«ها هي فرصتك لربح تشكيلة من الجوائز المثيرة يومياً ومنها جوائز تصل قيمتها إلى 50000 درهم يومياً، ورحلات ضمن مدينة دبي، ورحلات سفاري في الصحراء، وإقامة مجانية في فنادق من فئة 5 نجوم، بالإضافة إلى بطاقات مجانية لمواقف السيارات، وأجهزة كمبيوتر محمول، ووسائل تسلية، وغيرها الكثير..
(في الواقع، حكومة دبي الإلكترونية تود أن تكافئك على ثقتك بنظام الدفع الإلكتروني وإخلاصك في استعماله لإنجاز معاملاتك الحكومية). غير أن أفضل ما في هذا العرض يكمن في عدم اضطرارك لشراء أي قسائم أو تحمل عناء تعبئتها فنحن حكومة إلكترونية في نهاية المطاف وعلينا السعي لجعل عروضنا في متناول الجميع كما هي الحال مع خدماتنا الإلكترونية». ما تقدم كان فقرة إعلانية وإرشادية ودعاية تقرأها على الصفحة الأولى من موقع بوابة دبي الالكترونية.. هذه البوابة التي ما أن تلج إليها إلا وتكتشف انك مدعو لتجرب العيش في مدينة من نوع مختلف، أو لتجرب التسوق، أو لتجرب الاستثمار أيضا وبأسلوب مختلف..
فقرات إعلانية هي ما توحي به القطعة الكلامية أعلاه.. لكن بين ثناياها يمكن اصطياد ذلك الشعور بالترحيب.. هناك احد يرحب بك وبطريقته الخاصة، وعلى الدوام من خلال خطوط الشبكة العنكبوتية تكتشف معه أن هناك من يمكنه التعامل معك بدفء وعاطفة وشعر.. في أحاديث اقتصادية كثيرة تناولت دبي، تحدث سحره الاقتصاد عن سر الخلطة التي تعتمدها هذه المدينة المدهشة في وسط الصحراء وقبالة بحر الخليج والهاربة بقوة إلى المستقبل.. السر الذي يؤدي دائما إلى النجاح، السر الذي يشعرك وأنت سائح بأنك في مدينة تحتضنك داخل قلبها..
التعددية الثقافية هي الاصطياد السهل لقراءة واقع مدينة تفور بالعمل والسياحة والبناء والتجارة وبالناس من كل لون وجنس.. في متر مربع واحد تستطيع ان تلتقي بحضارات وثقافات، لان الطابور الذي ستقف فيه أمام كاونتر الدفع في احد المحال التجارية سيجعلك قريبا من جنسيات متعددة تتكلم لهاجاتها الخاصة وتعبر بسلوكيات هوياتها، لكنها تشترك في الحال والواقع الحاضر.. مدينة تتعايش في مكان واحد، 180 جنسية وأكثر.. عولمة واضحة المعالم ومتجسدة أمام الناظر. القاص إبراهيم مبارك وحينما كانت مكونات المدينة سعف ورمل كثبان وشاطئ ابيض هادئ، مكان بكر إلا من أهله.. تنفس هواءها وخبرها في مراحل عمره ومراحل سيرته القصصية، كتب إبراهيم مبارك مجموعات من القصص، ادب أسس رؤاه من بيئته، ودبي هي حياة قلمه وروحه..
في مجموعته القصصية «ضجر طائر الليل» التي أطلقها في العام 2005، يتناول إبراهيم شخصية رجل بدوي لا يفارق صقره، يضع السرد القصصي هذا البطل في مفارقة ثقافية حادة، الانفتاح والصقر الذي ينشد الحرية، يطير الصقر نتيجة الضجيج، ضجيج التحديث مفزوعا، لكن صاحبه يستعيده، لا يستطيع قلمه التحليق خارج فضاء هذه المدينة حتى في متناقضاتها.. مدينة يشاهد نموها ونمو الحركة وضجيج البناء فيها، فيرصد التبدلات والتغيرات من خلال تقلبات البصيرة لدى شخوصه، وأمكنته وسياقات حكاياه جميعها..
يعترف إبراهيم مبارك في محادثة هاتفية سريعة قائلا: اقرأ دبي كقراءة الحب والعشق والجمال، هي كذلك منذ نشأتها، لها بريق لهذا اشتهرت باسم اللؤلؤة، جذبت الأنظار، سحر دبي ليس فقط في مبانيها الحاضرة وأبراجها الحديثة، وأنشطتها وحركتها، بل سحرها في الفلسفة التي تقوم عليها هذه المدينة في وسط الصحراء.. دبي من القدم ميناء مفتوح، ميناء يحب الناس ويفرح لاستقبالهم، فيها مساحة للحرية المطلقة مع شرط احترام ثوابت المكان وأصول ثقافته.. والحضارة هي الحرية..
هنا ينتهي اعتراف القاص مبارك، مع إشارات منه أن اذكر في ذيل هذا الاعتراف، اعتراف آخر له علاقة بالخوف.. يقول: أحب دبي وافرح كونها عالمية، وجميلة هي أن تكون عالمية لأنها أهل لذلك.. لكني أخاف على طفلي المدلل هذا.. أخاف على لغته من الفقد والضياع، أخاف على روحه الأصيلة.. انه خوف المحب.
ليس القول إن دبي مهر جامح يعدو في بحر من الحلم والأمنيات شطح في الخيال، وليس الحلم هنا والأمنيات هي تلك النقاط والحدود البعيدة في ذلك الخيال، ليس هناك مؤجل في دبي، إنها مدينة تدفع إلى التوتر المستمر لأنها لا تستكين ولا تهدأ ولا تفعل كما يفعل المحارب في استراحته.. إنها ورشة كبيرة تعج بالعمل والأعمال والبناء الدائم.
وهي كذلك ليست أيضا مدينة مؤجلة تنتظر اكتمال آخر اللمسات في لوحتها، وإنما مدينة تغوص في مستقبلها في اللحظة التي تمارس فيها رد الفعل العكسي بالغوص باتجاه الماضي حفاظا على الذاكرة وعلى جذورها الأولى..
من بيت عتيق معتق بالطين والزخارف التقليدية ومن رائحة السنين الغائرة في التاريخ إلى أعلى ناطحات السحاب والأبراج التي تستفيد من آخر نقطة في تطور الحداثة الهندسية في البناء. دبي هي هذه المسافة الدافعة إلى التوتر حينما تتيح لك دهاليزها فرصة العبور إلى الماضي وفي الوقت نفسه تخبئ لك عند زاوية الحارة أو الشارع العام تحفة معمارية حديثة..
التشكيلي عبدالرحيم سالم، له روائع من لوحاته متناثرة في دبي، في البيوت، في الغاليرهات، وفي أمكنه كثيرة منها، لوحات عديدة رسمها عبدالرحيم بتأثير من دبي، أو حياة دبي، أو ماضيها وأيضا مستقبلها.. يعترف بأن دبي لا تنفصل عنه..
التعدد الثقافي المقيم والزائر في دبي وفر فرصة كبيرة لتعبر لوحات هذا الرسام الإماراتي، ابن الشاطئ وابن الصحراء وابن المدينة المنبسطة على طرفي «الخور».. كثيرا ما توقف عبدالرحيم سالم في معارضه أمام زائر أوروبي أو آسيوي تحاور معه حول اللون والفكرة.. لقاء حضارات، هكذا على بساطة الموقف.
عند سؤاله عن دبي وما تعنيه له، ابتعد عن فلسفة الإجابة بالبوح عن أسرار طفولته.. يقول: أجمل ما سلب فضولي هو «العبارات» القديمة التي كانت تعبر ضفتي الخور.. تخيل أنني اذهب إلى هناك وأنا طفل لأعبر الخور بين ضفتيه عدة مرات.. اركب العبرة من ضفة ديرة إلى ضفة بر دبي وأعود في عبرة أخرى، ثم اكرر المسألة.. حالة من النشوة كانت تسيطر علي، ديرة حس وبر دبي حس آخر.
. هذا ما كنت استطعمه في تلك الرحلات المكوكية التأملية. اختلف إيقاع دبي بالنسبة لي صار أسرع، جاء أناس كثر، اكتظت دبي بالحركة، أناس من جميع الجنسيات، تعددية ثقافية تعيش في رخاء وسلام وأمن وتجاور مذهل، هناك سعادة بين هؤلاء القادمين من خلفيات وبيئات مختلفة وربما متناقضة، لكنهم في دبي كلهم يساهمون في نهضتنا، في حياتها.. دبي عالمية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى..
يستمر التشكيلي عبدالرحيم سالم في قراءة دبي مشيرا إلى ان دبي فرضت الانفتاح على واقعها وأيضا تستمر في المحافظة على مكنوناتها الداخلية.. هذا التفاعل السريع لا أنكر انه لا يقلقني مع ذلك في مسألة الهوية، إلا أن المبادرات التي تقدمها هذه المدينة في احتضان الأصالة العربية ودعمها وفي الدفع بعجلة التنمية الثقافية إلى الأمام في مقابل البناء والتطور في الجوانب الأخرى يبعث بشيء من الطمأنينة.
يدهشني في دبي هذا الامتداد باتجاه البحر، البيئة الخضراء، الامتداد العلمي يدفع باتجاه العالمية وأتمنى أن أكون جزءا من هذا التفاعل باعتباري فنانا، أناظر المعمار الجميل في لوحة دبي وأتمنى أن تمتزج أعمالي وأعمال بقية التشكيليين المحليين بألوانها وخطوطها وطابعها..
يعترف التشكيلي عبدالرحيم سالم بتأثيرات دبي على لوحاته.. دبي المدينة بحياتها ومعطياتها البيئية والذكريات التي تحتفظ بها في طين البيوت القديمة ورمل الشاطئ.. يقول: لا استطيع التخلص من تأثيرات اللون الأزرق في مجمل أعمالي، لأنه يحمل دلالة إيقاع خاص في نفسي، هو امتداد لذلك البحر الذي كنت أتأمله في ليالي ونهاراتي، نسعى وأنا وزملائي التشكيليون من الذين يحملون ذات الهم إلى المحافظة على هذا الطعم المهم، ان لا نبتعد عن جذورنا..
في دبي أعداد كبيرة من غاليرهات الفن، ويشكل متذوقوها من سكان دبي والمقيمين سوقا مهمة للفنانين، حيث لا تعاني هذه المدينة النابتة من الصحراء والمنطلقة في تأسيس حداثتها، من ضعف في الذائقة البصرية، فهذا التعدد الثقافي الذي تحتضنه دبي كمدينة، والثقافة التي أشاعها انفتاحها منذ قديم الزمن كميناء للسفن التجارية والمسافرة، كرس فعل معارض التشكيل التي تجمع بين مدعويها ملتقين ومتذوقين من مختلف الثقافات، الأمر الذي خلق حوارا نقديا حولها واصبغ عليها الأهمية..
فعبدالرحيم سالم واحد من التشكيليين الإماراتيين البارزين في حركة التشكيل المحلية والعربية، وله مكانته المتميزة لدى الجمهور وبصمته الخاصة إلى جوار تشكيليين من أمثال عبدالقادر الريس ونجاة مكي.. يدرك عبدالرحيم سالم أن دبي تمثل حالة خاصة بين المدن العربية في تسارع وتيرتها نحو أن تكون محطة عالمية يزدهر فيها الفن، مثلما تزدهر التجارة، ومن جانب يعتبر التعددية الثقافية فيها ميزة تمهد لحوار حضاري وائتلاف بين ثقافات العالم..
في دبي لو فكرت في تناول رغيف من الخبز فانك ستحتار بين أنواعه، فهي مدينة توفر لك فرصة أن تستمتع بمذاق الشعوب، ويمكنك أن تنتقل من إيقاع إلى آخر مختلف، هو إيقاع تلك الثقافات المتلاصقة.
. هذا الفضاء المتسع والمتعدد الوجوه إلى جانب المشاريع التي تفتح اذرعها للحياة في روح العصر والتعايش أيضا مع ارث الصحراء وارث البحر من مكتنزات ثقافية يهيئ لمثل عبدالرحيم سالم والقاص إبراهيم مبارك مناخا شموليا تظهره مدينة جامحة باتجاه أن تكون ذات طابع مختلف، لا يتوقف عند خيارات قليلة..
حياة مع الجذور
لا استطيع التخلص من تأثيرات اللون الأزرق في مجمل أعمالي، لأنه يحمل دلالة إيقاع خاص في نفسي، هو امتداد لذلك البحر الذي كنت أتأمله في ليالي ونهاراتي، نسعى أنا وزملائي التشكيليون من الذين يحملون الهم ذاته إلى المحافظة على هذا الطعم المهم، ان لا نبتعد عن جذورنا..
مرعي الحليان


