«الخوف من البرابرة» كتاب جديد عن موضوع شغل العالم منذ سنوات، هو «صدام الحضارات». هذه الأطروحة التي كان المفكر الأمريكي صموئيل هنتنغتون هو أول من طرحها في كتاب حمل نفس العنوان. هذا مع العلم أن المنظّر الأول لهذه الأطروحة كان المفكر الأميركي أيضا، المختص بالعالم الإسلامي، برنار لويس.
يبدأ تزفتان تودوروف مؤلف الكتاب في فصل يحمل عنوان «بربرية وحضارة» بتقديم ما يعتبره «تعريفه» لمقولة «صدام الحضارات». وهو يتحدث بوضوح من موقعه كـ «أوروبي، غربي» ينظر إلى الصدام على أساس أنه بين «الديمقراطيات الغربية من جهة» و«عالم الإسلام من جهة أخرى». ويضيف: «إنهما عالمان لم يتجاوزا خلافاتهما التاريخية والثقافية والدينية، وهما بالتالي قابلان للدخول في نزاع. وأمام التهديد لم يعد هناك مكان للحوار أو للتمازج، وبالتالي ليس هناك أي بديل عن الحزم وحتى الحرب بكل الوسائل». ثم يطرح تزفتان تودوروف مباشرة السؤال الجوهري التالي: «هل يدعو حقيقة للاطمئنان أن يتم التفكير بهذه الطريقة وأن البربرية والحضارة ستظلاّن محددتان حيث يسود الاعتقاد»؟
ويجيب: «إذا كان لا بد من الدفاع عن الديمقراطية، فإنه من الحاسم أيضا عدم الانسياق وترك الخوف يفرض سيطرته ويدفع نحو ردود أفعال مسيئة، ذلك أن التاريخ يعلّمنا أنه يمكن للدواء أن يكون أكثر سوءً من المرض».
ما يرفضه تودوروف بقوة هو ذلك الموقف المتزمت واللجوء المفرط إلى القوة لدى بعض الغربيين في إطار المنطق المدعو بـ «صدام الحضارات»، بل واستخدام العمل العسكري الذي يتسم، حسب رأيه، بصفتين أساسيتين، الصفة الأولى أنه مبالغ به جدا بالقياس إلى السبب الذي أثاره والصفة الثانية هي عدم فاعليته. المثال الذي يؤكد عليه في هذا السياق هو الحرب الأخيرة ضد العراق.
ومن الأخطار الكبرى التي يحذر منها تزفتان تودوروف في فصل يحمل عنوان «حرب العوالم المختلفة» هو ما يحدق بالبشرية كلها والتي قد تواجه «رهان بقائها» إذا زادت حدة الصراعات القائمة على خلفية عقائدية، وذلك في زمن تمتلك فيها مختلف القوى، ومختلف «العوالم» ترسانات من الأسلحة الفتّاكة، بما فيها أحيانا الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. لذلك ينبغي دون إبطاء، برأي المؤلف، التوقف عن تقديم كل خلاف مستجد على أنه نزاع بين «الظلام» و«الحريّة».
ويناقش المؤلف على مدى العديد من الصفحات ما يتردد من آراء في العديد من البلدان «الديمقراطية» الغربية حيال المهاجرين ذوي الأصول الإسلامية في البلدان المقيمين فيها أو الذين أصبحوا في عداد مواطنيها بحكم الولادة لأسر مهاجرة سابقا. إن هؤلاء يتم وصفهم أحيانا على أنهم «برابرة الداخل».
مثل هذا المنطق يرفضه المؤلف تماما ويرى أن «انغلاق» نسبة كبيرة من هؤلاء في إطار «مجموعات قليلة مؤطّرة» على أساس الانتماءات العقائدية أو الاثنية إنما يعود إلى واقع أنهم لا يجدون مكانهم في المجتمع الذي يعيشون فيه ولذلك ينتمون إلى تلك المجموعات كنوع من «اللجوء».
ويؤكد تودوروف حيال هذه المشكلة التي تؤرق العديد من المجتمعات الغربية حيال «مهاجريها» والتي تستغلّها قوى سياسية عديدة، وساسة عديدين، لمكاسب انتخابية، أن المطلوب هو بالأحرى عدم «حصر» المعنيين في «خانة البرابرة» وإعطاء أهمية حقيقية لمعالجة هذه المشكلة «الاجتماعية». ويدعم المؤلف مثل هذا الموقف باسم التأكيد على مبدأ «المساواة الأخلاقية بين جميع الثقافات».
لكنه يستدرك قائلا أنه إذا كان الانتماء الثقافي «متعددا بالضرورة» فإن الالتزام بالقوانين النافذة هو «واجب» على جميع الذين يعيشون في بلد من البلدان. وبكل الحالات يؤكد على أولوية «القانون» مقارنة بـ «العادات الموروثة».
كذلك يرى أنه لا يمكن، باسم التنوع الثقافي، المساس بالحقوق الأساسية للإنسان، كما أقرّتها مختلف المواثيق الدولية. في المحصلة يطرح المؤلف للنقاش من جديد مسائل في غاية الحساسية مثل صدام الحضارات والحضارة البربرية، وهو يستخدم معارفه التاريخية والثقافية الواسعة في مجال تاريخ الأفكار لبحث الرهانات المطروحة على عالم اليوم.
المؤلف في سطور
تزفتان تودوروف هو ناقد ومؤرخ وفيلسوف وأستاذ جامعي معروف على المستوى العالمي حيث قام بالتدريس في أكبر الجامعات الفرنسية والأميركية. وهو مدير للأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.من مواليد بلغاريا عام 1939، هاجر إلى فرنسا وأقام فيها منذ عام 1963 حيث غدا أحد رموزها الثقافية. وهو مؤلف عدد كبير من الكتب نال بعضها شهرة واسعة مثل «الفوضى العالمية الجديدة» و«مغامرة الفكر المطلق» و«ذهنية عصر التنوير» و«الأدب في حالة خطر»، الخ.
الكتاب: الخوف
من البرابرة
ما هو أبعد
من صدام
الحضارات
تأليف: تزفتان تودوروف
الناشر: روبير لافون
باريس 2008
الصفحات : 310صفحات
القطع: المتوسط
La peur des barbares : au-delà du choc des civilisations
T zvetan Todorov
Rober Laffon Pariis 2008
P.310

