في عرضه المسرحي الجديد «تياترو» يعود المخرج باسم باسم قهّار إلى الأربعينات ليرصد فترة حرجة ودقيقة من تاريخ سوريا السياسي (فترة الانقلابات) أعقبت نكبة 48، مستعينا برواية «تياترو 1949» للأديب السوري فواز حداد.
رغم أن باسم قهّار لا يؤمن بإمكانية التغيير عبر المسرح، فالمسرح لديه «فضاء حر للنقد وللكشف والتحريض»، لكنه في عرضه هذا يحاول «عدم تقديس التاريخ» من خلال البحث في أسباب الهزيمة ونتائجها الكارثية على عدد كبير من الساسة والمثقفين العرب انطلاقا من الحالة السورية التي يؤسس عليها مجمل أحداث مسرحيته.ويقول المخرج إنه وجد صعوبة في مسرحة الرواية التي يرى بأنها فن أدبي مختلف كليا عن المسرح، كونها تعتمد على الكلمة والسرد اللغوي، بخلاف المسرح الذي يعتمد على الحركة والضوء والسينوغرافيا وغيرها.ويضيف: «لا شك أنك حين تحاول مسرحة الرواية يجب أن تُحدث فلترة عالية المستوى لمسك جمرة الدراما داخل الرواية، وكانت هذه مهمة صعبة لتخليص الشخصيات من الفائض اللغوي والسردي ووضعها على المسرح مكشوفة عارية تتنفس وتحلم كالبشر».
ويحاول قهّار أن يخدع المشاهد، الذي قد يتوه بين الأحداث الواقعية والأحداث المسرحية، حين يلجأ إلى تقنية جديدة هي «لعبة المسرح داخل المسرح»، عبر شخصيته المحورية (حسن فِكرت) الذي يمسك بخيوط العمل من الداخل ويقود الأحداث حتى النهاية ليسدل الستار على العرض.
ويقول قّهّار: «لا أحاول في هذا العرض أن أستهين بالمشاهد بقدر ما أحترم ذائقته ووعيه وذاكرته فعروضي دائما تأخذ منحى فيه كثير من الجدل، لذلك فقد أقمت لعبة متخيلة لتوازي اللعبة الواقعية التاريخية التي حدثت سنة 49، وترك الخيار للمشاهد بين لعبة السياسة التي جعلتنا ندفع الكثير من الضرائب ولعبة الفن باعتبارها لعبة تؤسس لجمال الحياة».
ويستعين المخرج باللغة السينمائية في العرض، حيث يوظّف الضوء والحركة للدلالة على الانتقال بين الزمان والمكان لتبدو مشاهد العرض أشبه بالمشاهد السينمائية من خلال تقنية «الإظلام غير الكامل» أو «التقطيع السينمائي»، ويستطيع المخرج من خلال هذا الإجراء الفني حل مشكلة التنقل بين 42 مكانا (مقاهٍ - بارات- مكاتب ـ شوارع) تشكل قوام العرض ليترك لخيال المشاهد حرية التنقل بين هذه الأمكنة».
ويوضّح قهّار بأنه لا يريد تقديم مسرح بسيط يتلقاه المشاهد بسهولة، كما أنه لا يرغب بإقامة علاقة دبلوماسية مع المتلقي، بقدر رغبة في إثارة جدل حر خلال العرض المسرحي.
ويؤكد أنه يحاول من خلال العرض التركيز على الأحداث التاريخية ومنحها صفة البطولة، مشيرا إلى أن الشخصيات الموجودة في العرض تستمد أهميتها من تلك الأحداث التي تؤثر على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع.
ويشير قهّار عبر عرضه إلى أن القضية الفلسطينية انسحبت من الضمير العربي لتتحول إلى جملة من الشعارات والخطابات والكتب المدرسية، مشيرا في نفس الوقت إلى أن المسرح لا يكفي لتغيير الواقع الفلسطيني، ف«ألف مسرحية لا تستطيع أن ترجع فلسطينيا واحدا إلى أرضه».
وحول الشخصية الأساسية في العرض (حسن فِكرت) يقول قهّار: «هو واحد من المثقفين الذين شعروا بالهزيمة بعد نكبة 48، لكنه أراد أن يقول انه لن يهزم.. أراد أن يتماسك أمام الهزيمة وأن يعيد ترتيب الذات من خلال المسرح».
ويضيف: «حسن فكرت» هو المثقف الذي يرفض كل أشكال القمع التي كانت تمارس في تلك السنوات، لذلك نراه يقول للضابط في نهاية العمل: أنت تماديت في دورك وخرجت عن الدور المرسوم لك، أنت ضد المسرح لأنك لا تمتلك الخيال (الحلم والحرية)، والظاهر أنك لا تنتمي لشيء اسمه حرية، لهذه الأسباب أنا غلبتك بالخيال، لذلك أنت مطرود من دورك».
تجسيد المرحلة
الاستخدام المكثف للتدخين وموسيقى الجاز هو محاكاة لمناخ الأربعينات والخمسينات الذي تجري فيه أحداث العرض، اضافة الى استخدام اللونين الأبيض والأسود والسيجارة «التي كانت نوعا من الإتيكيت في تلك الفترة»، وموسيقى الجاز التي كانت منتشرة أيضا بكثافة في تلك الآونة.
حسن سلمان

