بعد مايو1948م، حمل «الأدب» الموجه للطفل العبري، كل ملامح التحريض على استيطان اليهود، وطرد العرب الفلسطينيين.. من خلال طرح صورة خاصة ب«البطل» الصهيوني.. والنظرة إلى الشخصية العربية المحصورة في مواقف تتسم بالعنصرية والعرقية.. وبالعموم بقيت نظرة عدائية تجاه العربي، حتى بعد اتفاقيات السلام التي وقعت مع بعض الدول العربية.
فكما صيغت الأفكار العنصرية العدائية في الكتب الدراسية، تم تداولها في كتب الأدب والتثقيف للنشء الإسرائيلي، وبعض الكتب التي تتناول المعارف العامة، مثل موضوعات الآثار والتراث. وقد لوحظ أنها تتضمن إقحاما بدور ما لليهود في كل المواقع الأثرية.. سواء بمصر أو العراق أو الشام والأردن.. ومقولة «مناحيم بيجن» في زيارته للأهرام بالقاهرة، إن اليهود هم بناة «الأهرام» ليست بعيدة عن الذاكرة!يكفى الإشارة إلى سلسلة المغامرات «حسمبا» التي صدرت في عام 1950م، وحتى وفاة كاتبها عام 1994م. وقد صدرت باللغة العبرية وأصبحت أكثر شيوعا من تلك القصص العالمية الشهيرة. كما نشير إلى أكثر من سلسلة صدرت بعد معارك عام 1967م.
ويبقى الانتباه إلى دلالة تاريخ الإصدار، حيث الأولى صدرت عام 1950م، مع بداية وضع ركائز دولتهم والسعي لتنشئة جيل جديد، بمفاهيم تهمهم. أما الأخريات فقد صدرت لمخاطبة طفل العالم (حيث ترجمت بلغات أوروبية لمخاطبة الطفل الأوروبي!) وتلقينه المفاهيم نفسها، بعد معركة عسكرية انتصروا فيها 1967م. (وجهات نظر(العدد73)الطفل العبري قبل عام 1948م..تعرف الطفل اليهودي قبل عام 1948م على القصص الشائعة في العالم، مثل قصص.. الهنود الحمر، ومغامرات طرزان، وغيرها. إلا أن قصص الألماني «كارل ماي» راجت. تحكى غالبية تلك القصص سيرة حياة مغامر ألماني، يواجه الصعاب دوما، ويتحدى الأخطار، ودوما أيضا ينجو بنفسه وينقذ أصدقاءه، بل ويحقق العدالة.
نماذج قصصه: «الهندي الأحمر فينتو» و«الصياد أولد شور هاند» و«الرجل الأبيض الأسطورة».. والأخير هو الخارق للمعتاد والمتفوق دائما. واتسم أسلوب «ماي» العدائي، حتى اعتبره البعض غير مناسب للنشء، وقد كان رائجا أيام ألمانيا النازية فقط.من كلماته: «لا تتكلم مع هذا الكلب».. «هو أيضا سيموت لا محالة وربما مع كل ذلك لن يموت صاحب الوجه الشاحب المسن، هذا هو مجرد قط بائس».. «ينبغي عدم إماتته عمليا وإنما طرده بلسعات السوط، هذا الجبان» (البيان - الكويت - عدد137).. كانت سلسلة قصص «ماي» المترجمة هي الأولى في تلك الفترة.
أما السلسلة الأخرى، فهي «مغامرات طرازان» التي ترجم منها 14 كتابا إلى العبرية.. وهى في مجملها تدعو إلى العنف وهيمنة العنصر الأبيض على الأسود، وتمجيد القوة، مع استخدام أبشع صور القتل والوسائل من أجل تحقيق الأهداف الذاتية والأنانية.
وقد ألهبت السلسلتان خيال الطفل العبري في حينه، وفيها القدر نفسه من الغلو في العنف واعتبار الرجل الأبيض هو السيد دائما.. نظرا لتوافق توجهها مع توجه نشأة الطفل العبري الجديد.
الطفل العبري بعد عام1948 م
إلا أن الطفل العبري انتقل إلى سلسلة «حسمبا» العبرية اعتبارا من تاريخ صدورها في 1951م، للقاص «أفنير كرميلى» (وله أسماء مستعارة أخرى)، الذي علم أن أطفال «الكيبوتسات» (المستعمرات أو المستوطنات« يعجبون بشخصية «طرزان» فقرر الكتابة القصصية على نموذج طرزان.)
خلقت السلسلة موجة جديدة في أدب الطفل العبري، وفرحت بها وسائل الإعلام، وأعلنوا: «لقد ظهر عندنا أخيرا أبطال شبان عبريون» (صحيفة «هآرتس» في 10-4-1970). يخوض أبطال «حسمبا» (غالبا بالسلاح) المعارك، ويتغلبون على مجهول يرتدى قناعا أسود، وسائر الأعداء، مثلما يتخلصون من الأسر من قبضة الجيش العربي.
*في قصة «حسمبا والجواسيس في سلاح الجو» ص144: «...في أثناء ذلك كان «مسعود قسيس» و«يارون زهافى» متعانقين ومتلاصقين يوجه كل منهما إلى الآخر ضربات موجعة ودقيقة، غير أن «عوزي» هب لمساعدة «يارون»، وسدد صوب الجاسوس لكمات جانبية جعلته يركع ويسقط أرضا» (هكذا تبدو صورة العلاقة بين الصبية العبريين والعرب)..
(في صياغة إدراك الأطفال والفتيان اليهود، بواسطة الأدب العنصري/أنطوان شلحت) يكفى الإشارة إلى أن «حسمبا» التي يرددها الطفل في القصة، وهي اسم عنوان السلسلة أيضا، هي كلمة «نداء المعارك والحرب»، كثيرا ما يصيح الأطفال: «حسمبا».. «حسمبا»! في قصة «حسمبا في أسر الجيش العربي» تصيح الأطفال بالصرخة في ذروة الصراع مع العربي، يقول:
«هذه هي لحظاتنا الأخيرة، لن نستسلم للأسر. الموت أفضل من أن يصبح عبدًا. هل صدقت؟» ص,126. وتتردد الصرخة «حسمبا».
* تدور أحداث قصص السلسلة حول ثمانية أولاد في مجموعة تسمى «حسمبا»- وهم القائد «يارون زهافي» و«تمار نائبته» و«ايهود السمين» و«عوزي» أمين المستودع و«موشيه يرحمئيل» «البروفيسور» و«منشيه» اليمني وغيرهم.
مرة يحاربون الشرطة البريطانية ويخلصون مخبأ الأسلحة التابع لـ «الهاغاناة» وهى مجموعة تقاتل من أجل إنشاء دولة إسرائيل.. وفى قصة أخرى ينقذون في عملية جسورة قائد الحركة السرية من المعتقل.. وفى ثالثة، يوفرون الحماية لسفينة مغامرين أو محاربين منهم. وكثيرا ما تكرمهم قيادات اليهود ويحوزون على أوسمة. وقد صدرت قصص: «حسمبا في غزوة قناة السويس» (1970) و»حسمبا في مواجهة الخاطفين أو فرسان الليل يضربون ثانية« (1977)..
* وقد فتحت «حسمبا» الباب للعديد من السلاسل العبرية، مثل: «مغامرات أولاد البلدة القديمة-1952-1958م» للقاص «حاييم الياف». وسلسلة: «حبو عوز» للقاص «حاييم غيبورى»، وسلسلة «جماعة تشوبتشييك» للقاص «أرنونا غدوت».. وغيرها.
يجمع بينها جميعا، أن هناك شخصية اليهودي الايجابي، صفات البطولة والتفوق إلى الحد الأسطوري، في مقابل الشخصيات السلبية التي غالبا ما تكون عربية «الأشرار والمتعطشين للدماء». هذه السلاسل وغيرها، تربى الصغار على الاستهتار بالعرب مع الإساءة المباشرة وغير المباشرة، مما يخلق جيلا/أجيالا كارهه للعرب إلى حد الحقد والحنق بلا سبب واضح.
السيد نجم


