«أين نمضي؟ كيف الوصول؟» كتاب يحاول فيه مؤلفه جان فرانسوا كاهن أن يقدّم نظرية للتطور التاريخي والاجتماعي والإيديولوجي، وهو ينطلق واقعيا من مجموعة من الأسئلة البسيطة وإنما الجوهرية، مثل: كيف وصلت الأمور في العالم إلى ما هي عليه؟ وإلى أين نمضي؟ وكيف الوصول؟
ينقل المؤلف عن الشاعر والكاتب الفرنسي فكتور هوغو جملة تقول: «بمقدار ما نفتح عددا أكبر من المدارس، سوف نغلق من السجون».
ويشير إلى أن فرنسا «فتحت» منذ جملة عددا هائلا من المدارس، وبنت بنفس الوقت أكثر فأكثر من السجون. وكان «هوغو» نفسه قد «شبّه مسيرة الإنسانية القادمة بالصعود المهيب لسلّم تمثل كل درجة جديدة منه خطوة نحو السعادة الكونية والسلام وإذن نحو الجمهورية.
تعليم أكثر وإذن معرفة أكثر وإذن تعقّل أكثر وإذن تسامح أكثر وإذن حرية أكثر وإذن سعادة أكثر»، يكتب جان فرانسوا كاهن.
لكن الواقع يشير إلى العكس حتى أن «هوغو» نفسه قد كتب قبل أربع سنوات من وفاته عن «الفظاعات» التي شهدها القرن التاسع عشر.
ويتساءل المؤلف في هذا السياق: «هل عرف العالم من المجازر أكثر ما يشهده اليوم؟ وهل يمرّ يوم دون ارتكاب مجزرة مثل بارتيليمي؟ (بارتيليمي هي المجزرة التي ارتكبها الكاثوليك في فرنسا ضد البروتستانت قبل عدة قرون) وعشرات القتلى في اعتداءات وتفجيرات وقتل وسحل في كل مكان.
ويذكّر المؤلف قارئه بالجملة الشهيرة: «لن يحدث شيء مستقبلا كما جرى في السابق».
وكان الأجداد في أوروبا قد رددوها بعد مجازر الحرب العالمية الأولى 1914-1918 ولكنهم عرفوا مجازر شبيهة وأكثر قتلا قبل عقدين فقط من نهاية تلك الحرب حيث خاضوا على الأرض الأوروبية نفسها حربا غدت هي الأخرى عالمية ما بين 1919 و1945.
وبونابرت الشاب ردد تلك الجملة عام 1793 قبل أن يصبح بعد فترة وجيزة «نابليون» وكرّس نفسه إمبراطورا. وبعد 35 سنة فقط من حركة الطلبة «الثورية» التي عمت العالم عام 1968 قامت «عولمة أخرى» مناهضة لأي فكر ثوري بقيادة جورج دبليو بوش. كذلك بعد ثورة أكتوبر البلشفية في روسيا قامت منذ 1991 روسيا أخرى، يتساءل المؤلف عن التسمية المطلوبة حيالها.
وهل هي روسيا شيوعية ديمقراطية تتبنّى اشتراكية ذات وجه إنساني أم لبرالية ـ ديمقراطية؟ ومن كان يتصوّر أو يجرؤ على تصوّر أنها سوف تجمع بين سمتين لماضي «لا يريد أن يمضي»، ويقصد المؤلف بذلك نوع من «القيصرية الجديدة» ومن «الموديل السوفييتي المجدّد».
ويسأل جان فرانسوا كاهن في سياق آخر: ألا يمكن اختزال التاريخ إلى سلسلة متكررة من الآمال الخائبة؟ فهذه هي اللبرالية كانت قد وعدت بـ «تحرير كل الإمكانيات الإنسانية الكامنة»؟ هذا ما كان قد قاله «كوندورسيه»، أب الفكر السياسي في فرنسا، وكرره «بنجامان كونستان».
ذهبت الديمقراطية أبعد عندما أكّدت على ضرورة مشاركة جميع المواطنين في «الإنجازات»، كما دعا إليه «ميشيليه» و«ادغار كينيه» و«كلمنصو». وتوّجت الجمهورية من جهتها الشعب ك«قائد» وأضافت الاشتراكية صفة «الجماعية» بدلا من التحرير «الفردي».
فماذا جرى على أرض الواقع؟
«الليبرالية قدّمت للرأسمالية الغطاء المطلوب الذي سمح لها أن تمارس دور المستغل، والجمهورية كشفت عن قدرتها في أن تتحوّل باسم الأرض أو الدم أو الفضيلة، إلى حكم شمولي ـ توتاليتاري، والديمقراطية أظهرت أنها قد تمارس جميع الشرور التي قامت أصلا من أجل محاربتها، والاشتراكية بكل بساطة فشلت». هذا ما يرى المؤلف أنه قد جرى على أرض الواقع.القاعدة السائدة في عالم اليوم هي أن «كل الوسائل في خدمة الغايات المطلوبة».
وعلى هذا الأساس يناقش المؤلف مفهوم «التقدم» الذي أصبح يعني مع «انتصار الرأسمالية» استرداد تطلعات الجميع لحسابها، وهو الأمر الذي لم تفلح الشيوعية في فعله، وبالتالي سيطرت «نخبة» من المنتفعين القريبين من مراكز القرار على الصعيد الكوني وهو عالم يفلح أن غازي سابق في تحقيقه، وربما لم يفكّر بإمكانية تحقيقه.
وأين الإنسان في هذا كله؟ إنه «لم يعد ضروريا»، «تبخّر» و«قلّت فائدته» وباختصار «لم يعد المال بحاجة إليه من أجل كسب المال».
ومثل هذه الحالة القائمة اليوم شبيهة، في التحليلات المقدّمة، بحالة العالم عام 1928 «عشية الانهيار الكبير الذي ولّد المآسي المعروفة».
فإلى أين نمضي؟ وكيف الوصول؟
الكتاب: إلى أين نمضي؟ وكيف الوصول؟
تأليف: جان فرانسوا كاهن
الناشر: فايار باريس 2008
الصفحات: 369 صفحة
القطع: المتوسط
Où va-t-on ? Comment on y va
Jean-François Kahn
Fayard - Paris 2008
P.369
