أعمالها مشغولة في العمق الفلسطيني الذي تعتبره مختبرا صغيرا يمثل الواقع العربي الكبير، وتبحث داخله عن تفسير حقيقي وواقعي لهزائم العرب.. التقينا بالروائية الفلسطينية سحر خليفة لنتعرف منها على رؤيتها لما استجد من قضايا على الساحة الإبداعية، وكذلك عن آخر أعمالها ومشاريعها الأدبية المقبلة، وفيما يلي نص الحوار:
شاركت مؤخرا في مؤتمر القاهرة الرابع للرواية العربية.. ماذا أضاف هذا الملتقى للرواية العربية؟
أهمية مثل هذه الملتقيات تتمثل في طرحها لأفكار جديدة ومستنيرة جدا، تتجه لاختراق المألوف، وقد تضمن المؤتمر الأخير ورقة بحث طرحت ما يسمى بالرواية الرقمية، ولقد بهرت بطريقة العرض لهذه الفكرة، ففيها مزجٌ بين استخدام الفن والتكنولوجيا بما يناسب العصر الذي نعيشه، وإذا كان هناك تكرار في بعض الموضوعات التي تم نقاشها في ملتقى القاهرة الأخير للرواية العربية فهذا لأن هذه الموضوعات لا تموت.. وهى موضوعات مازال الكاتب نفسه يطرحها على نفسه ليجد لها إجابة شافية، وكذلك القارئ يطرحها ليجد إجابة من بين مناقشاتنا، حتى لو كانت هناك أفكار متشابهة يطرحها أكثر من مبدع في وقت واحد إلا أن هذا له فوائد، لأنه سيولد أفكاراً مختلفة فإجابتي لن تكون مشابهة لإجابة غيري وهكذا، ونحن الروائيين معنيون بأن نستمع إلى النقاد باتجاهاتهم ومدارسهم المتعددة والمختلفة، لا سيما وأن هناك قضايا جديدة طرحت نفسها الآن على الرواية مثل تأثير اللغة أو المكان على الرواية.
كيف تنظرين إلى قضية المكان أو الفضاء في أعمالك التي تعبر عن مأزق المواطن العربي متمثلاً في القضية الفلسطينية؟
قد نختلف حول المصطلح سواء كان مكانا أم فضاءً أم حيزا أو حتى نطاقا، ليس المهم المسمى بالنسبة لنا نحن الروائيين، لكن ما يهمنا هو التطبيق والتنفيذ العملي للذاكرة، وعندما يسميه الناقد حيزا أو فضاء فهذا عمله لكن نحن علينا رصد القضية في حد ذاتها.
الزمن الرديء
هل يمكن اعتبار هذا الروائي في تعبيره عن محنة الوطن العربي بمثابة مؤرخ لتاريخ المنطقة؟
نحن ولأننا مهددون بفقدان هذا الوطن، وكما نعرف من التراث فالأم عندما سألوها عن أحب الأبناء إليها قالت «الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود»،فنحن بهذا القول مفعمون بمثل هذا الإحساس.. إن هذا الوطن الصغير لا يكبر بل يصغر، ولا يشفى بل يمرض زيادة، ولا يعود بل يهاجر، الوطن ينتزع منا قطعة قطعة، وهذا هو السبب في تعلقنا بالمكان، نحن نحاول أن نبقيه كتراث خوفًا من تهديد الزمن الرديء «الزمن الآني» لأننا لا ندري ماذا سيحدث؟! فعندما دخلنا حرب 67 كنا نريد تحرير «يافا، حيفا، عكا، الرملة»،حاليا نحن لا نستطيع أن نحرر نابلس والقدس، وهما لم تكونا محتلتين في الأساس، الوطن أصبح يذوب يوما بعد يوم، ويتآكل أمام أعيننا لذلك نحن نتمسك به أكثر من ذي قبل.
في أعمالك دائمًا تعالجين معاناة شعبك في مواجهة الاحتلال هل انكسر المواطن الفلسطيني في أعمالك كما في الواقع؟
هذا هو الواقع فعلاً، التحرير لن يتم ما لم يتم حدوث تنمية حقيقية في الشارع العربي بكامله، الفلسطيني عمقه مصر.. عمقه العراق.. عمقه سوريا، وهذه الدول مازالت في مرحلة تخبط، صحيح أننا انتهينا من الاستعمار التقليدي، لكن الاستعمار مازال موجوداً، وأنا كفلسطينية لن أستطيع أن أحقق أي انتصار دون العمق العربي والبعد العربي، وكذلك العالم العربي لن يستطيع تحقيق أي انتصار دون الانتصار على التخلف والفقر والجهل وديكتاتورية الأنظمة الحاكمة، نحن في سباق مع الزمن، وأكيد الفلسطيني في كل هذا منكسر في العاطفة والسياسة، ومنقسم على ذاته، مثلما يحدث بين حماس وفتح، وكذلك هو مرتبك إنما سنظل نقول إنه طالما يوجد أجيال جديدة تسعى للإصلاح السياسي والتربوي والاقتصادي فمازال هناك أمل.
ألم يحن الوقت للكف عن النقاش حول إشكالية الأدب النسائي، وأن نتجه إلى عمق الأدب ذاته ونبحثه ونتناوله بالتحليل والنقد ليثبت كفاءته بنفسه؟
نعم صحيح، وأنا أفاجأ عندما أجد أنه مازال هناك مناقشات من النساء وغيرهن حول قضايا أو لنقل هوامش حول الأدب النسائي، كقول البعض بتلك الطروحات القديمة التي تجاوزناها منذ زمن مثل كراهية الرجل للمرأة أو العداء المحتمل بين الاثنين، والصراع الظاهر حول حق المرأة في دخول عالم الإبداع، هذا الشأن تجاوزناه من فترة طويلة وأصبح على هؤلاء الأديبات والباحثات والناقدات أن يتجاوزن الطرح التقليدي، وأن يدخلن للعمق الإبداعي وما يعيق هذا الإبداع وكيفية تناوله من جانب النقاد الذكور.
عقلية متخلفة
تناولت في أعمالك وحللت شخصية المثقف الرجل بمواقفه المتناقضة أحيانا مع نفسه ومع الآخرين .. كيف تنظرين إلى موقفه تجاه المرأة وإبداعها؟
هذا صحيح، لكن هناك فرقا بين الرصد الروائي للمجتمع وسوسيولوجية الرواية كما يطرحها الروائي، وبين الواقع الذي نعيشه مثل التقاء المبدعين والروائيين المحترفين للعمل الأدبي، وتحليل وتناول مشكلات الإبداع، نحن كروائيين لا يمكن أن نكتب عن واقعنا ما لم نتناول هذه القضايا سواء التمييز الجنسي أو تربية الأطفال أو الأبعاد الدينية والتقليدية كل هذا نتناوله كروائيين في أعمالنا لكن عندما ينعقد مؤتمر نحاول فيه أن نسلط الضوء على قضايا ذكورية أو نسوية المفروض أن نناقشها بعيدا عن التحيز والتمييز وكذلك بعيدا عن السطحية.
ربما هذا لأن الفرد العربي مازال أسيرا لتراثه ولم يستطع الإفلات منه بعد..
بالتأكيد.. وهذا ما أقصده من التنمية التي أشرت إليها منذ قليل هى ليست تنمية سياسية والخلاص من الأنظمة الديكتاتورية، إنما الخلاص من العقلية المتخلفة اجتماعيًا وتربويًا، وكذلك نسبة الانخراط بالاقتصاد العالمي، ولن تكون سياسيًا ناجحا ومتقدما ما لم يكن هناك اقتصاد ناجح، ولا يمكن أن تصل إلى اقتصاد ناجح ما لم تتعلم كيفية دخول السوق والمحافظة على المكاسب، إنها مسألة مترابطة متماسكة لا يمكن عزل جانب عن جانب آخر.
مؤخرًا ظهر مصطلح جديد في الرواية يسمى «الكتابة الجديدة» .. وبعض النقاد يرى أن الانسياق وراء هذه الاتجاهات الغربية في الكتابة هو خواء فكري عند بعض الروائيين .. ما رأيك في هذا؟
أنا لست معنية بتقييم الكاتبات والكُتاب، وإلى أي مدى هناك اتساق في أفكارهم مع النظريات الأدبية سواء التقليدية أم الحديثة أو ما بعد الحديثة (الحداثة)، ما يهمني هو النص الجيد سواء كان يستقي من الموروث مثل «الزيني بركات» للغيطاني، أم لا وهذا النص الجيد يعتمد على التراث في توليفة تحيي هذا التراث بطريقة حديثة، المهم أن يتمكن الروائي من عمل توليفة وينجح في الوصول إلى القارئ ويدخله إلى جو أو محيط وتفاصيل عمله الروائي، والمهم أيضا أن يقنعك بالشخصيات وبطريقة تحليلية للواقع، وكذلك يعطيك مدى للتفكير والإحساس في ذات الوقت لأنك إذا فكرت فأنت في تلك اللحظة قد تكون كالذي يقرأ كتابا فكريا أيديولوجيا بعيداً عن الأدب، الأديب الناجح هو من يحرك القارئ على صعيدي الفكر والحواس.
ربيع حار
هل بالضرورة لأنك روائية فلسطينية أن تناقش أعمالك قضايا بلدك أم أنك تخرجين من هذا النطاق لمناقشة أفكار إنسانية أكثر عمومية وشمولية؟
القضايا التي أطرحها إنسانية بشكل عام، وحين أتخذ من فلسطين مختبرا فأنا أختبر فيه العالم العربي كله، لأن فلسطين هي مختبر صغير لواقع كبير، قضايا التخلف بجميع أشكالها أستطيع أن أناقشها في المختبر الفلسطيني، لأنني لا أظن أن هناك فارقا بين التخلف الذي يوجد في فلسطين والتخلف الموجود في مصر مثلاً، الكل واحد.. المشاكل واحدة، تخلف واحد وتربية واحدة، وعندما كتبوا عن أدب نجيب محفوظ، قالوا إنه وصل للعالمية من خلال المحلية، وأنا لا أستطيع أن أكتب عن جو لا أشعر فيه بحواسي.
ماذا عن آخر أعمالك الروائية، وهل ابتعدت فيها عن الداخل الفلسطيني أم مازلت تتعايشين مع الفلسطينيين في كل صغيرة وكبيرة؟
آخر أعمالي رواية «ربيع حار»،وقد صدرت ضمن إصدارات دار الهلال المصرية، وكذلك دار الآداب البيروتية، وهى تناقش الوحدة بين طوائف الشعب الواحد سواء مسلمين ومسيحيين أو من تسمونهم في مصر أقباطا، فلا يوجد فرق بين ديانة وأخرى لأننا نسعى في النهاية إلى التحرر من الاحتلال، ومن هنا يأتي دور المثقف المهم جدا في مناقشة قضايا الوطن، فقد ضعف أملنا بالسياسة، وبمعظم السياسيين في العالم العربي، نحن نتشظى من داخل الجزء الواحد وهذا شيء خطير.
ماذا عن العمل الذي تكتبينه الآن؟
أنا على وشك الانتهاء من عمل جديد اسمه «أصل وفصل»،أحاول فيه التفسير والرجوع لجذور الهزيمة التي لحقت بالعرب، فأنا مشغولة بالإجابة على سؤال يؤرقني.. لماذا نحن مهزومون؟
الكاتبة في سطور
ــ الروائية سحر خليفة حاصلة على البكالوريوس من جامعة بيرزيت بالضفة الغربية، وعلى ماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة نورث كارولينا بالولايات المتحدة الأميركية ثم الدكتوراه من جامعة أيوا.
ــ من رواياتها: الصبار، مذكرات امرأة غير واقعية، الميراث، باب الساحة، صورة وأيقونة وعهد قديم، ربيع حار.

