بادرت مجلة «كريتيكال ماس» الالكترونية الثقافية المتخصصة إلى إجراء المقابلة مع الروائي الأميركي الكبير جون أبدايك بمناسبة صدور روايته الجديدة «أرامل إيستويك» التي تعد بمثابة جزء ثان لرواية شهيرة له صدرت قبل ربع قرن، حيث ألقى الضوء على أبرز ملامح روايته الجديدة.
وأعرب عن أسفه الشديد لما وصفه بتراجع الاهتمام العالمي بالكتاب ولأن الرواية لم تعد تترك بصمتها في حياة الناس بقوة كما في السابق واستعرض جوانب من تجربته الهائلة في كتابة عروض الكتب. وفيما يلي نص المقابلة:
ما هي أبرز ملامح روايتك الجديدة «أرامل إيستويك» كما تراها بعد صدورها وانشغالك في أعمال أخرى؟
لقد شعرت دوماً بالتزام نحو ناشري بأن أقدم له رواية كلما قدمت له عملاً يأخذ قالباً آخر غير الرواية، وهذا هو ما تحقق مع تقديمي روايتي الجديدة «أرامل إيستويك».
ومن الواضح أن أبرز ملامح هذه الرواية يكمن في كونها جزءا ثانيا لرواية «ساحرات إيستويك» الصادرة قبل 25 عاماً. ويبدو لي أن هذا هو موسم الأجزاء الثانية في العديد من الميادين، بما في ذلك ميدان التأليف.
وقد ظلت الرواية الأصلية في ذهني طويلاً، وحدثت نفسي بأنه بعد ربع قرن من كتابتها، فإن بمقدوري أن أزور شخصياتها من جديد وأن أكتشف بعض الأمور الجديدة عن عالمها التي قد تثير اهتمام القراء.
هناك في كتابك «أجزاء ملتقطة» مقال بعنوان «مستقبل الرواية» هل لك في أن تحدثنا عن هذا المقال؟ وإذا كتبت مقالاً موازياً عن مستقبل كتابة عروض الكتب فما الذي ستقوله فيه؟
ألاحظ أن سلاسل متاجر متخصصة في بيع الكتب لم يعد لها وجود اليوم وكذلك الحال بالنسبة لمجلات متخصصة في الكتب مثل «ساترداي ريفيو أوف لتراتشر».وأعتقد أن الاهتمام بالكتاب ينحسر الآن على مستوى العالم، وهذا أمر محزن للغاية بالنسبة لي، وهكذا فإن الطلب على كتابة عروض الكتب ينحسر أيضاً.
وقد رأى عدد من الصحف أن من المناسب إلغاء صفحة الكتب من تبويبها. وكلمة رواية تعني باللغة الانجليزية شيئاً جديداً، وقد كانت الرواية في العادة تشكل أخباراً حقيقية مثيرة. وأثرت كتب مثل «عناقيد الغضب» و«مين ستريت» ورباعية «الأرنب» في الثقافة العامة، وحتى الناس الذي لم يقرأوا هذه الكتب أحسوا بها. ومن الصعب التفكير في كتب كثيرة تحدث هذا التأثير اليوم.
ويمكنني القول إن هناك فقدانا عاما للزخم وقوة التأثير اليوم. والبصمة القوية للكتب التي اعتدنا أن نراها هي أمر نادر اليوم.
ولا يزال مؤلفون من أمثال كريستوفر هيتشتر وجيمس وود يحدثون مثل هذا التأثير بين الحين والآخر.وأنا أتحدث هنا كرجل أوغل في العمر، أو هذا ما ينبغي على القراء أخذه في الاعتبار، ولكن هناك شعوراً بالتعب والإعياء في عروض الكتب كجنس من أجناس الكتابة.. فالكتب لا تزال تواصل التدفق، ولكن لماذا تواصل التدفق حقاً؟ ربما تكون هذه إجابة سريعة عن السؤال المطروح، ولكن الأمور تمضي في صورة دوائر.
وشعور حيال نشاط الأعمال في مجال الكتابة هو أنه يتراجع، ولكن هناك عدداً غير قابل للتقليل من الناس الذين لا يزالون يجدون فوائد ومباهج في القراءة بحيث أنهم لا يتجهون اتجاهاً آخر، وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الميدان هو بمثابة فن جدير بأن يمارس. وأنا سعيد بأنني لي حياه عشتها في الكتب.
هل يتمتع الروائي بميزة إذا اشتغل بالنقد؟ وأتصور أنك باعتبارك سارداً للقصص فإنك ستكون، نظرياً، أفضل في إعادة سرد القصص، إن لم يكن في غمار تلخيص الحبكات.
إنني أحاول جعل ذلك في الحد الأدنى. وباعتباري روائياً فإنني أحس بالضيق على نحو يكاد يكون جنونياً عندما يكشف عارض للكتب عن نهاية روايتي، وإحدى قواعدي التي التزم بها هي ألا أكتب الكثير عن الحبكة في مراجعاتي للروايات، والواقع أن الكثير من مقالات عروض الكتب تبدو أقرب إلى تقارير عن هذه الكتب.
في كتابك «أجزاء ملتقطة»، أشرت إلى أنه في عام 1960 كان الشعر المرح وعلم اللاهوت هما المجالان الوحيدان اللذان تظهر فيهما أي خريطة لكثافة المعلومات في ذهني إطلاقاً محدوداً. هل هناك تخصصات تشعر بارتياح حيالها اليوم؟
المرء يأمل، بالطبع، أن يزداد حكمة كلما أوغل في العمر، وقد كانت لدى هاتان الهوايتان القائمتان على القراءة المكثفة في سنوات شبابي. ولست اعتقد أنني أضفت إليهما، ولكنني قرأت الكثير من الكتب لكتابة عروض لها، أو من دون اعتزام الكتابة عنها.
وأعتقد أنني أحس بالارتياح حيال قراءة الروايات التي تنتمي إلى النصف الثاني من القرن العشرين، ولكننا لم نعد في ذلك القرن، وإنما لم أعد أتحمس للكتاب الذين هم دون الأربعين أو حتى دون الخمسين من العمر على نحو ما ينبغي. ورؤساء تحرير مجلة «نيويوركر» ونوابهم يتغيرون ونوعية الكتب التي يطلب مني كتابة مراجعات لها تتغير كذلك.
اعتدت أن تكتب بعض مراجعات الكتب لأعمال كتاب معاصرين لك، من أمثال فيليب روث، ولكن ما تكتبه عن أعمال كتاب مؤلفين أميركيين أصبح محدوداً في الآونة الأخيرة؟ فهل تطلب نوعية مختلفة من الكتب؟
نادراً ما كنت أطلب قديماً مراجعة كتب بعينها، فقد كنت أتلقى مجلة «ببلشرز ويكلي» وكنت أتابع بدقة صناعة الكتب، ولكنني لم أعد أحصل على هذه المجلة، وبالتالي فقد أصبحت خاضعاً لما اقترحه ولما يمكنني التعامل معه.
ولم أكن أحس بالارتياح كلية في كتابة عروض لكتب نظرائي، فأنا أحس بالذنب إلى حد ما من جراء المراجعات الفاترة لكتاب أعرفهم وأعجب بهم، ولذا فأنا سعيد لإرسال عدد محدود من أعمال الكتاب الأميركيين إليَّ لمراجعتها، فمن الأسهل كثيراً أن تكون الشخص الذي تسند إليه مراجعة رواية جديدة من شرقي أوروبا أو مسرحية طليعية.
وكنت واحداً من قلائل يبدون استعداداً لقراءة مثل هذه الكتب، وكان ذلك أمراً ممتعاً، حيث أراحني ذلك من أي منافسة، واعتقدت أن هذه الكتابات قد تعلمني شيئاً جديداً من دون أن يكون في قولي هذا أي ادعاء، فهي قد علمتني بعض الأمور الجديدة بالفعل، وأنا أحصل على بعض الكتب المترجمة إلى الانجليزية وأقرأها سعيداً.
ما رأيك في كتاب الشرق الأقصى؟ هل غيروا على الإطلاق إحساسك بالرواية؟
يسعدني أنني قرأت بعض أعمال كتاب يابانيين وآسيويين آخرين، لأنهم ينطلقون بكتاباتهم من عالم مختلف، وهذا أمر يجدد إحساسك بالإمكانية وبالتنوع الإنساني، واليابانيون يجلبون إلى عالم الرواية الحواف المصقولة والاقتضاب ذاتهما اللذين تجدهما في الفن الياباني.
منى مدكور
