به يمكنه أن يلف حول الأرض مرتين.. لكنني أحس أنه يحتفظ في جعبته ببعض من مجد أستحقه، فالنقود قد صرفتها، لكن المقالات موجودة، والكتب تحمل اسمه، وغدا، أو بعد عام، سنموت، ولن يعرف أحد أن لي نصيباً من هذه الكلمات المكتوبة.
لم تسألني عن الجوائز، وهو سؤال توقعت أن تطرحه، فهو الشيء الذي يحزّ في نفسي، أرجوك أن تسألني عن الجوائز، إنها تغيظني، اسألني إذا كنت تود أن تعرف حقا.
سؤال عن الجوائز...
إجابة: منذ ثلاثة أعوام، كان الأستاذ، كعادته، في رحلة إلى أقصى الأرض، كان عليه أن يغيب عن مكتبه، وطنه، الذي يحمل اسمه، دون أن يشاهده الأقلية، وكان على هدى أن تدير كل شيء، كأنه موجود، ولما لا، وهو موجود عبر التليفونات الدولية، والاتصالات، والبريد الالكتروني، اعتدنا على هذا الإيقاع من الحياة، لكن يبدو أن مكالمة مهمة جاءت إلى هدى. استدعتني على وجه السرعة :
ـ تعال معي.. يريد الأستاذ أن يكتب سيرته الذاتية، ليلقيها في كلمته إلى الجامعة..
سارت أمامي، وفتحت باب الأستاذ، الذي أتشرف بدخوله لأول مرة في حياتي، هل لك أن تتخيل المفاجأة التي تصيب رجلا اقترب من الخامسة والخمسين يومذاك، أم أدعك تتخيلها، سأقول لك ماذا هناك في كلمات تلغرافية مختصرة، حتى أعيد على نفسي هول المفاجأة، وصدمتها، مكتب من الخشب، إذا وقفت أمامه يكون الجالس على الناحية الأخرى، على مسافة ثلاثة أمتار، نصف بيضاوي، عليه أعلام صغيرة تمثل كافة البلاد التي زارها، في الكرة الأرضية التي يمكن أن نلف دخله حولها بحزام، وعلى الجدران حزمة من الصور للأستاذ وهو يجري حواره مع رؤساء هذه الدول، يبدو مبتسما، وهو يوجه عينيه إلى المصور.
مؤكدا أنه كان هناك، حريصاً على مصافحة الرئيس الذي يقابله، بدت الغرفة الأقرب إلى قاعة كأنها تضيق بكل هذه الصور، وغيرها، وبأطقم المقاعد المتناثرة بشكل هندسي يعكس ذوق هدى الرفيع، والتي لاحظت دهشتي، وهي تبحث عن أوراق يجب أن آخذها لأكتب السيرة الذاتية للأستاذ، قالت :
ـ غرفة جميلة... أليس كذلك..؟
تمتمت : هذه أول مرة أدخل هنا..
ببرود رددت: معقول...
بدهشتي قلت: لم أتخيل أنها بهذه الفخامة. تليق بالأستاذ فعلا.
كانت في عجلة من أمرها، وعليها أن تجد وريقة بعينها، كي أستوحي منها كلمة الأستاذ التي يجب أن تصله خلال ساعة، راحت تبحث، بينما اقتربت عيناي من إحدى الصور، أو لعلها سقطت بشكل متعمد على كتابي الرابع «صدمة الغد» وهو بين يدي الملك، بعد أن أهداه إليه الأستاذ، شيء ما دفعني أن أقترب من الصورة، لأبحث عن اسم المؤلف المكتوب على الغلاف، شيء ما جعلني أتصور أن الكتاب قد يحمل اسمي، أو يحمل اسمينا بالاشتراك، لم تر عيناي سوى «عاصم النيال»، وصورته في الطرف الأعلى من الغلاف، عاجلتني هدى:
ـ هذه هي الأوراق.... خذها...
وكأنها راحت تتعجلني لآخذها، وأخرج من تلك المملكة، فجأة، دق جرس الموبايل، الموجود فوق مكتبها، أسرعت حاملة الأوراق إلى الخارج، وتركتني في دهشتي، حاولت من جديد أن أتأكد من الاسم الموجود على الغلاف «صدمة الغد» لكن قبل أن أفعل، وقعت عيني على ركن الجوائز، فاستحققت أن أندهش أكثر... شهادات وكؤوس، وأوراق، وصور للأستاذ يستلم الجوائز، ومصافحات لكبار المسؤولين، وصك من الذهب مخصص لتكريم صاحب الكتاب الخامس «انهيار الأمم» ثم الأستاذ يبتسم بسعادة، وهو يعرض أمام المصور، الجائزة الكبرى التي نالها عن «سقوط البروج المشيدة».
وسط الرنين المزعج لهدى، وهي تناديني من خارج القاعة الملكية، ثم ترد على هاتف آخر جاءها، لم أر سوى اسم واحد فوق هذه الجوائز، هو عامر مفتاح، بدت الصور كأنها مرآة تعكس وجه شخص لم أعد أعرفه، في الخامسة والخمسين من العمر، يقف وسط الرؤساء والملوك، يصافحهم الواحد تلو الآخر، ويمنحهم كتبه ومؤلفاته...
أيقظتني الملعونة هدى من غفلتي الصغيرة العميقة، وهي تصرخ فيّ بدون حرج أو مراجعة:
ـ الأستاذ يتعجل الكتابة... يريدها خلال ساعة...
بدت كأنها تتعمد أن تطردني من هذه الجنة المسروقة، في أدب بارد، كأنها تستعطفني أن أكتب، وأنا أنظر إليها في عتاب. تغير أسلوبها في معاملتي، فجأة، وضعت التليفون المحمول جانبا، وقالت:
ـ معذرة يا أستاذ عامر.. كما ترى.. أنا وحدي اليوم، والمطالب كثيرة...
سؤال: أتوقع شيئا مهما، وأنت تكتب السيرة الذاتية للأستاذ، أليس كذلك...
الجواب: ألم أقل لك إنني أخاف منك، أنت صورة جديدة، ووقحة مني... فعلا، حدث هذا... عندما عدت إلى مكتبي، طلبت من سكرتيرتي، روضة، أن تغلق كل أبواب الدنيا دوني، وأن توصد الباب حتى أفتحه، وطوال ساعة كاملة، لم يكن في غرفة مكتبي سوى عامر مفتاح، يكتب سيرته الذاتية، في أبلغ ما وصل إليه من عبارات، ومفردات لغوية، تحدثت عن كتاب الفكر الاشتراكي الذين أثروا فيّ، وعن العلقة الساخنة التي طالتني، وأنا في مظاهرات عام 1968، وعن الغرف الضيقة التي عشت بها.
وعن نجاة التي خطبت لمعيد في قسم التاريخ، دبر لها مسكنا، وحياة أفضل، وعن سارتر الذي جعلني أفهم الحياة أفضل، وعن روايات دوستويفسكي، وأفكار البيركامي، وسيزيف الذي لم يتوقف حتى الآن عن صعود الجبل حاملا صخرته، ثم نزوله كي يأتي بها مرة أخرى وهو يعلم أنها سوف تسقط، وتكلمت عن مؤلفاتي الحقيقية الخمسة ابتداء من «رؤية الغد»، وحتى كتابي التاسع «سقوط صدام أم سقوط الوطن».
وجدت قلمي ينسال، لاعترف إنها كتبي، لأول مرة... طرقت روضة الباب :
ـ السيدة هدى تتعجل المقال..
صرخت في وجهها:
ـ لم أنته بعد...
مرة أخرى قالت، بعد قليل : هات ما كتبته... أطبعه...
صرخت: لم أقل بعد كلمتي الأخيرة...
يبدو أنها فهمت، سلمت المقال منقوصا إلى روضة، التي أرسلته لفورها عبر البريد الالكتروني، ورحت أرتجف، تمنيت أن تراجعه، أو أن تراجعني، وألا ترسله، ورأيت مستقبلي الأسود وأنا موقوفا عن العمل، مطرودا من المؤسسة، مغضوبا علي لأنني تجرأت، وفعلت ما فعلته، واعترفت ببعض الحقيقة، سوف يكتشف الأستاذ أن السيرة التي ذهبت إليه كي يقرأها فخورا تخص شخصا آخر، لا يعرفه، وأن ذلك قد يوقعه في مشاكل عديدة، قد تدفعه إلى إلغائها، وهو الذي يعتمد عليها بقوة، لكنه سيضطر إلى أن يلغيها، ففيها كثير مما يعيبه، وسوف يتصل بهدى عقب الحفل، لاعنا أسلاف أجدادي وأخلاقهم، آمرا بطردي بلا عودة، والاستعانة بشخص آخر من مئات الموجودين في المؤسسة الذين يعرفون أنني الكاتب الأول للأستاذ.
في العاشرة مساء، ظهر رقم هدى على هاتفي، فارتج كيان الهاتف من أصابعي المرتجفة، وأنا أتوقع تغيير حياتي، أغلقت عيناي، كي أتقبل مصيري المنتظر، وسبابا لم اسمعه من قبل في حياتي، اختنقت كلمة «ألو» في جوفي، حين جاءني صوتها :
ـ شكرا يا أستاذ.. الأستاذ يشكرك... سوف يتكلم إليك بنفسه، صباح الغد... الكلمة كانت رائعة.. نالت تصفيقا حادا... أنت عبقري يا أستاذ...
ليلتها اكتشفت لأول مرة أن لغتنا العربية عاجزة عن أن تعبر عن المشاعر المتناقضة التي تصيب شخصاً مذبوحاً، في مثل حالاتي، توقع أن يقصوا له رقبته بمقص عملاق، فإذا بهم يضعون فوقها أكليلا من الكذب والنفاق..
يا إلهي.. سرق عاصم النيال سيرتي الذاتية، واستعذبها، ونال بها نجاحا إضافيا، ونسبها لنفسه...
بعد مكالمته اللطيفة معي صباح اليوم التالي، وهي المرة الوحيدة التي سمعت فيها صوته في الهاتف، قررت أن يصير اسمي، وإلى الأبد، عاصم النيال، دون أن أذهب لأدون ذلك في السجلات المدنية، وبدأت أكتب بشخص جديد مختلف تماما عن عامر مفتاح الذي طردته من جعبتي.
المؤلف في سطور
ــ محمود قاسم مؤلف مصري يكتب للصغار والكبار، له كتابات كثيرة في القصص البوليسية وقصص الخيال العلمي.
من أعماله:
ــ لماذا، رواية، عام 1981.
ــ البديل، رواية، عام 1986.
ــ الاقتباس في السينما العربية، عام 1986.
ــ أجمل حكايات البحر، عام 1988.
الجوائز والأوسمة :
ــ جائزة النقد الأدبي من المجلس الأعلى للثقافة عامي 1983 ـ 1985.
ــ جائزة الدولة التشجيعية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1988.
قصة: محمود قاسم


