عكس «برنامج التبادل الثقافي» الذي شاركت فيه أربع عشرة طالبة جامعية إماراتية والمتمثل في زيارتهن المكثفة لمعرض آرت بازل في سويسرا مدينة المتاحف، نتاج تلك الزيارة من خلال الأعمال الفنية التي قدمنها في معرض أقيم لهن في نادي دبي للسيدات واستمر يومين.
تندرج الأعمال التي قدمت في المعرض في إطار الفن الحداثي الإنشائي البصري والتقني، الذي يجمع بين التكوين وعلاقته بالفراغ إلى جانب الصوت والصورة مع أهمية الفكرة المطروحة التي تدفع المشاهد إلى التساؤل والبحث. تضمن برنامج الزيارة الذي استغرق عشرة أيام، مشاهدة معرض آرت بازل الأربعين للفن الحديث والمعاصر والذي أقيم خلال الفترة من 10 إلى 14 يونيو 2008 ويعتبر من أضخم وأهم المعارض الفنية في العالم، إلى جانب زيارات لأهم المتاحف والغاليريات وجامعات الفنون وحوارات مع الطلبة ولقاءات مع مقتني اللوحات والاطلاع على مجموعة لوحاتهم، بالإضافة إلى ورش عمل لمدة يومين قسمت بين تاريخ الفن وإدارة المعارض وتقنيات الفنون مع زميلات يدرسن الفنون في سويسرا لتبادل الخبرات الإبداعية.
طلب من الفتيات بعد أن أمضين عشرة أيام من شهر يونيو الماضي في ربوع الفن والطبيعة، تقديم مشاريع فنية من وحي زيارتهن تعكس نتاج تفاعلهن مع مخزون تلك التجربة المكثفة. وكانت حصيلة تلك الرحلة الفنية التي تحققت بمبادرة من سمو الشيخة منال بنت محمد بن راشد آل مكتوم المتمثلة في سياق تعزيز مكانة الفن وتشجيع المواهب الإماراتية الشابة وصقل تجربتهن، معرضا فنيا تثير أعماله الدهشة والتقدير.مسارات التقت بعدد من الطالبات اللواتي شاركن في الرحلة والمعرض وقدمن نتاجهن في مطلع نوفمبر الجاري. والانطباع الأول الذي يتلقاه الزائر هو الجرأة في تقديم أعمال حديثة ليست مألوفة للكثيرين، سواء من حيث المساحة أو الفكرة أو الربط بين التكوين والتقنيات الحديثة.
هند.. والسموات السبع
عن تلك التجربة تقول هند بن دميثان خريجة جامعة زايد تخصص تصميم الغرافيك، «أدركت بعد تلك الزيارة أن الإمارات لا ينقصها الفن كما أنها تواكب الفنون المعاصرة، وما أدهشني أن مجموعتنا كانت تجيب عن العديد من أسئلة تاريخ الفن الغربي التي لم يستطع طلبتهم الإجابة عنها»، وتتابع «أكثر ما أحببت في المعرض هو الجزء الخاص بالفن المنفتح بلا قواعد أو شروط، وهو الفن الذي يحفز ويدعو للدهشة والتساؤل».
ثم تضيف هند، «أحببت الفن منذ الطفولة وشاركت في العديد من الأنشطة الفنية وورشات العمل، كما ساعدتني دراستي وفق المنهج البريطاني على اختيار المواد الفنية ضمن دراستي في المرحلة الثانوية».
وعن طموحاتها المستقبلية تقول ان مشاركتها في برنامج الزيارة وبعدها في دورة أدنبره كوليج أوف آرت في بريطانيا، قد ساعداها على اتخاذ قرارها بمتابعة الدراسة والحصول على شهادة الماجستير من أستراليا في الفوتوغرافيكس. كما تطمح أيضا إلى مشاركة فناني الإمارات في معرض آرت بازل بأعداد أكبر، وتضيف، «كنت سعيدة وفخورة بمشاركة الفنانة الإماراتية مريم الغيث في هذا المعرض العالمي».
وأوضحت أنها استلهمت فكرة عملها الفني «السموات السبع» من كون جميع الناس مرئيين سواء من الله أو من آخرين وإن لم يشعروا بذلك، فالصناديق السبعة بالأحجام والمستويات المتباينة تمثل السماوات السبع ومختلف شرائح البشر.
وتقول «تتجلى الفكرة من خلال الفتحة الدائرية المنارة في زاوية كل صندوق والتي يمكن من خلالها مشاهدة مجموعة من الناس تعيش حياتها بصورة ما ونحن بالتالي مثلهم في صندوق ومرئيون أيضا».
أما عملها الثاني فهو القلب النابض على شاشة داخل حاوية تردد أصداؤها نبضات القلب وبجوارها علبة حبوب طبية في داخل كل منها وصفة للحب الذي هو علاج جميع أمراض القلب.
ندى.. اتصال وتواصل
تبين ندى عبيد طاهر الطالبة في كلية الفنون الجميلة تخصص غرافيك وإعلام، أن بداياتها الفنية كانت من خلال دراستها لتاريخ الفن، حيث شغفت بعدها بالتصميم والتصوير الفوتوغرافي، وشاركت سابقا في العديد من الورشات إلى جانب استوديو التصوير الخاص بالطالبات في كل من القرية العالمية ومدينة مدهش الترفيهية.
وتقول عن رحلة آرت بازل: «كانت تجربة مفيدة لي، إذ أدركت من خلالها مدى اهتمام العالم بالفن وتطوره إلى جانب الاحترام والتقدير الذي يحظى به الفنان عندهم. هذه الرحلة كرست عندي حافزا للمزيد من الإبداع والإنتاج».
وعن لوحتها «تواصل» تقول انها تمثل طموحها العام حول تعزيز التواصل بين شعوب العالم عبر قنوات الفن، واستوحت موضوعها من التواصل الإنساني الذي عاشته خلال رحلة آرت بازل. أما عن طموحها الشخصي فتقول «أتمنى أن أتابع مسيرتي كفنانة تبدع وتبتكر».
آلاء.. بروباغندا
تقول آلاء العبيدلي وهي طالبة في السنة الرابعة في كلية الفنون الجميلة في جامعة الشارقة تخصص صناعة الفيلم والتصوير الفوتوغرافي، «أحببت الرسم منذ الطفولة، ومع دخولي عالم الكمبيوتر تعرفت على فن التصميم وتقنياته اللامحدودة وبذا انتقل شغفي الفني من الرسم التقليدي إلى الغرافيك المعاصر».
وعن ثمار زيارتهن لبلد المتاحف قالت، «كانت فرصة ذهبية حيث أتيح لنا زيارة معارض ومشاهدة لوحات عالمية عن قرب وليس عبر كتب التاريخ، وتعرفنا على أعمال لرواد الفن الكبار من مختلف المدارس الفنية». وتضيف: «وإلى جانب كل ذلك، ما لمسناه في أوروبا من احترام وتقدير للفن. وأنا سعيدة بتعزيز هذا الاهتمام في بلدنا الإمارات».
وتحكي عن مشروعها «بروبغندا» الذي يمثل وجه امرأة منقبة قبالة جهاز فيديو بروجكتور يبث كلاما غير مفهوم يوحي للمشاهد أن هذه المرأة تتحدث عن نفسها، وذلك لكون الجهاز يبث أيضا حركة وتعابير العينين في الوجه. وتقول ان هذا البث هو البروباغندا التي تتلاعب إعلاميا بالجميع، لتوصيل رسالتها البعيدة عن الواقع الذي لا يعرفه المشاهد عن قرب.
وفيما يتعلق بالفكرة تقول، «اخترت النقاب لكونه يعبر في الغرب عن اضطهاد المرأة العربية، ولأظهر لعبة الإعلام فالنقاب مثلا جزء من حرية المرأة الشخصية ولا علاقة له بما يروج عنه».
آمنة.. والفرق بين الخيار والاختيار
أما آمنة علي عبدالله خريجة كلية الفنون الجميلة من جامعة الشارقة فتقول، «وسّعت رحلة بازل من طموحي على الصعيد الفني والمهني، وقوت رغبتي في أن أكون منتجة على الصعيدين. كما جعلتني الزيارة أدرك أن الفن متصل بل مرتبط بكافة المجالات كالعمارة والتخطيط وغير ذلك».
وفيما يتعلق بمستقبلها المهني فهي تتمنى أن تعمل في إطار تخصصها والمتاح حاليا في هيئة دبي للثقافة والفنون حيث الاهتمام بالفن كما تقول.
شاركت آمنة في المعرض من خلال عملين، داخلي ويتمثل بلوحة على طول الجدار بعنوان «هناك فارق بين الخيار والاختيار»، وخارجي يتمثل في الأنابيب المعلقة في الفضاء والمركون جزء منها على الأرض. حيث يلعب التكوين بالفراغ بنسب متفاوتة تخلق نغما فضائيا يمنح الشعور بالحيوية.
وتقول آمنة انها حاولت من خلال لوحتها أن تدمج بين ما اكتسبته من تلك الرحلة وبيئة وواقع مجتمعها، مع التركيز على فكرة تعتبرها أساسية، وهي أن هناك فارقا كبيرا بين ما هو متاح للفرد من خيارات وبين ما يختاره المرء لنفسه بصرف النظر عن الاحتمالات، والفارق أيضا بين المنقاد والقائد والحفاظ على الهوية.
وتتابع قائلة «عبرت عن الفكرة من خلال أجزاء متكسرة من اللوحات الإرشادية التي نراها في حياتنا اليومية والمتواجدة على جانبي اللوحة حيث إن الرابط بينهما يعكس الفوضى والنظام، التقويض والبناء».
حياة.. والاستهتار
أما حياة السويدي خريجة كلية الفنون الجميلة فتقول إن علاقتها بالفن بدأت حينما فازت بالمرتبة الثانية في مسابقة تصوير فوتوغرافي نظمتها شرطة دبي وكانت حينها في المرحلة الإعدادية.
وفيما يخص انطباعاتها عن بازل تقول: «تجربتي في أرت بازل تختلف عن آرت دبي، فقد لمست لدى زوار المعرض السويسري اهتماما وتقديرا كبيرا للأعمال المعروضة.
كما ساعدتني تلك الزيارة على رؤيتي للفن من منظار خارجي. أما أكثر ما أثار انتباهي هو رسومات الجدران (الغرافيتي) التي كنا نراها في كل مكان، والتي لا تعتبرها الحكومة السويسرية فنا، لكن الإصرار المستمر لصانعي هذا الفن دفعها إلى قبول الواقع والسماح لهم بالرسم على الجدران».
وعن عملها الفني «الاستهتار» تقول: «كنت أبحث عن موضوع مرتبط بحياتنا اليومية المعاصرة، ولم أجد أفضل من حوادث السير التي تحمل أكبر نسبة وفيات لا سيما في دبي.
أما تنفيذ الفكرة فكان من وحي مشاهداتي للأعمال الفنية هناك». وتتابع، «يضم عملي فيلم فيديو عن حادث سير صورته بمساعدة دورية لشرطة المرور، ويضم حطاما معدنيا للسيارات مع تكرار دائم للفيلم الذي يعرض الحادث. وتتمثل رسالة العمل في أن الحوادث المميتة نتيجة الاستهتار باتت أمرا روتينيا عابرا في حياتنا».
نورة.. والفستان
تقول نورة بقيش الطالبة في كلية الفنون الجميلة سنة رابعة أيضا، انها عايشت الفن من خلال عمها الفنان والشاعر عبدالله بقيش، ودفعها حبها لأعماله الفنية وإحساسه الشعري إلى الدراسة في معهد للفن لتعلم التقنيات، ومع افتتاح جامعة الشارقة لكلية الفنون، انضمت لهم مباشرة.
وفيما يخص تجربتها في آرت بازل تقول، «كانت تجربة مفيدة ورائعة وكنا في حاجة لها للاطلاع على الفن في الغرب وتطوره، وعلى الانفتاح الفكري لأفكار لا تنضب. ما زلت أعيش حتى الآن في تلك الأجواء وفي ذاكرتي المعارض وبيوت الفنانين والمتاحف».
أما عن عملها «فستان» فهو تكوين يرمز إلى الفستان الخليجي بتصميمه لاسيما في الجزء الأعلى، ويسمع المشاهد موسيقى زفة خليجية تنبعث من داخله. وتقول «استوحيت فكرة العمل من المدرسة الدادائية التي تعتمد على الأشياء الطبيعية، وكانوا أول من استخدم الصوت في العمل الفني».
رشا المالح


