«لا تنسى العيش» كتاب فلسفة عن «حب الحياة» والعنوان مأخوذ من الشاعر والفيلسوف الألماني «غوته» الذي قال ذات يوم هذه الجملة «لا تنسى العيش»، ويحمل الكتاب عنواناً فرعياً يقول «غوته وتقاليد التمرينات الروحانية».

ما يؤكده المؤلف بيير هادو أن الحياة الفلسفية لا تكمن فقط في الحديث والكتابة، وإنما أيضا في العمل الجماعي والاجتماعي.

ولا شك أن المميزات الكبرى للأفكار التي يقدمها بيير هادو هذا الفيلسوف - المؤرخ، لا تعود فقط إلى سعة معرفته الموسوعية، وللدقة في طرح المعلومات التي يقدمها، ولكن أولا وأساسا إلى وضوح الأسلوب الذي يكتب به و«شاعريته». إنه «لا يتفلسف» من موقع «الاحتراف المهني» وإنما قبل كل شيء من أجل أن يعيش. وهذا ما يدافع عنه في واقع الأمر منذ فترة طويلة من الزمن.

تتوزع مواد الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية يتعلق الأول منها ب«تمرين» التركيز على اللحظة الراهنة وهو يحمل عنوان «الحاضر هو المعبود الوحيد» وهذه جملة كان غوته قد قالها ذات يوم. والقسم الثاني عنوانه: «نظرة من أعلى والسفر الكوني» والثالث مكرّس لدراسة المصير الإنساني والأمل وعنوانه: «أجنحة الأمل». أما القسم الرابع والأخير فيحمل العنوان البليغ: «نعم للحياة وللعالم».

بالنسبة ل«التركيز على اللحظة الراهنة»، هذه فكرة قديمة في «التعاليم الفلسفية» كانت قد ترددت خاصة لدى «هوراس». لكن هذا ما كان قد اعترض عليه «روسّو» في «النزهة الخامسة» عندما لاحظ أنه ومهما فعل الإنسان من أجل التمتع بمتعة اللحظة فإنه يبقى «ممزقا بين وزن الماضي والخشية من المستقبل أو مما يبعثه من آمال».ان غوته يرى أن الدواء الناجع ل«نسيان» الماضي والمستقبل يكمن في «الحب».

ذلك أن الفرح الذي يحس به المرء في وعي الحياة وبما هو عليه وبإدراكه لوجوده في العالم يأتي بفضل الحب. وكان قد جاء على لسان «فاوست»، بطل «غوته» الشهير ما مفاده: «الحاضر وحده هو سر سعادتنا».

وتبقى «النظرة من أعلى» فكرة تحتاج إلى تأمّل أكثر عمقا، وهي تتعلق بتأمّل العالم من قمة جبل، أو ربما بشكل أفضل من «الفضاء الأعلى».

وبعد أن يشير المؤلف إلى فكرة ترددت لدى بعض المؤرخين عن أن القدماء كانوا يخافون من المواقع العليا ويهربون من القمم يبين أن مثل ذلك الرأي لا يستقيم. فاليونان والرومان مارسوا «التأمل» من الأعالي مما كان يكسبهم أحيانا «نوعا من الصفاء الذهني» وأحيانا «نوعا من ازدراء البشر».

مثل هذا «الازدراء» اختفى لدى غوته الذي تزامن «العلو» لديه ب«متعة الوجود الصافي». وهذا ما يجده المؤلف لدى نص لغوته عنوانه: «الغرانيت» المنشور عام 1784.

يقول هادو: «في اللحظة التي كان غوته يرى فيها تكوينات حجر الغرانيت، إنما كان يرى بنفس الوقت العملية التطورية الطويلة التي ولّدتها». إنها «النظرة من أعلى على العالم المرئي وجماله، وفي الخيال، على تكوينه». وماذا عن «أجنحة الآمال»؟ إن المؤلف يؤكد على «تعقيد» مثل هذه المسألة، ولكن غوته وعبر «طريقته في تحويل المسائل الأكثر تجريدا إلى شعر» إنما يفتح الأبواب أمام التأمل والتفكير.

وهذا ما يفعله «بيير هادو» بالتحديد على مدى الصفحات ال33 التي يتألف منها القسم الذي يحمل عنوان «أجنحة الآمال» عبر الربط بين «القوة الحيّة» داخل الإنسان وبين مستلزمات «مصيره الإنساني».

وفي القسم الأخير المكرس ل«نعم للحياة» يقوم المؤلف بمقارنة بين مفهوم «حب الحياة» لدى «غوته» و«نيتشه» حيث يصل إلى القول: «إن هذا الحب للحياة، بما في ذلك تلك اللحظات الصعبة بل والقاسية يجد أصوله لدى الفيلسوفين عند الفلاسفة اليونانيين القدماء».

ويختتم المؤلف حصيلة تفكيره حول رؤيته الشخصية للحياة وللقرن الحادي والعشرين بالقول: «أحس أنني غير قادر على تحديد الموقف الحكيم ؟ حيال القرن الحادي والعشرين ـ (...). ولقد فكّرت دائما أن دوري لم يكن قول ما ينبغي عمله. ولكنني أفضل أن أشرح ما قاله آخرون مثل مارك اوريل وابيقور وغوته ونيتشه. وكل إنسان يختار ما يعجبه بعد ذلك، كما قال نيتشه».

الكتاب: لا تنس أن تعيش

تأليف: بيير هادو

الناشر: البان ميشيل باريس 2008

الصفحات: 288صفحة

القطع: المتوسط

N'oublie pas de vivre

N'oublie pas de vivre

Pierre Hadot

Albin Michel - Paris 2008

P.288