أنقضت ثلاثة عقود من الزمان تقريباً منذ الأحداث التي وصفها الروائي الأميركي جون أبدايك في روايته «ساحرات إيستويك» الصادرة عام 1984. والنسوة الثلاث المطلقات، الكسندرا وجين وسوكي، اللواتي كن قد غادرن البلدة وتزوجن مجدداً، وأصبحن أرامل، يتعاملن مع الحزن والعزلة، مثلما تفعل كل الأرامل، فهن يسافرن إلى مختلف أرجاء العالم، إلى بلاد مثل كندا ومصر والصين، ويجددن المعارف القديمة.

هنا يبرز سؤال: لماذا لا تعود الكسندرا وجين وسوكي إلى إيستويك لقضاء الصيف هناك؟

إن البلدة القابعة على ساحل رود أيلاند، حيث انغمسن في أعمالهن الشريرة بتأثير داريك فان هورن الشيطاني لا تزال ساحرة بالنسبة إليهن.

حقاً أن داريل لم يعد له وجود وعشقهن في تلك الأيام الخوالي إما أنهم قد ماتوا أو أوغلوا في العمر، لكن الفتنة تظل ماثلة هناك في الشوارع المألوفة والمشاهد الطبيعية التي تميز البلدة، حيث سبق لهن الاستمتاع بريعان شبابهن المفعم بالفتنة باعتبارهن نساء متحررات ومقتدرات.

وبين أبناء البلدة لا يزال هناك من يتذكرون النسوة الثلاث ويتمنون سوء العاقبة لهن.

ولكن كيف تتعامل النسوة الثلاث مع الآثار الباقية لأعمالهن الشريرة التي لاتزال تلقى بظلالها على البلدة؟ كيف يواجهن صدمات رقية مضادة غامضة؟ كيف يتعاملن مع بصمات العمر التي لا ترحم.

كل هذه الأسئلة وغيرها كثير يتصدى لها أبدايك، وهو يتابع تحركات النسوة الثلاث اللواتي يقعن تحت طائلة الكهولة الزاحفة والوحدة والذنب والشعور بأن عملاً ما لم يكتمل ولابد لحلقاته من أن تتكامل.

تعود الساحرات الثلاث، إذن، إلى إيستويك، لا تزال الكسندرا على وفرة بدنها وتتباهى بلقبها الذي تعتز به «أم الأرض» والذي لا يدري أحد من أين جاءت به. وتظل جين على الطابع اللاذع للسانها الذي لا يعرف التوقف عن إحداث تأثير المؤذي والشرير، أما سوكي فإن خريف العمر لا يردعها عن التباهي بجاذبيتها وفتنتها وقدرتها على الغواية.

لقد استطاعت النسوة الثلاث مواصلة الحياة بعد الزواج الثاني لكل منهن، الذي أعقب هربهن من البلدة في أوائل السبعينات من القرن الماضي، وموت منافستهن جيني جابريل من جراء رقية سحرية ألقينها عليها، أو هذا هو على الأقل ما يعتقده أبناء البلدة.

في الماضي، قبل هربهن، كن نسوة قويات، متسلطات، مفعمات بالعاطفة والتمكن، أما الآن فهن قد تجاوزن أوسط العمر، وغدون خائفات ومعرضات للقضاء عليهن ويتعثرن في منافستهن لأجسادهن المتخاذلة.

يلوح موت غامض وملتبس في أفق البلدة، وكأنه قدر مقدر كان قابعاً في انتظار عودتهن.

وبينما يبقى أبدايك قديراً على نحو مدهش في محاولته وضع أيدينا على خواطر النسوة الثالث وأفكارهن، وبصفة خاصة فيما يتعلق بأجسامهن وحياتهن العاطفية، فإن الحبكة لا تكتسب المزيد من القوة مع إيغالنا في قراءة الرواية.

وبعض القراء من عشاق إبداع أبدايك قد لا يترددون في الذهاب إلى القول إن الصفحات المئة الأولى، أي الثلث الأول من الرواية، هي بمثابة سجل ترحال مضجر يغطي رحلات الأرامل الثالث إلى مصر والصين، ومع أن ملاحظات أبدايك حول الثقافة والتناغم الاجتماعي تتألق ببريقها المألوف إلا أننا بالمقابل لا نستطيع القول إننا هنا حيال أكثر رواياته بريقاً وتألقاً.

دعنا نتوقف بصفة خاصة عند المقاطع المتعلقة بعودة الأرامل الثلاث إلى البلدة، فهن لدى وصولهن يجدن أبناء البلدة وقد عصفت بهم مشاعر الغضب والحيرة والقلق والرغبة في الثأر والانتقام، ولدى لقائهن بالأصدقاء والعشاق والقدامى يجدن أنفسهن وقد وقعن في شبكة معقدة من الأحداث القدرية الغامضة والسحرية التي تقضي على رحلتهن وتغير حياتهن إلى الأبد.وشأن معظم روايات أبدايك الأخيرة، ربما باستثناء «الإرهابي»، فإن هذه الرواية تبدو أقرب إلى تأمل غير مرض للقراء في فقدان الحيوية البدنية والانزلاق إلى الموت.

وعلى الرغم من أنه لا موضع للتشكيك في اقتدار أبدايك باعتباره روائياً مبدعاً، إلا أنه ـ في نظر بعض القراء ـ لم يكن قادراً تماماً على إبداع شخصيات نسائية متكاملة تتمتع بحياة وشخصية تنتمي إليهن.مع ذلك فإن محبي أبدايك سيستمتعون بهذه الرواية لأنهم طالما تساءلوا عما حدث لهذا الثلاثي النسائي المثير للفضول.

ومع أن النسوة الثلاث يجمع الترمل بينهن، إلا أنهن قدمن من مناطق جغرافية مختلفة، وقد فصلت بينهن تحولت القدر وتقلبات المصير، ونحن في هذه الرواية نلتقي بكبراهن الكسندرا وقد تجاوزت السبعين من عمرها، وهي تواصل الحياة بالاعتماد على الميراث المتواضع الذي تركه لها زوجها الراحل.

ونلتقي أيضاً بجين التي لم تلتئم جراحها على الرغم من أنها ظفرت من زواجها بأكوام من المال، ويكتمل اللقاء مع سوكي البارعة التي حولت طاقتها العاطفية إلى سلسلة من الروايات الرومانسية التي شقت طريقها إلى قوائم أفضل الكتب مبيعاً.

الصيف الذي تطلعت إليه النسوة الثلاث في البلدة القديمة برهن على أنه مختلف أشد الاختلاف عما توقعنه، ففيه يتحقق لألكسندرا أسوأ ما يراودها من مخاوف حول التداعي البدني.

ونتوقف عند الغياب المؤثر لداريل فان هورن، الذي طالما قاد خطاهن في الماضي، والذي لعب جاك نيكلسون دوره بصورة متألقة في الفيلم المأخوذ عن الجزء الأول من الرواية.

الكتاب: أرامل إيستويك

تأليف: جون أبدايك

الناشر: نوف نيويورك 2008

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

The Widows of Eastwick

John Updike

Knopf, N. Y., 2008

P.320