قال الشاعر الألماني يوهان غوته في قصيدة الهجرة عام 1814:«الشمال والغرب والجنوب في قتال فلتهرب أنت إلى الشرق».

هل قال غوته ذلك لان الشرق الصوفي والروحاني هو المكان الآمن للعيش في ظل حروب الشمال والغرب والجنوب! وهل كان الشرق بالنسبة للرحالة والمستشرقين هو كما رآه الشاعر غوته أم كما رآه الاستشراق الكولنيالي بجنوده وثقافته التوسعية الإلغائية والاستبدالية (فرنسة الجزائر مثلا).

فعندما خرج آخر جندي عربي مسلم من غرناطة في عام 1492 وصل كريستوف كولومبس إلى «العالم الجديد» ومنذ ذلك الوقت تطلعت أوروبا إلى البحار والمحيطات الشاسعة بحثا عن مكان جديد لغرس راياتها وكأن عشرات الحروب لم تكفها في الداخل فخرجت بحثا عن حروب جديدة في جغرافيا جديدة.

هل فعلا بدأ النظام العالمي الجديد مع سقوط غرناطة واكتشاف العالم الجديد، ام بدأ مع سقوط جدار برلين، ام بدأ مع الثورة الصناعية واختراع الآلة البخارية التي أوجدت نظاماً جديداً لعلاقات ووسائل الإنتاج وانعكاساتها على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهو ما نتج عنها بالنهاية الحضارة الغربية التي نراها اليوم.

إذا لماذا نظرت تلك الحضارة (المتفوقة زمنيا) إلى الشرق نظرة دونية وتعاملت معه كمنجم روحي وصورته شهوانيا كما فعل الرسامون، ولم تنظر إلى اليابان (أقصى الشرق) واستراليا تلك النظرة هل لأنهما لا يقعان جغرافياً على حدود الغرب، إلا إذا كان المقصود بالغرب المرادف للرأسمالية والتي لها سمات محددة حيث يمكن أن تشمل القارة العجوز وأميركا وكندا وجنوب إفريقيا.. الخ.

الاستشراق هو الموضوع الأثير لدى عدد كبير من المفكرين عربا وأجانب منذ محمد كرد علي وعمر فاخوري حتى ادوارد سعيد، ومن هيرمان هيسه حتى مكسيم رودنسون، وكل من كتب بعد ذلك، وخلال تلك المراحل كانت النبرة العربية توضيحية وتفسيرية ودفاعية، أمام النبرة الغربية الاستعلائية والمنغلقة على دائرة السيادة الحضارية للغرب دون النظر إلى باقي الأمم التي تنهض بقوة (الصين، الهند) كأمثلة شرقية.

والاستشراق يحتاج إلى وقفة متأنية ليس عبر كتب متباعدة وندوات عاجلة، الاستشراق هو حوار حضارات ومثاقفة أمم ولقاء تبادلي لفهم الآخر بعيدا عن عقلية ألف ليلة وليلة وعقلية نساء مكتنزات حول بركة ماء يدخن النراجيل.

ترى هل فكر الغرب بهذه العقلية، وهل هو مستعد للحوار بعد صعود أجيال تفكر بالانتقام منه عبر تفجير عماراته وقطاراته؟

hussain@albayan.ae