يعتبر الأديب والروائي النيجيري إيليتشي أمادي في مقدمة رواد الأدب الحديث في نيجيريا ويتقدم بذلك على كل من الأديبين الشهيرين شينوا أتشيبي وولي سونيكا. وتكمن قوة أعماله في كونها أقل مباشرة في طرح الجوانب السياسية والاجتماعية. وتتجلى الحداثة في رواياته في الارتباط بالجذور ذات البعد الإنساني الشمولي.

وقد قارب عدد من النقاد بينه وبين الأديب البريطاني الكبير توماس هاردي (1840 ـ 1928)، حيث يجمع بينهما الاهتمام بالفولكلور والقدرية والمعاناة الفردية.ولد إيليتشي أمادي في 12 مايو عام 1934 في آلو قرب ميناء هاركورت في شرق نيجيريا، وعائلته من قبيلة آيبو الذين يتحدثوا بلغة إكويري. تعلم في المدارس الحكومية ومثل معظم الكتاب النيجيريين تخرج من جامعة إيبادان، حيث درس العلوم الطبيعية وتزوج عام 1957 وأصبح أبا لثمانية أبناء. حصل على شهادة البكالوريوس في الفيزياء والرياضيات في عام 1959، وعمل لمدة سنة كمساح أراضي ثم مدرس للعلوم في مدرسة بروتستانتية تبشيرية، وانضم في عام 1963 إلى الجيش الفدرالي برتبة كابتن ودرّس في المدرسة العسكرية.

كما تم اعتقاله مرتين خلال الحرب الأهلية ما بين 1966 و1970. ثم عمل مع الحكومة الجديدة وأصبح رئيسا لوزارة الإعلام ووزارة التربية، ثم انتقل إلى كلية الآداب والتعليم ككاتب مقيم وبعدها عميد.وعلى صعيد الكتابة، كانت أعماله الأولى تدور في إطار العالم الأفريقي التقليدي مع تناول المجتمعات بزمن مفتوح خارج تأثيرات كل من المستعمر والعقلانية وتغيرات الحداثة.

ولاقت روايته الأولى «المحظية» التي نشرها عام 1969 نجاحا واهتماما كبيرا وأضحت من الأدب الكلاسيكي الأفريقي، وتلاها بروايته «البحيرات العظمى» ونشرت عام 1969 ومحورها صراع بين قريتين حول حقوق الصيد.

ويتعامل في هاتين الروايتين مع ظروف محكومة بالتوتر الشديد حيث تعيش شخصياته في عزلة عن الحياة الاجتماعية والقبلية. ويعرف عن أمادي اهتمامه باكتشاف الاحتمالات وحدود الأصالة في البنية القبلية، علما أن تواجد شخوصه لا ينحصر في محيط القبيلة بل في كينونتهم الفردية أمام الآلهة. ويحكي في روايته الثالثة «العبد» ونشرها عام 1978، عن صراع البطل مع بيئته وجموحه ليعود إليها لاحقا. أما روايته الأخيرة «النفور» التي نشرها عام 1986 فتدور حول مرحلة ما بعد الحرب الأهلية وآثارها، ولم تحقق نجاحا كبيرا.

انتقل أمادي بعد ذلك إلى تجربة الكتابة المسرحية وحقق نجاحا نسبيا فيها، ونشر أربع مسرحيات، أولها بعنوان «إيسيبورو» ونشرت عام 1973،وآخرها «الطريق إلى إيبادان» التي نشرها عام 1978. كما جمع مقالاته لتنشر في مجلدات أولها عام 1973 عن الحرب الأهلية بعنوان «غروب بافاريا».

يتميز أسلوب أمادي بالبساطة والموضوعية، والعمق الإنساني المتداري بالأساطير. وتتمثل رؤيته الحياتية في أن لكل فرد دور محدد يلعبه في مخطط الحياة ولا مجال للهرب منه.

ويحكي في روايته «المحظية» التي تعتبر من الأدب الأفريقي الشعبي، عن واقع حياة الريف قبل دخول المستعمر. ويتجلى فيها بنية المجتمع القروي الذي يعتمد على مجلس الشورى من كبار السن بعيدا عن المركزية والسيطرة، مع الحرية المتاحة للجميع للإعراب عن أفكارهم وآرائهم قبل اعتماد المجلس لأي قرار، إلى جانب تركيبة العلاقات الاجتماعية ومكانة الإنسان والمرأة، وتآلف الديانات المختلفة.

تبدأ الرواية بشجار بين المزارع إيمينيك الشاب من قرية أوموكاتشي والقروي مادومي الذي صعّد الخلاف بشأن حدود الأرض بينهما، لشعوره بالغيرة والحسد من جاره الذي ينعم بحياة مزدهرة وزوجة جميلة وذكية. يتطور الشجار إلى عراك بالأيدي يتسبب بإصابة إيمينيك وفقدانه الوعي.

وبينما تستدعي إيهوما زوجة المصاب طبيب وساحر القرية أنييكا، يتوارى الجار مادومي عن الأنظار حتى تهدأ النفوس.

تمضي الأيام ويتعافي إيمينيك ويعود إلى عمله في الحقل، لكن سرعان ما تتدهور صحته بسبب عمله لساعات طويلة تحت المطر ليصاب بمرض يعرف في القرية باسم «انقباض الصدر»، وعلى الرغم من الشعائر التي يقوم بها كاهن آلهة الرعد آماديوها والأضاحي السخية التي قدموها، توافيه المنية.

وبعد مضي عام على انتهاء الحداد، تعود إيهوما إلى حياتها الطبيعية ليتجدد جمالها الذي يثير اهتمام وإعجاب الرجال ومنهم الجار مادومي الذي يفكر بها كزوجة ثانية له.

وتبدأ الأحداث بالتصاعد حينما يصاب مادومي بالعمى لمحاولته الاستيلاء على محصول جارته من الأرض المختلف عليها حيث تبخ أفعى الكوبرا سمها في عينيه حينما ينحني ليلتقط بعضا من المحصول.

ترفض إيهوما عرض الزواج من إيكويمي وكذلك عائلته التي تسارع في تزويجه من شابة من قرية مجاورة. ونظرا لاختلاف البيئة والظروف تشتد الخلافات بين العريسين ليتم الانفصال بعدما ساءت حالة إيكويمي نتيجة السحر الذي دسته له زوجته.

تساعد إيهوما الشاب على استعادة توازنه، وتقبل هذه المرة الزواج منه، لكن كاهن القرية يحذر الشاب وعائلته من هذا الزواج ويكشف لغز إيهوما لهم، والمتمثل في أنها كانت في حياة الأرواح السابقة زوجة لملك البحار الذي أحبها، والذي تحول غيرته دون اقتراب أي رجل منها، واستدل على ذلك بكمالها الفريد في الجمال والسلوك والخلق من جهة وبموت زوجها وبعده مادومي الذي شنق نفسه بعد أن أصيب بالعمى.

يرفض إيكويمي كلام الكاهن ويصر على الزواج، ويستعين بكاهن قرية مجاورة للقيام بطقوس دينية لحمايته من أي شر مقبل عليه. ويدعي أمام إيهوما أنه يقوم بتلك الإجراءات لدرء أي أذى عنهما. ولكن وخلال القيام بالشعائر، يصاب إيكويمي بسهم طائش كان قد رماه ابنها الأكبر لإصابة سحلية، وبذا يقتل إيكويمي أيضاً قبل إتمام المراسم.

الكتاب: المحظية

تأليف: إيليشي أمادي

الناشر: هاينمان 1989 الولايات المتحدة

الصفحات: 222صفحة

القطع: المتوسط

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae