قبل خمسة آلاف سنة؛ يوم كان التاريخ هائماً في المجهول ويوم كانت الجغرافية متبددة في الأرض الفسيحة، قالت عشتار في لحظة من لحظات تجلياتها الكبرى : «البيتُ مركز الوطن» وقتها كانت الأوطان تجمعات صغيرة تفرقها وتجمعها الطبيعة. تزحف بين الرمال والغابات والبحار والأنهار.
لا تستقر في جغرافيا ولا تمسكها حدود ولا تتأطر بمقومات الوطن التي نعرفها الآن؛ وإن كانت بعض الشعوب العريقة سبقت عصورها بأزمان وتجلّت في التاريخ أوطانَ تاريخٍ كبيرة، لكن غيرها ظلت أوطاناً هائمة في البراري والصحارى والغابات. تفترق وتلتقي ثم تفترق طلباً لحياة أقل وطأة وأكثر مرونة؛ غير أن الزمن العشتاري كان متقدماً على نفسه، فالمفهوم للوطن انطلق من فكرة البيت بوصفه «الوطن» الصغير ومنه يتسامى وينمو ويكبر ليصبح الوطن الاجتماعي الذي نفهمه الآن بمجموع بيوته ومساحاته وحدوده ومقوماته المركزية الحديثة.
في العصر الحديث ورث فيلسوف ظاهراتي هذه الحكمة لكنه أطّرها بجمالية فنية وقال : « البيت. قطعة المرج، يا ضوء المساء، فجأة تكتسب وجها يكاد يكون إنسانياً.أنت قريب منا للغاية. تعانقنا ونعانقك» هذا هو الظاهراتي الفرنسي غاستون باشلار صانع الجمال في الذكريات والأشياء الممحوة والمتلاشية في أعماق السنوات؛ يرى البيت قطعة مرج وإن كان بيتاً من صفيح أو قماش؛ أنه يجلو بجمالياته الفريدة ذَهَب المكان المندثر وقيمته ورصانته الاجتماعية والروحية ليجعل من جماليات المكان فلسفة علمية تذهب للأشياء غير المنظورة فتستكشف فيها جماليات الأثر الخالد.
جماليات البيت من فكرة البيت الصغير انطلق مفهوم الوطن الكبير، ومن عشتار القديمة إلى عصر التكنولوجيا فائقة التطور لايزال البيت وحدة سكنية صغيرة يعدّها الإنسان وطنه لينطلق بتحديد هويته من مجموع بيوت مواطنيه الذين تشدهم وحدة المكان والزمان والتاريخ. ومن ثم الجغرافيا، فمن لا بيتَ له لا وطن له، هكذا تفهم الناس علاقتها بالأوطان وتحدد انتماءها إليه وتستمر في الحياة من أجل فكرة البيت ـ الوطن.. فما هو البيت في جماليات المكان الذي كتب عنه فيلسوف المكان باشلار؟لا تبدو فكرة البيت الصغيرة في أذهاننا من أنها فكرة عابرة في تحولاتنا الحياتية الطويلة، فثمة مَن لا يعي جماليات البيت بوصفه الحاضنة العملاقة لنا، وثمة مَن ينسى أن البيت شكلٌ من أشكال الصيرورة الأبدية لمكوناتنا المختلفة، لكن هناك مَن يرى البيت وطناً متكامل الأبعاد والزوايا بتاريخه النفسي والحضاري والإجتماعي والإنساني ويرى فيه أن الأوطان ما تشكلت لولا البيوت الأولى التي أنشأها الإنسان تعبيراً عن حمايته البدائية من الطبيعة وتعقيداتها ومفاجآتها أولاً ومن الآخرين ثانياً .
حيث لا توجد قوانين وضعية تحد من ذلك، وبتقارب البيوت إلى بعضها وتآخي الإنسان ضد من يعيق تواصله في الحياة تشكلت الفكرة العشتارية قبل خمسة آلاف سنة من أن البيت هو مركز الوطن حقاً.ولتكون فكرة «البيت» هي أكبر فكرة نحملها فينا ومعنا.
وهي فكرة ليست عابرة في نشوئنا البشري، بل هي جذر أول ينبت في تضاعيفنا الإنسانية؛ فنحن لم نولد في العراءات ولا الدروب المتروكة ولا في البراري الموحشة وحتى الإنسان البدائي القديم كان يتستر خلف أكمات الأشجار وحزمات القصب ليمارس فعل الحياة بالأشكال كلها. فالإنسان وُلد في بيته؛ أياً كان شكل البيت؛ وتفتحت عيونه على أي شكل هندسي يحفظ له بقاءه وديمومته ليصون بالتالي أسراره وينتمي إليها.
بيتنا.. لغتنا الأولى
البيت هو الرحم الدافئ.. الطفولة المتدرجة وهي تتكون. السر الأول.. واللغة الأولى.. بيتنا : نحن.. حينما نجوب الأوقات والأمكنة متماهين معه أنّى حللنا وارتحلنا وسنعود إليه في نهاية المطاف لا كفكرة موقوتة مع الزمن إنما كانتماء موقوت في الأعصاب والأوردة ونبض القلوب وبالتالي في الذاكرة الجمعية.
وكما يغادر الريفي بيته الوديع لصيدٍ بعيد أو بحثاً عن واحة خضراء في مفازات الطبيعة الرحبة فإنه لا يتخلى عن ذلك الكائن المتنقل الذي يطويه تحت عباءته ويسير به أينما اعتاد أو لم يعتدْ التنقل، تماماً كما يحمل الحلزون بيته ويمضي. تماماً كما تحمل السلحفاة درعها وتهيم بين الشواطئ..
بيتُ متنقل بتاريخ نفسي وإرث أخلاقي لابد من أن تُحفظ له هيبته ويتعاظم ثراؤهُ المعنوي وتتفاقم قدسيته الاجتماعية والنفسية. والريفي بفطرته يدرك أنه يتنقل بمكوناته المختلفة من طفولة وصبا وعشقٍ وأسرار وتاريخ وعلاقات اجتماعية مقدسة.
الخيمةُ بيتٌ. العش بيتٌ. نسيج العنكبوت بيت. العرين بيت. الثقب بيت. الظل بيتٌ أيضاً لكائنات تدب بصمت هاربة من هجير الشمس. البحر بيتٌ. كل قوس هو بيت وكل مثلث هو بيت وكل غطاء هو بيت!
بيتنا «صريفة» من قصب اتخذها إنسان الأهوار السومري ملاذاً آمناً كما اتخذ الأفريقي البدائي من أغصان الغابة بيتاً له؛ وعريشة من كروم يرسمها القروي بمهارة مهندس عتيد في قرانا العربية الحافلة بالطبيعة، ومغزل ينسج بيت الشَّعْر كما ينسج الريفي قصيدته ويمضي.
وألواح خشبية تعاضدت فتطامنت إلى أرواح ساكنيها. أشجار وشجيرات تكاتفت فصنعت مظلة خضراء لبشرٍ عراة توصلوا إلى أن بيت الشجر هو وطن الغابة وان الغابة هي أمة كبيرة تطوي بين مساربها أوطاناً ولغاتٍ وعلاقات.
ومجموع الغابات هي أمم ثابتة وجغرافية سعيدة لحياة تنمو وتتحول وتضطرد، وبشر يتناسلون لكبح الغرائز وإيقاد شموع الميلاد لبشر آخرين يَقدِمون مع التواريخ ليؤسسوا خلايا أوطان جديدة في بيوت صغيرة لتستمر دورة الحياة مثلما كانت ولاتزال وستبقى مع فارق نمو الوعي واحتدام الحياة بكل ما هو جدي وجديد.
بيت العصفورة
الرومانسيون يشبّهون البيت على أنه نخلة أو شجرة أو وردة أو امرأة أو طفل، والواقعيون ينهلون من هؤلاء جذوة العشق الخيالي ليؤسسوا تمارين البقاء في هذه الأوطان ويتعلموا منها الحكمة الأزلية.
فالخيمة سترُ الريفي من كل شيء وبيت الطابوق خيمة المديني وبيت الصفيح هو الآخر ملاذ الفقير وعش العصفورة بيت متكامل البنيان، غير أنه بلا سقف فالسقوف من اختصاص الكائنات العقلية، أما العصافير فهي اقل من ذلك ولا تعنيها السقوف لأنها تنتمي إلى الفضاءات العميقة لا إلى السجون الإرادية!
كل الطيور تنتمي إلى الحرية وكل أعشاشها مفتوحة السقوف فهي مهيأة في كل لحظة لأن تغادر بيوتها لمجرد شعورها بالغدر والخطر وانتهاك سريتها، لذا فالبيت يوصف بأنه مكان الأمان والسرية، كالأوطان التي لا يشعر فيها مواطنوها إلا بالأمن والسلام.
يكتب احدهم :« بيتنا سر عظيم باحت به جداتنا منذ عقود طويلة من الزمن لكننا وقتها لم نكن قد تعلمنا بعد حفظ الأسرار فهجرنا الوصايا وتركنا الحكمة وعبرنا ضفافاً أكلها الطين ولكننا عدنا، وإن بعد وقت، لنصون كل شيء في بيتنا ونحمي لغة جداتنا ونصبو إلى بيوت ليس فيها إلا ما هو أثير وجميل وخالد.. بيتنا فكرتنا الأخيرة وشكلنا الثابت واسمنا الذي لا يتغير...» .
وهذا التنامي في توصيف الانتماء للبيت هو شكل أولي من أشكال التعبير عن الذات ـ الأنا ـ المفردة ولكن بصيغة الجمع الذي يضم تلك الضمائر المفردة؛ كتوصيف جماليات الغابة عبر شجرة واحدة تمتلك قوة الإبهار. يتشابه أيضاً بتوصيف أسراب من اليمام والحمام من خلال يمامة زرقاء احتفظت بلون السماء بين أجنحتها وسرقت من لون الخلجان ماء لعينيها الصغيرتين.
بيت الذاكرة
لا تنفصل الذاكرة عن البيت الأول بيت الطفولة التدريجي الذي أدخلنا إلى الحياة فالبيت والذاكرة يؤسسان فينا وجودنا المستمر في أقبية وفضاءات الحياة ويتصلان ببعضهما اتصالاً سحرياً مدهشاً؛ لذا فليست هناك بيوت بلا ذاكرات أو ذاكرات عائمة لا ترتبط بنسغ وأوردة البيوت القديمة الأولى، فهل هناك خطوات بلا أقدام!
أو محيطات بلا مياه! أو أشجار بلا أغصان وأوراق! تأملوا المشهد بهذا الرباط السحري في جماليات التكون والنماء والخلود أيضاً، ف«بيتنا» المتكون من ذاكرة وكيان من بصرٍ وعين من « نحن» وتاريخ غائر في الأبدية موصوف في دواخل البشر بأوصاف شتى منذ هواء الطفولة الأخضر وحتى الاختلاج الأخير لهواء الشيخوخة المفعم برائحة التبغ وأدوية الإنقاذ اللامجدية!
فتنبثق البيوت من أولى الأفكار الطفولية والمدرسية لتشكّل وعينا البدائي في اكتناز هذا الإبهار المؤسس والتشبث بتفصيلاته المختلفة في النمو المضطرد لتأسيس الأوطان والأمم والاستمرار في الحياة مهما كانت نوازعها واتجاهاتها، فما كان الإنسان في يوم من الايام عارياً إلا وستره ظل البيت حتى لو كان البيت جداراً يحنو على ساكنيه.
تنمو البيوت حينما تنمو الحيوات فيها ومن حولها وتنسج منها تواريخَ خالدة في الديمومة والبقاء، وهذه التواريخ تؤسس المجتمعات التي يكون قوامها الأول «البيت» وما أنتجه من أفكار وخلاصات اجتماعية .
ومن ثم الخلاصات البشرية الكبرى في المعرفة والعلوم والأديان، فتكبر البيوت بساكنيها ويكبر الساكنون ببيوتهم في علاقة جدلية حميمة يفترعها البقاء الطويل لإنشاء الحياة المترامية الأطراف في صيرورة التواصل الجماعي والتفاعل الإنساني الذي يوطّد علاقة المرء ببيته وبالتالي يتأسس المجتمع على مجمل البيوت من حيث قدرتها على الإنماء الروحي والنفسي لأصحابها وقاطنيها وهم يتماهون مع الحياة بشكل مستمر.
بيت الفقير
مَن يعرف بيت الفقير سيعرف بيتاً من البيوت التي خُصّت بالحكمةِ والفرادةِ والجمال؛ ومَن يعرف هذا البيت جيداً يعرف لغة نادرة وأبجديةَ حياةٍ أخرى وجوهراً غنياً.. يواجه الحياة بأضلاع صلبة ويقاتل الفصول ليحمي تنورَهُ النظيف وخبزةَ الصباح الشهية ويصون لغته المهذبة من عذابه الجميل، ليبدأ إشراقاته الأولى من تعويذةٍ خاطتها أمٌّ ماتت بعد صلاة الفجر غير آسفةٍ على حياة مرقت من بين أصابعها.
وهذا بيتٌ من بيوت الحكمة السرمدية، بيت الصبر الطويل واليقظة الطويلة والحزن الطويل، هو بيت البيوت، لا ينفتح إلا على وعي استثنائي وُلد بالتجربة المُرّة والخبرة المتراكمة من عسر الدنيا، لأنه بيت وُلد بالوراثة، وما نحسبه إلا كذلك، وإلا لماذا لا يلدُ الفقراءُ إلا الفقراء!
ولماذا لا تلد هذه البيوت إلا بيوتاً مثلها! أقسى يقظة تمر في ذاكرة الناس هي هذا البيت، ولكنها يقظة حالمة بالخلود الغامض القادم، لأن بيت الفقير هكذا: بيتٌ من غسقٍ بارد يلعب الصبيان في باحته بين البط والدجاج والسلال المعلقة والحصران الندية وكوز الماء الخابط / هذا البيت رجل كافح دهراً حتى لا تسقط دمعته أمام أطفاله وذكرياته الشحيحة / إنه بيت العشرة ألف ليلة وليلة، يمر في رؤوس ساكنيه المترفون بحللهم والمدللات والجواري والعبيد والقيان والحمالون والسندباد البحري والزير سالم والعشاق والصعاليك والشطار والعيارون.
إنه كتاب مفتوح في الحب العذري، وساكنوه عشاق من طراز نادر / بيتُ من قمحٍ مذهّب وسهام من غبار / هو مخطوطة قديمة وتمرٌ يابس ودبس معتق وسجادة موروثة / تريثوا وكلوا من بَصَلِهِ وخبزهِ الحار ولبنه الرائب واشربوا من كوثر أنهاره الدفاقة. هو دائماً سر من أسرار الخلود المتوارث في أعطافه، مفتوح اليد للكرم، مفتوح القلب للحب. من دخله فهو آمن . ومن أكل من خبزه فلن يجوع أبداً.. بيت الفقير: نص سابق على ذاته..
بيوت وبيوت
بيت الغني كريستال غامق / وبيت الفقير الامل الموعود / بيت الحكيم مكتبة عامرة / أما بيت الشاعر فخيال جامح / بيت الفارس خيمة تصمد أمام اصطكاك السيوف / ولا يبقى من بيت الملك سوى التاج المتوارث/ بيت التاجر أرز وبيت الحلاق مقص صديء / بيوتٌ من صفيح واخرى من قماش وغيرها من شَعَر / بيوتٌ من طابوق واسمنت / تصغر البيوت / وكلما كان البيت متيناً كانت العاصفة أجمل.
وارد بدر السالم



