روايات خالدة

الرجل الخفي

صورة

«أدب الخيال الجيد منسوج من الواقع، ومن الصعب الوصول إلى احتمالات حقيقته. فالكثير منها يعتمد على مدى رغبة الفرد في اكتشاف نفسه الحقيقية عبر تعريفها استنادا على خلفيته»، تصريح للأديب الأميركي الإفريقي الأصل رالف والدو إليسون الذي اشتهر بروايته الخالدة «الرجل الخفي» التي نشرت عام 1952.

وُلد رالف والدو إليسون في 1 مارس عام 1914 في أوكلاهوما، والمعروف أن من أسباب قدرته على تجاوز مرارة التمييز العنصري ومشاعر النقمة هو تكريس نفسه للفن. وعلى الرغم من وفاة والده حينما كان في الثالثة من عمره، إلا أن والدته آيدا استطاعت بقوة إرادتها ومثابرتها منح طفلها حياة آمنة، كما شجعته على القراءة ووفرت له العديد من الكتب من بيوت مخدوميها. تعلم إليسون وأتقن العزف على البوق في الثانوية، وحينما أنهى دراسته نال منحة لدراسة الموسيقى في آلاباما عام 1933. بقي في المدينة الجديدة الأكثر تحفظا وعنصرية من بلدته، ثلاث سنوات. انتقل بعدها إلى نيويورك، وهناك التقى بالكاتب ريتشارد رايت الذي أمن له عملا في مشروع الكتّاب الفيدراليين، وساعده على تطوير موهبته في الكتابة.

وفي عام 1939 بدأ إليسون بنشر القصص القصيرة وعروض الكتب والمقالات، ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد خدمته في بحرية الولايات المتحدة، حاز على زمالة روزنولد التي مكنته من التركيز على كتابة روايته الأولى «الرجل الخفي».

حققت له تلك الرواية نجاحا فوريا لدى نشرها، واختلفت آراء النقاد بشأن معالجة الأحداث بموضوعية. وبعد مضي ثلاثة عشر عاما، اختارت صحيفة نيويورك هيرالد تريبيون روايته تلك كأهم كتاب نشر خلال الفترة من عام 1945 إلى 1965.

وكان إليسون الذي حاز على العديد من الجوائز الأدبية يعمل على روايته الثانية بصبر وهدوء وعلى مدى عشر سنوات، حينما أصيب بمرض السرطان في البنكرياس وتوفي في نيويورك في 16 أبريل 1994، وعليه نشرت روايته «جونتينث» بعد وفاته.

وعلى الرغم من أن رواية «الرجل الخفي» تتحدث عن حياة ومجتمع الأميركيين الأفارقة، إلا أنها في الواقع أعم وأشمل بإنسانيتها فمعاناة أو واقع الحياة التي يعيشها بطل الرواية وهو شاب في مستهل حياته، يمكن أن يتشابه مع واقع الفوارق الطبقية والعائلية والعرقية والطائفية وغيرها.

ومن هذا المفهوم اكتسبت الرواية ديمومتها التي عززتها جماليات كل من اللغة والإيقاع الموسيقي، والمستمدة كما أوضح الكاتب من أغاني وموسيقى الجاز التي برع فيها الأفارقة الأميركان. إلى جانب الرمزية والشعرية.

كان البطل الشاب في بداية الرواية طالبا نموذجيا على كافة الأصعدة. ولا يتردد في إلقاء خطاب التخرج من المرحلة الثانوية أمام حشد كبير من الناس، مما يثير إعجاب أحد الأثرياء البيض. يدعو هذا الثري الشاب إلى حفل في قصره ليقرأ الخطاب أمام أصدقائه في الجامعة، يرى الشاب في عميد الجامعة الدكتور بليدسو مثلا أعلى له للارتقاء بمجتمعه من السود، ويسعى للسير على دربه.

بعد مضي زمن قصير على الدراسة، يطلب المدير من الشاب كبادرة اعتزاز به أن يأخذ الثري والمساهم في تمويل الجامعة في جولة في أرجاء المنطقة المحيطة بالمبنى. وتصل الأحداث إلى ذروتها الأولى حينما يحيد الطالب عن الطريق ليجد نفسه في منطقة يسكنها الفقراء من السود، وحينما يحاول العودة يصر الثري على المتابعة كنوع من المغامرة .

وفي حي هارلم الشعبي الخاص بالسود يستقر الشاب بعد أن وجد عملا أخيرا. وهنا تتصاعد ذروة الأحداث مجددا لدى عمله في معمل للطلاء وبعدها حينما ينضم لحزب ماركسي في ذات الحي، يقف في مواجهة حزب آخر، ويجد الشاب نفسه مركزا للصراع بين أفراد الحزبين.

ويدرك من خلال مجمل الأحداث أنه غير مرئي كإنسان بالنسبة للجميع، فمنحة الثري تشعر صاحبها بعظمته الإنسانية، وطرد العميد له دون اعتبار لمستقبله، وأصدقائه من أعضاء الحزبين كانوا يتناحرون مع بعضهم من خلاله.

ينتهي به الأمر باتخاذه القرار في العيش تحت الأرض غير مرئي، وكما ذكر في بداية الرواية يكتشف غرفة سرية في قبو مبنى مخصص للبيض كسكن له، ويزينها بما يزيد على 1369 مصباح كهربائي موزع بين السقف والأرض والجدران وذلك بعد أن مدد الكهرباء خلسة لغرفته، ليعيش قناعته في حقيقة أن النور هو الحقيقة وبالعكس.

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae

الكتاب: الرجل الخفي

تأليف: رالف والدو إليسون

الناشر: راندوم هاوس 1952

الصفحات: 581 صفحة

القطع: المتوسط

Invisible Man

Ralph Waldo Ellison

Random House 1952

185. P

تعليقات

تعليقات