المطَّلعون على أمر السيرك، يعرفون علام انبنى، ومم يتضمن، وإلى أين يمضي. إنه من حيث المبدأ، وكما هو مرئي، يمثل : المجتمع البرّي السعيد. أليس هذا تعريفاً خارج مألوفه الفعلي؟

في السيرك، ومن خلال فسحة محددة، وسط أعين النظَّارة، يكون الدخول في عالم مغاير، لما يجري خارجاً. إن المقصد الرئيس، وكون السيرك استعراضاً، لقوى، لسلوكيات تكون مرئية، ربما يستحيل تتبعها، ومكاشفتها خارج المكان المشغول والمغلق، المقصد هو الدفع بالمتفرج إلى اقتناع نفسي، هو أن ما يراه حقيقة، وليس اندماجه بالحركة التي تجمع بين الأرضية المجهَّزة.

وما يعلوها من وسائل وأدوات (حبال، عصي، حلقات معدنية، موسيقى مرافقة لها دلالتها الإرشادية..الخ)، وما يرافق فعل الاندماج الملحوظ من انجذاب واندهاش وحتى ذهول متفاوت بيت متفرج وآخر، ليس إلا نوعاً من السحر الذي يؤكد على أن حقيقة الأشياء المعتادة.

هي أكبر مما هو في متناول الناس، أن ما يتم النظر إليه، وبالعين المجردة، قابل للتحقق ، إنما بتوفر مناخ نفسي، وجسدي معلوم، كون السّيركيّ، يخضع لسلسلة من التدريبات الصارمة ليكون محلّقاً، بخفة تستحق الإعجاب والتصفيق، ولكن ذلك، لا يمكن توفره لأي كان بسهولة، إذ ليس في مستطاع أي كان أن يصبح في هيئة سيركية، لاختلاف الأسباب والشروط والدوافع والغايات.

المتفرج، وعبر مسافة محسوبة، لا يجوز له تخطّيها، مساحة ملغومة، قد تودي به، لأن الدخول في الحيّز المذكور، يتطلب استعداداً عضوياً ونفسياً مسبقاً، إنه يستشرف المجتمع البرّي السعيد، إذ يوجد أشخاص (رجال ونساء، يكون فتيين، أو في أعمار تمكّنهم من الحركة والتصرف بمرونة كافية)، وحيوانات، وبيئة معدة، خطّط لها، وفق برامج تتم مراعاتها بدقة، وإلا لكان هناك ما لا يسر، كلٌّ مأخوذ بوظيفة متدرَّب عليها.

وهو يُري مهارته للآخرين الذين دفعوا مبالغ معينة، ليتعرفوا على حقيقة المهارات القائمة، ولكنها المهارات التي تظل على حالها، والتشويق لا يكون إلا لمرة واحدة، لأن اللعبة عبارة عن أصل، من خلال المشاهدة الأولى، وتكرارات هي نسخ مصوَّرة عن الأصل ذاك، وربما تحصل عثرات، إنما الهدف هو الحفاظ على الأصل، ليكون سرد الحركات المطلوبة محقِقاً للرغبة: إمتاع المشاهدين، للمزيد من الجذب!

ويعني ذلك أن مفهوم المهارة السيركية، لا ينظَر فيه، من ناحية التعميم، إنما التخصيص، فالمشاهِد الذي يحضر مرة أخرى، لن يكون فضول الرؤية كما كان بداية، ويعني هذا أن حقيقة السيرك، تقوم على نوع من استغفال المشاهد، على الدفع به للمصادقة بأن ثمة حقيقة تكون خارج متناول حياته اليومية، وعليه الاقتناع بها، فما تراه العين، لا يمكن تكذيبه، ولكن ذلك لا يعدو أن يكون معايشة للوهم إن حصل اقتناع فعلي من هذا القبيل.

حيث يستحيل العيش بالطريقة المتبعة في المجتمع السيركي المعلوم، باعتباره، رغم وحدته المسوَّرة، مفتتاً من الداخل، لأن ثمة زمناً يحدد البداية والنهاية، وكل مقيم سيركي، يرتبط واقعاً بدوره المحدّد له وحده، وكأن الآخرين لا يعنونه، ولو أن الظاهري يقول العكس.

ولكن ما يستحق النظر والقول، هو أن السيرك يعلِمنا بحقيقة تقرّبنا من أنفسنا كثيراً، مهما وجدت ملاحظات أو تحفظات تنصبُّ عليه، وهو وجود المختلف، بإظهار قدرات معينة، كامنة في الفرد، تخرجه مما هو فيه بروتينه، وتكوين علاقات توسع حدود عالمه الاجتماعي والطبيعي والنفسي، وفي الوقت ذاته، تضعه في مواجهة مكشوفة مع ذاته، هي أن السيركية حقيقة قائمة، ولو بنسب محدودة، نعيشها فيما بيننا، وبحسب ثقافاتنا.

إن متابعة يسيرة لسلوكيات أشخاص مختلفين، وفي أمكنة مختلفة في المجتمع، تعلمنا بمدى ضلوع هؤلاء في المشهد السيركي، حيث يتم اللعب بالحقيقة، وهي جزء من الأداء الاجتماعي المألوف أو المتحصَّل، وما في ذلك من مخاتلة، تكون في اللغة وكيفية استعمالها، وفي الحركات، ولو أمكن التدقيق جيداً، فيما نشهده يومياً من حولنا، كما يُدقَّق فيما يجري سيركياً، لسهل علينا معرفة أن السيركية لا تفارقنا، وكأنها حقيقةً، نصادق عليها، لحاجتنا الضمنية إليها!

إبراهيم محمود