«الحرية للتاريخ» كتاب مشترك للكاتبين بيير نورا وفرانسواز شاندرناغور العضوين في الأكاديمية الفرنسية يتعرّض لموضوع حساس أثار الجدل كثيرا في فرنسا خلال السنوات الأخيرة ويخص تحديدا مسألة «الذاكرة التاريخية» وذلك بتحديد أكبر من زاوية القوانين الخاصة ب«واجب الذاكرة».

ومنذ البداية يطرح المؤلفان عددا من الأسئلة حول «حرية التاريخ»، فهل ينبغي حقيقة الحكم عليه بقوانين؟ وما هو الموقف من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية؟ وهل تمكن إعادة النظر ببعض القوانين الخاصة بالتاريخ؟ وما يؤكده بيير نورا وفرانسواز شاندرناغور هو أن «القوانين التي تخرق الحقوق، تخرق أحيانا التاريخ أيضا». المثال الذي يتم سوقه في هذا الإطار القانون الذي جرى اتخاذه بتاريخ 21 مايو عام 2001 تحت عنوان «حول العبودية وتجارة العبيد». ويشار إلى أنه من المثير للدهشة إصدار مثل هذا القانون في الوقت الذي كانت فيه اتفاقيات دولية قد حددت عقوبات «جنائية» بهذا الخصوص.

وهي اتفاقيات قابلة للتطبيق مباشرة حسب القانون الفرنسي منذ عام 1926 حيث يتم وصفها ب«جرائم ضد الإنسانية». لكن القانون المعني حصر تطبيق العقوبات بالجرائم الراهنة أو التي يتم اقترافها «مستقبلا».

أما قانون 2001 فقد تمثّل التجديد فيه أن الأمر يتعلق ب«إصدار الأحكام على الماضي» أيضا. وهنا يتم فتح قوسين لطرح السؤال التالي: «هل ينبغي بالفعل الحكم على الماضي بقانون وتطبيق مفاهيم أخلاقية وقانونية معمول بها اليوم عليه»؟

وعبر تفنيد القانون المعني يتم التأكيد على أنه، رغم العنوان العريض لمحتواه، إنما يتم حصره منذ البند الأول بما يتعلق بتجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي وعبر المحيط الهادئ و أنها «جرائم ضد الإنسانية». هذا في الوقت الذي يشار فيه إلى وجود ممارسات شبيهة في مجالات وأمكنة أخرى وقد استمر بعضها حتى فترة قريبة، و«حتى سنوات الثمانينات المنصرمة في النيجر ومالي مثلا».

وعلى أولئك الذين يبررون حصر مجال تطبيق القانون المعني بالتجارة «المثلثة» بين أوروبا وإفريقيا وأميركا (العالم الجديد) التي مارسها الأوروبيون وحيث كان للفرنسيين دور فعلي فيها، يتم الرد في تحليلات الكتاب بالقول أن «فرنسا لم تشارك رسميا في تجارة العبيد سوى في نهاية القرن السابع عشر، بينما أن الفترة التي يشملها القانون تشمل القرون الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر»، أي ما يعني القول أن الجرائم التي «تعترف بها» فرنسا اليوم قد تم «اقترافها» من قبل فرنسيين.

بل وأنها «تعترف» بغيرها في الوقت الذي لم يكن لها بها أية علاقة من قريب أو بعيد مثل تلك التي جرت بحق الأرمن في تركيا وما كان الانجليز والهولنديون والبرتغاليون مسؤولين عنه في أماكن أخرى». بكل الحالات يتم التأكيد في هذا الكتاب بصور شتى أن «المؤرخين» هم الذين يتحملون مسؤولية «كتابة التاريخ» وليس البرلمانيين أو الحكومات.

وبهذا المعنى يتم الحديث عن «الاستثناء الفرنسي» في هذا الميدان ف«فرنسا هي البلد الديمقراطي الوحيد في العالم الذي فرض على مواطنيه مثل هذا الكم الكبير من القوانين ذات الطبيعة التاريخية». ويُنقل عن أحد البرلمانيين الفرنسيين تصريحه في شهر أكتوبر ـ تشرين الأول الماضي 2006 قوله: «لا يتم ترك الطب للأطباء فلماذا ينبغي ترك التاريخ للمؤرخين«؟ هذا «أسوأ أنواع المحاكمات العقلية»، كما نقرأ.

وفي سياق البحث بالماضي البعيد والقريب يتم التساؤل: «لماذا لا تقوم فرنسا باسم المبادئ الأساسية التي تنادي بها، بالمطالبة بواجب الذاكرة على المستوى الكوني وكي يطال ما فعله الأسبان والأميركيون من مذابح إبادة ضد الهنود في الشمال وفي الجنوب؟ وما فعله الصينيون في التيبت؟ ولعله قد يكون هناك عشرون مشروعا لسن قوانين في مكاتب الجمعية الوطنية الفرنسية ولماذا لا تتم العودة حتى الحروب الصليبية؟

إن هذه الحروب تشكل واقعيا بنظر المسلمين المشهد البدائي للإجرام الغربي والذي كانت فرنسا هي أحد أطرافه الأساسية». «الحرية للتاريخ» كتاب يرافع مؤلفاه ضد التوجه الشائع اليوم «لمحاكمة التاريخ». أما الرسالة الأساسية في هذه المرافعة فهي «الرفض لتجريم الماضي»، البحث والتنقيب فيه؟ نعم، أما «تجريمه» فلا.

المؤلفان في سطور

المؤلفان بيير نورا وفرانسواز شاندرناغور عضوان في الأكاديمية الفرنسية. بيير نورا، مؤرخ، ومؤلف كتب عديدة منها: «أماكن الذاكرة» و«صنع التاريخ» بالاشتراك مع المؤرخ جاك لوغوف، و«الأخوات الثلاث»، الخ. وهو رئيس جمعية تحمل اسم «الحرية للتاريخ». وفرانسواز شاندرناغور، هي روائية قدّمت أعمالا كثيرة لاقت رواجا كبيرا من بينها: «مسافرات الليل» و«الزوجة الأولى» و«طفل الأنوار»، الخ.

الكتاب: الحرية للتاريخ

تأليف: بيير نورا، فرانسواز

شاندرناغور

الناشر: المركز الوطني

الفرنسي للبحث

العلمي

باريس 2008

الصفحات: 110صفحات

القطع: الصغير

Liberté pour l'Listoire

Pierre Nora, Françoise Chandernagor

CNRS - Paris 2008

P.110