«عندما كانت بيضاء» كتاب يلقى الاهتمام في الولايات المتحدة اليوم بسبب الموضوع الذي يتطرق إليه، إذ يحكي «القصة الحقيقية لأسرة مزّقها انتماؤها العرقي »، كما يدل العنوان الفرعي للكتاب، بل ولعله من الدقة أكثر القول أنه قد فرّقها «سواد بشرة» المرأة التي يحكي الكتاب قصتها.
وُلدت ساندرا لينغ عام 1955 في جنوب إفريقيا عندما كانت لا تزال محكومة بنظام التمييز العنصري. وكان «من المفروض أن تولد في الجهة «الصح»، وذلك بمعنى «الجهة البيضاء» ذلك أن أهلها، أي والدها ووالدتها هم من أولئك الذين يطلقون عليهم تسمية «الأفريقانيين»، الدالّة على البيض الذين شكّلوا لفترة طويلة الطبقة السائدة في البلاد».
لكن قوانين الوراثة، تلك التي ينسبونها إلى عالم المورثات «جورج مندل» فعلت فعلها، إذ كان من بين أجداد ساندرا جدّ أسود ولهذا السبب جاءت بشرتها «سمراء داكنة». هكذا قامت شرطة النظام العنصري بطردها عندما كان عمرها عشر سنوات من مدرسة «البيض» التي لا تقبل سوى من يكون «البياض» هو صفة بشرته دون أي التباس. وأعيد تصنيفها بين «الملونين».
القصة لم تنته عند ذلك الحد، بل جرى تبديل تصنيفها «لونيا» مرّتين أيضا فهي «ليست سوداء البشرة بما يكفي«، و«ليست بيضاء أيضا بما يكفي». المهم اختارت هي أن تعيش بين الأفارقة السود وفي أحد أحيائهم الفقيرة، وذلك بعد أن كان أبوها قد «تنكّر لأبوته» لها.
تعتمد المؤلفة في هذا الكتاب مجموعة من «العناوين الصغيرة» دون اللجوء إلى التبويب التقليدي ب«فصول». هكذا يشتمل الكتاب على 32 عنوانا صغيرا تبدأ ب«الطرد» ثم تتالى بحيث أن دلالات بعضها واضحة مثل «من السواد إلى البياض» و«السماء تصبح قاتمة» و«ماذا لو اختلطت المورثات»؟ و«بانتظار قرار» و«السجن» و«الذاكرة التي تفقد نقاط ارتكازها»، الخ.
هكذا إذن وُلدت «ساندرا لينغ» في «الجهة السيئة» وسط نظام التمييز العنصري. ولم يكن لون بشرتها يتناظر مع «المعايير الدقيقة» للتصنيفات آنذاك بين أبيض وأسود وملوّن. وهكذا إذن كان عليها أيضا أن تواجه مختلف «المواقف العنصرية».
لقد قبلها أهلها في البداية و«غضّوا الطرف» عن لون بشرتها. لكن أهالي التلامذة ومعلّمي المدرسة «تظاهروا» لرؤية «تلميذة ليست بيضاء» تختلط بالتلامذة الآخرين. كذلك وجّهوا لأمها الاتهام ب«عدم الإخلاص»، لكن أباها دافع بقوة عن أبوّته لها مع الاعتراف بوجود «جذر أسود» بعيد في الأسرة.
ما ينبغي التركيز عليه هو أن موضوع هذا الكتاب ليس في واقع الأمر سيرة حياة «ساندرا لينغ»، إنه كذلك لكنه بنفس الوقت أبعد من ذلك بكثير. إن المؤلفة تبرز أيضا نضال أولئك الذين حاولوا كشف تناقضات نظام التمييز العنصري وكذلك تناقضات المجتمع الاستهلاكي الذدي خلقه «شرف البيض» في جنوب إفريقيا العنصرية. هذا في الوقت الذي لا تعتبر فيه ساندرا أنها «ممثلة» للشرور التي خلقها نظام التمييز.
بل على العكس تبدو أنها تريد باستمرار الاعتذار عن «الآلام» التي سببتها لوالديها وتطلب منهم أن «يغفروا» لها ذلك، رغم «تنكّر» والدها لها تحت ضغط المجتمع الذي كان يعيش فيه. لكن هذا لم يمنع المؤلفة من تقديم ساندرا ك«ممثلة» للعديد من «الأخطاء» البنيوية في جنوب إفريقيا العنصرية، ولذلك «حاربها» أولئك الذين كانوا يريدون للأشياء أن تبقى دون أي تغيير.
«عندما كانت بيضاء» كتاب حزين فيما يتعلق بقصة ساندرا لينغ ولكنه كتاب يخلو من «الحقد» فحتّى أقسى المواقف تعيشها المعنية بكثير من «التسامح». ولعلّه هذا هو الدرس الذي أكّدت عليه المؤلفة بالنسبة لجنوب إفريقيا «المستقبل» ذات التاريخ «القاسي» والمتنوع والذي قد لا ينقذه سوى التسامح.
المؤلفة في سطور
تساهم جوديث ستون، بالعديد من الصحف والدوريات الأميركية والعالمية، ومن بينها «النيويورك تايمز ماغازين» و«نيوزداي» و«هي»، المجلة الفرنسية النسائية الشهيرة، و«فوغ». كما تساهم باستمرار في العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية. من مؤلفاتها: «العناصر الخفيفة: دراسة حول العلوم من الجاذبية إلى الخفة» و«الكتاب المدرسي للأهل»، الخ.
الكتاب: عندما كانت بيضاء
القصة الحقيقية
لأسرة فرّقها
العرق
تأليف : جوديث ستون
الناشر: ميراماكس بوك
نيويورك 2007
الصفحات : 304 صفحات
القطع: المتوسط
When she was white: thetrue story of a family divided by race
Judith Stone
Miramax Books N.Y. 2007
P.304
