«إمبراطوريات البحر» كتاب في التاريخ عن فترة حاسمة للصراع على النفوذ في البحر الأبيض المتوسط بين الإمبراطورية العثمانية والقوى الغربية في أواسط القرن السادس عشر.

وذلك من خلال واقعتين أساسيتين هما «حصار مالطة» عام 1565 من قبل الجنود العثمانيين ومعركة لوبانتو التي انهزمت فيها الإمبراطورية العثمانية في نهاية مرحلة من الصراع على النفوذ في البحر المتوسط أو «مركز العالم» آنذاك وحيث استمرت تلك المرحلة ما بين عام 1521 وعام 1580.

يشرح المؤرخ البريطاني روجر كرولي كتابه على ما يقارب ثلث عدد صفحاته حصار الأتراك لجزيرة مالطة عام 1565. وقد استمر ذلك الحصار مدة أربعة أشهر ابتداء من تاريخ 18 مايو-ايار من تلك السنة حيث أقلّت 138 سفينة تركية حوالي 000 38 جندي إلى جزيرة مالطة للقيام بحصارها.

وكان ينبغي على هؤلاء الجنود كخطوة أولا احتلال قلعة «سانت ايلم» التي كان يحرسها 60 فارسا وعدة مئات من الجنود المشاة.

دكّ العثمانيون، كما يصف المؤلف، القلعة بخمسين مدفعا واستطاعوا احتلالها بعد عدة أسابيع من الحصار وبعد معارك ب«السلاح الأبيض» ورفعوا عليها العلم العثماني بتاريخ 23 يونيو-حزيران من تلك السنة لكن الفترة الطويلة التي أمضاها الجنود الأتراك في حصار القلعة قبل التمكّن من احتلالها سمحت لجزيرة مالطة بطلب العون من «أوروبا المسيحية». ومع وصول الدعم اضطر العثمانيون للانسحاب من الجزيرة بعد أن خلّفوا عشرات الآلاف من القتلى. هكذا فشل الحصار العثماني للجزيرة.

ويصف المؤلف أوروبا المسيحية آنذاك أنها كانت تشهد «تضاربا كبيرا في المصالح» بين دولها. فالبندقية لم تكن لها أية مشكلة «حقيقية» مع الأتراك العثمانيين إذ كانت تمارس تجارة مزدهرة مع مصر ومع تركيا. وكانت اسبانيا في ظل حكم شارل الخامس في منافسة على عدة جبهات: «أميركية-لاتينية وألمانية-بروتستانتية وفرنسية ومتوسطية.

وكانت هولندة قد بدأت حركة تمرّد مثلها الشعار الذي رفعه العديدون فيها ومفاده «الأتراك أفضل من البابا».

ويؤكد روجر كرولي على أن الفرنسيين كانوا قد تعاونوا مع الأتراك الذين استطاعوا حتى استخدام مدينة طولون على الشاطئ المتوسطي كقاعدة لهم. لكن فرنسا وجدت نفسها فيما بعد بمواجهة حروب الدين وبالتالي كان عليها الاهتمام بمشاكلها الداخلية. وانتهى الأمر كذلك بكل من اسبانيا والبندقية في بداية عقد السبعينات من القرن السادس عشر إلى التعاون بشكل وثيق مع القوات المسيحية التابعة للمرجعية البابوية في روما.

ومن الأفكار التي تتكرر لدى المؤلف باستمرار في هذا الكتاب قوله أن البحر الأبيض المتوسط هو «مساحة من الصعب القتال فيها»، وذلك يعود إلى سببين رئيسيين يحددهما بقلة عمق مياهه، بالقياس إلى البحار والمحيطات الأخرى.

وبواقع إمكانية الهبوب المفاجئ للعواصف دون إنذار سابق والتي يمكنها أن تعيق تقدم السفن بالاتجاهات التي قد تفرضها إستراتيجية المعارك. هذا بالإضافة إلى ما يسبب ذلك من إنهاك ونقص في المعنويات لدى البحّارة. كان ذلك يعني في المحصلة موارد وثروات مرصودة هائلة.

ويولي المؤلف أهمية كبيرة لمعركة «ليبانتو» التي بدأت عام 1571. وكان احتلال العثمانيين لقبرص قد أثار خشية السلطات المسيحية مما دفع دولاً حول المتوسط إلى إقامة نوع من «الرابطة المقدّسة» للقيام بـ «الدفاع المشترك» ضد التهديد العثماني الإسلامي.

وكان المحرّك الرئيسي لتلك «الرابطة» هو البابا «بيا الخامس»، لكن القوات الرئيسية كانت من «جمهورية البندقية» وفيليب الثاني ملك اسبانيا آنذاك، وذلك بالإضافة إلى مدّ سلطته كي تطال نابولي وصقلية.

اشترك في المعركة من الجانب الأوروبي سفن وجنود من اسبانيا والبندقية، وكانت القوات تعود إلى جنوة وصقلية ونابولي واسبانيا وغيرها من الدول المشاركة في «الرابطة المقدسة» ضد الإمبراطورية العثمانية. وكان عدد سفن الأسطول التركي من كل الأنواع هو 273 سفينة، أغلبيتها من السفن الخفيفة. وبنتيجة المعركة ثم إغراق معظم السفن العثمانية وجرى دفع من نجا إلى الشواطئ.

كما بلغ عدد القتلى الأتراك ما يزيد على000 20 مقابل 8000 من صفوف الأوروبيين المسيحيين. ويؤكد المؤلف على الأهمية السياسية لمعركة ليبانتو إذ أنهت عمليا القوة العثمانية البحرية وفرضت سيطرة أوروبية على شرق المتوسط. وتاريخيا بدت ليبانتو أنها آخر «حرب صليبية».

الكتاب: امبراطوريات البحر

تأليف: روجر كرولي

الناشر: راندوم هاوس لندن 2008

الصفحات: 368 صفحة

القطع: المتوسط

Empires of the sea

Roger Crowley

Random House London 2008

P.368