مشهد رائع يعكس كل الخشوع لله سبحانه وتعالى، عندما ينتهي المسلم من صلاته، ويلتقط مسبحته، ويذكر أسماء الله الحسنى، وينطلق في الحمد والاستغفار، على حباتها، فهي جزء لا يتجزأ من الخلوة التي تشهد الصلاة والنوافل يومياً، وهناك من يُسبح على أنامل اليدين، معتقداً أن ذلك سينير القبر عند المنتهى، وهو مشهد آخر للخشوع لله وحده.
حكايات عديدة تروى عن المسابح وكيفية صناعتها والأحجار المستخدمة فيها، وكيفية صناعتها يدوياً وأيها الأغلى ثمناً والأعلى قيمة، وكيف دخلت الميكنة في صناعة المسابح، والعديد من الحكايات الأخرى. خان الخليلي بمصر معقل لصناعة المسابح بكل أنواعها وأشكالها وأحجامها، ما أن تطأ قدماك المكان لابد وأن تلمح عيناك الحوانيت الصغيرة الممتدة في الخان، والتي اشتهرت بصناعة المسابح، وليس لك الاختيار في ترك المكان، لأن عبقريته تحتم عليك الحضور بشدة لتتعرف عن قرب على صناعة المسابح اليدوية والأخرى التي تصنع بالميكنة الحديثة. الحاج محمود الطرابيشي، أحد كبار صناعة المسابح اليدوية، والتي طارت شهرتها في مصر وكل البلاد العربية الإسلامية، جاء صوته إلينا عبر الهاتف، يقول وصوته يحمل شجناً عندما يوضح أن صناعة المسابح اليدوية مهددة بالانقراض، أمام الميكنة الحديثة، وهجمة استيراد مسابح رخيصة في الشكل والثمن، الآتية من الصين واندونيسيا وغيرهما من بلاد جنود شرق آسيا، ويزيد في كلامه إن العراقة والأصالة ما زال لهما جمهور يبحث عنهما في حوانيت خان الخليلي، التي اشتهرت بصناعة أجمل المسابح اليدوية من الكهرمان واللؤلؤ والمرجان، وما زال يطلبها هواة جمع التحف، وهؤلاء المتمسكين حتى الآن بمظاهر الزمن الجميل بكل مفرداته.
وعند التوغل في عمق المكان في خان الخليلي نجد أن المسابح المصنعة من الفضة الخالصة والمشغولة بدقة مفرطة، حيث تنقش عليها بحنكة نادرة أسماء الله الحسنى، وهذه النوعية من المسابح لها عشاقها، وهم من بقايا الزمن الجميل، ينحدرون من أسر عريقة ما زالت محتفظة بكل ما هو نفيس وغالٍ وجميل. ارتبطت بعض المسابح، كما يؤكد لنا الحاج محمود الطرابيشي، ببعض الخرافات مثل الاعتقاد بأن المسابح المطعمة بالذهب والمعشقة بالفضة تطرد الأرواح الشريرة وتبعد الشياطين، وهذه الخرافات تنبع من حكاوي الراوي التي كان يحكيها ملحنة على الربابة في منطقة خان الخليلي والحسين، ويجري حوله الصغار، يغنون معه ويستمعون لحكاويه. المسابح الزرقاء ذات الحبات الكبيرة المصنعة من حبات الفيروز المتعرجة، تقبل عليها سيدات المجتمع من عّلية القوم، لاستخدامها في التسبيح، وأيضا في الإيحاء بالوجاهة الاجتماعية، خاصة في المناسبات كرمضان والأعياد وغيرها، فتتمسك السيدة الأنيقة بمسبحة فيروزية متعرجة الفصوص، والتي تدخل في حوار أنيق مع خاتم فيروزي، يجمل أصابع السيدة، ويكمل طقم الفيروز، الذي تتجمل به من حلق وعقد فيروزي، يختلط فيه الذهب بحبات الفيروز.
وهذه النوعية من المسابح الفيروزية المرصعة بخيوط الذهب يشتريها الصُيّاغ من محلات خان الخليلي، ويبيعونها لسيدات المجتمع من الطبقات الراقية.
ويوضح الطرابيشي، الذي دخل عالم هذه الصناعة الدقيقة منذ 60 عاماً مع والده ـ يوضح أن هناك مسابح من الذهب الخالص نصنعها خصيصا للنخبة ولرجال الأعمال والسياسيين، وهذه النوعية يفضل صناعتها بالميكنة الحديثة لتطويع حبات الذهب المنقوشة بالفضة، هناك كذلك المسابح المصنعة من العاج والفضة والياقوت الأحمر والزمرد، وجميعها لها زبائن من علية القوم وخاصة من السيدات.
ولكل نوع من أنواع المسابح أسماء معينة تطلق عليها، فهناك ما يعرف بمسابح «الكهرب» ويرجع أصله إلى أشجار الصنوبر العملاقة، التي تفرز مادة الكهرمان الصمغية منذ عصور قديمة على سواحل بحر البلطيق والبحر الأسود، والدول المطلة على شواطئها بارعة أيضاً في صناعة المسابح الكهرمانية، مثل تركيا التي تعد واحدة من الدول الرائدة في صناعة المسابح.
مسابح تجذب أي إنسان محب لعبق جميل، مثل المسابح المصنعة من النارجيل ذي الرائحة الزكية النفاذة اشتهرت بها تركيا، كما اشتهرت كذلك بمسابح السندولوس، وهو نبات يمكن مزجه أثناء التصنيع بالأحجار الكريمة، فيعكس رائحة رائعة لها جذب لا يقاوم، واشتهرت بالسندلوس والنارجيل أيضا كل من الهند والحبشة.
وللمسبحة مآرب أخرى.. فما هي؟
هي رمز للإيحاء والإلهام، فكان أمير الشعراء أحمد شوقي يتمسك بمسبحة أبنوسية سوداء مطعمة بالفضة الخالصة مكتوب عليها أسماء الله الحسنى، يضعها في راحة يده اليمنى، ويضمها بأصابعه، فيكون في قمة الإلهام والعطاء الفكري في الشعر العربي، الذي توج فيه بلقب أمير الشعراء.
وكانت مسبحته تلازمه في كل مكان، وهي من الأشياء التي يعتز بها مع قلمه ونظارته وأوراقه، فهي بالنسبة له ـ كما أثبت التاريخ الأدبي ـ لأمير الشعراء، كل الإلهام والتدفق والتأمل الذي يطول ويفرز بعده أحلى الأشعار.
وسيدة الغناء العربي أم كلثوم كانت أثناء بروفات أغانيها تتمسك مسبحة مصنعة من الكهرمان الشفاف الذي تنبعث منه رائحة نفاذة زكية، إذا ما وضعت في راحة اليد، فإن حرارة الجسم الطبيعية تعمل على استخراج رائحة الكهرمان، وكانت أم كلثوم تضعها داخل منديلها الوردي الذي اشتهرت به، وكذلك قبل ظهورها على المسرح، فكانت تستمتع بالموسيقى والغناء ورائحة الكهرمان، فيكون الإبداع.. ويهلل الناس «عظمة على عظمة يا ست«!
وللمسبحة حكايات أخرى تروى، حكايات يمتزج فيها الفكاهة والواقع الراقي في مجتمعات الترف الإنساني أيضا كانت تلعب دورها مع الساسة والمشاهير من الفنانين والدراما العربية؟ بمن نبدأ؟ جميعهم لهم حكايات رائعة مع حباتها غالية الثمن متقنة الصنعة تروى تاريخ زمن ولى ومعه كل المفردات التي مازالت في ذاكرتنا حتى اليوم، وأيضا لم ينس الزمن هذا أخذ المسابح يدوية الصنع تروى حكاياته يلوح لنا بها من البعيد حيث استعرض خط الأفق بين السماء والأرض يرصد أحداث زمن مختلف.
الملك فاروق، ملك مصر الذي ودعها فوق سفينة «المحروسة» وقت قيام ثورة يوليو، كانت لديه مسبحة خاصة، يحتفظ بها دائما بين راحة كفيه، عندما يجلس في صمت الملوك لأخذ قرار ـ مسبحته من الكهرمان النادر الشفاف، يغلب عليه اللون البني مع ظلال وردية في لون الكهرمان الخام، لها منارة من الذهب المطعم بالماس، وكانت حباتها الشفافة تعكس أشكالاً من أوراق الشجر الدقيقة، وقد انتهت هذه المسبحة الملكية في مزاد سوثبي البريطاني، حيث اشتراها أحد الأثرياء البريطانيين بثلاثة وأربعين مليون جنيه إسترليني، لتحتل ركنا في منزله العريق وسط العاصمة البريطانية لندن.
وما زالت المسابح العريقة تتأرجح بين أنامل وراحة الأيادي للساسة وعلية القوم، فكان الخديوي اسماعيل يعتز بمسبحته الماسية، التي جلبها من تركيا، وكانت لا تقدر بثمن، كان يضعها في يديه ويحكم عليها قبضته، أثناء تفكيره العميق في أمور السياسة، وكان يعتقد دائما بأن إذا جاء يوم وانفرطت فيه حباتها الماسية، فإن هذا اليوم سيكون نهاية حكمه للبلاد.
تُرى هل انفرطت حباتها؟ أم دارت الأيام دورتها المعتادة وولى زمن الخديوي وحفظت أحداثه بكل تفاصيلها بين طيات كتب التاريخ؟ فللتاريخ دائما الغلبة، فهو مرآة كل الأمم التي ولت، وينتظر المزيد.
ويطلق على المسابح التي تصنع من الذهب والماس ويقتنيها المشاهير اسم «هواية الملوك»، وتسمى المسبحة الواحدة باسم المسبحة الملوكية، ومازال منها القليل لدى الصياغ ذائعي الصيت في القاهرة واسطنبول، تباع بأغلى الأثمان، أيضاً المزادات الشهيرة في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ما زال تعرض فيها هذه النوعية من المسابح، التي تعكس الترف والثراء والأبهة.
ولكن هناك شبح الانقراض الذي يتربص من قريب وبعيد بصناعة المسابح اليدوية، التي اشتهرت بها مصر وتركيا، لأن الصناع المهرة في خان الخليلي الذين توارثوا هذه المهنة عن الآباء والأجداد، هجروها لقلة الإقبال عليها، فبدأ الناس يهتمون بالمسبحة المصنعة بالميكنة، وهي غالباً من أنواع من البلاستيك المنقوش والمصبوغ بألوان مختلفة، بالإضافة إلى إغراق الأسواق بمسابح مستوردة من الصين وكوريا، ليست لها عراقة ولا أصالة ولا حنكة وإبداع في صناعتها، ولكنها تشبه إلى حد كبير عصر وزمن الوجبات السريعة «التيك أواي».
بالإضافة إلى أن الفنادق والمحلات الكبرى تستخدم المسبحة كقطعة زينة وديكور يجمل الجدران، غالباً ما تكون من حبات الخرز الأزرق الكبير يتدلى منها «شراشيب» زرقاء تمنع الحسد.. هكذا يعتقد أصحاب هذه المحلات والفنادق، أما السياح فهم يشترون المسابح الزرقاء من خان الخليلي ويستخدمونها كقلادة ترمز لأرض الكنانة.. مصر.
ولكن الأصيل والنفيس دائماً لهما حضور قوي، يقاوم التحديث والزمن اللاهث، فقد بدأ كبار صناع هذه المهنة في خان الخليلي بالقاهرة فتح معاهد صغيرة لتعليم الأجيال الجديدة من عائلاتهم هذه المهنة لعلها تستعيد مرة أخرى مفردات زمن جميل.. يمكن تسطير أحلى ما فيه خلال العقود المقبلة.
المتصوفة والمسابح
تبادل إنساني عميق فيما بين المسبحة والناس، معها يكون الخشوع لله وبها ينطق اللسان والأنامل معاً بذكره سبحانه، تبادلية الأحجار والذكر إحساس عالٍ لا يستشعره إلا كل خاشع.
المتصوفة من أمثال الحلاج، كانت المسبحة تقع من بين أناملهم لشدة الدخول في حالة توهج إنساني عالي المقام في الصلاة والذكر والخشوع. فقد تم بتر القدم اليسرى للحلاج لإصابتها بمرض خطير، أثناء صلاته ولكنه لم يشعر بعملية البتر لدخوله في حالة روحانية عالية جداً، وأثناء ذلك وقعت المسبحة المحاطة برسغه وانفرطت وسط تساقط دموع الخشوع والرهبة وحب الله.. فقط إنه التصوف وعبادته الخاصة.
وقد وردت هذه الواقعة في كتاب «الحلاج شهيد التصوف» للدكتور محمد الريس.
المسبحة وذكريات الستينات
على هامش مهرجان التلفزيون في الإسكندرية في العام 1969 والذي كان تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية وقتذاك وكان يقدم الفنان سمير صبري وسمير الاسكندراني، حضر المهرجان لفيف من النجوم منهم جاردنر مكاي وصوفيا لورين التي ظهرت وحول عنقها مسبحة من الكهرمان، كان قد أهداها لها الفنان سمير صبري أثناء جولة في الإسكندرية على هامش المهرجان.
أما روجر مور صاحب مسلسل «ذي سانت» (القديس) وهو من أشهر الأعمال التليفزيونية في الستينيات من القرن الماضي، فكان يمسك بمسبحة من الزمرد تبركاً بها، اشتراها من فندق «سان استفانو« الذي يستضيف المهرجان في الإسكندرية عاصمة الفنون والثقافة.
فالمسبحة والإنسان وجهان لعملة واحدة، بُعد إنساني فيما بينهما، خشوع وجمالياتها يتبلوران في حياتها، هكذا أكد الكاتب الألماني ـ وهو طبيب أيضا ـ دكتور شترومان من جامعة بون، بأن المسبحة والإنسان بينهما تشابه جمالي وخشوع، فدفء اليد يجعل حبات العنبر للمسبحة تفرز عبقا رائعا تحتفظ به اليد إلى حين.
منى مدكور


