أجرى موقع «بوكبراوز» الثقافي المتخصص هذه المقابلة مع الروائي اللبناني ربيع علم الدين، في ضوء الضجة الكبرى التي أثارتها روايته «الحكواتي» الصادرة مؤخراً عن دار نوف النيويوركية، حيث ألقى الضوء على النبع الثري الذي نبعت منه روايته التي تقوم على استيحاء مفهوم القصص داخل القصص والعودة إلى الينابيع الإبداعية الشرقية، وشدد على أنه معنى بالكتابة في المقام الأول على الرغم من انهماكه الموازي للكتابة في الإبداع عبر الفن التشكيلي. وفيما يلي نص المقابلة:
هل تتذكر من أين أتتك فكرة رواية الحكواتي؟ لو أنك حاولت إغماض عينيك وتذكر البداية المبكرة لهذا العمل فما الذي تراه أمامك؟
فكرة رواية «الحكواتي» لها بدايات عديدة، وأحسب أن تلك هي حالة روايات عديدة. ففي عام 1991 كتبت قطعة مطولة، تم اختصارها ونشرها لاحقاً باعتبارها قصة قصيرة في مجلة «زوتروب»، وهي تشكل الفصل العاشر من الرواية وتتناول زيارة الشخصية الرئيسية في الرواية، أسامة الخراط، لحرم إحدى الجامعات الأميركية في يفاعته وسهره إلى جوار فراس أبيه المريض في المستشفى.
وقد كتبت قصتين أخريين كجزء من الكتاب، قوبلت إحداهما بالنجاح، ولم توفق الأخرى، وانتهت القصة الناجحة بأن أصبحت جزءا من نسيج الرواية وأصبحت لديَّ روايتي تندرج قصصا لا نهاية بها في السرد المتعلق باسامة الخراط، وهي قصص داخل قصص، قصص مستلهمة من التوراة، أساطير عربية يعاد تخيلها من جديد، أساطير الخراط المستمدة من أجيال الماضي.
هل يمكنك أن تحدثنا عن نطاق المصادر والمؤثرات فيما يتعلق بهذه القصص والحكايات والأساطير؟
لقد تأثرت دوماً بقراءاتي. وبالنسبة لهذه الرواية فقد كان مصدر التأثر هو الكتب، الكتب والمزيد من الكتب، كالفينو، هوميروس، أوفيد، القرآن الكريم، الانجيل، البهاجافادجيتا، الأعمال الأدبية، التجارية، الروايات الشعبية، الشعر العربي والحكايات الشعبية العربية.
إنه كتاب حكواتي، دراسات ألمانية عن الحكايات العربية، قصص مارخل المصورة، تان تان، نابوكوف، بورجيس، مسرحيات شكسبير يوميات كتبها أعضاء في عائلتي بعد العهد بهم، وكل ما قرأته تحول إلى مادة لقصة. إن القصص تحلق حولنا طوال الوقت، كالفراشات، وكل ما هنالك أننا ننسى الإصغاء لها، فشبكات صيد فراشاتنا علاها الغبار.
يقع جزء من أحداث الكتاب في عام 2003 عندما يزور الراوية، أسامة الخراط، بيروت قادماً من كاليفورنيا، لماذا قررت الكتابة عن عام 2003؟
هناك سببان لذلك، أي للكتابة عن فبراير 2003، السبب الرئيسي هو أنني لم أرغب في تناول غزو العراق بشكل مباشر، فهناك ما يكفي من الحملات الحربية في الرواية، والسبب الآخر هو أن والدي مات في هذا الشهر.
وهذا يجعل الأمور أسهل، فأنت تتذكر بوضوح ما الذي كان عليه الطقس، وما الذي كان يجري في بيروت بينما كانت العائلة في المستشفى.. الخ. ومع ذلك فإن حرب العراق هي السبب الرئيسي، فقد أحسست بأن صياغة الرواية في زمن بعد ذلك سوف يغرقها، فهذه الحرب يمكن أن تسلم نفسها لرمز أكثر إيغالاً مما ينبغي.
خلال نشأتك في بيروت هل كان هناك حكواتية ينشطون في المدينة؟ ماذا عن الوضع بالنسبة لهم اليوم؟ هل ذهبت للاستماع إليهم أثناء عكوفك على تأليف الرواية؟
لم أسمع بأي من الحكواتية خلال نشأتي، ولو أنني عرفت بأمر أحدهم فمن المؤكد أنني كنت سأبادر للذهاب للاستماع إليه، فقد نشأت على المؤثرات الفنية الغربية، على أفلام بروس لي وفيلم صوت الموسيقى، على مات ديلون وكيتي راسل. وكانت العائلة التي انتمي إليها عائلة ذات اتجاهات حداثية نسبياً، وكنت أنا وأصدقائي نستهجن أي شيء تقدمه الثقافة العربية.
وخاصة الأشياء القليلة التي كان آباؤنا يستمتعون بها، فقد كنا نشفق عليهم من الاستماع إلى فيروز وأم كلثوم وكنت أحلم بحضور حفلات لفرق غنائية غربية مثل «كوين» و«جينيسيس». ولو أن الحكواتية كانوا موجودين في بيروت خلال نشأتي لربما قتلهم أبناء جيلي. وليس هناك أي من الحكواتية اليوم، على الأقل ليس في لبنان.
هل عشت في لبنان خلال الحرب الأهلية؟ كيف أثرت فيك هذه التجربة باعتبارك كاتباً؟
ليس على وجه الدقة، فقد غادرت لبنان إلى انجلترا عندما بدأت الحرب، ثم ذهبت إلى الولايات المتحدة، ومع ذلك فقد كنت أعود إلى لبنان باستمرار، حيث أن عائلتي ظلت مقيمة فيه، حتى خلال أوقات الحرب الرهيبة. والاستثناء البارز كان خلال الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982، فقد كنت على متن آخر طائرة غادرت لبنان قبل الغزو، ولم أعد إليه إلا في عام 1984.
هل تريد لهذه الرواية أن تعلم القراء شيئاً فيما يتعلق بثقافة الشرق الأوسط والثقافة اللبنانية على وجه الخصوص؟ أو بتعبير آخر هل تحس بمسؤوليات أو ضغوط في غمار الكتابة عن وطنك للجمهور الأميركي؟
لا، لا، بالتأكيد لا. ولست أفترض أنني قادر على تعليم القارئ، ولا أرغب في ذلك، فهذا منحدر زلق، وأنا لست مولعا بالرواية التعليمية كما أنني لا أعتقد أن أي أحد يمكنه أن يتعلم شيئاً عن ثقافة الشرق الأوسط من خلال قراءة رواية عنه، فهذه الثقافة متنوعة، وكذلك الثقافة اللبنانية. وفي هذه الرواية فإن عائلة الخراط تنتمي إلى طبقة معينة، وتقيم في منطقة بذاتها، ولها خلفية محددة. وافترض أن المرء يمكنه أن يتعلم شيئاً عن الشرق الأوسط من لخال ذلك هو أمر لا معنى له بالنسبة لي. وما من رواية يمكنها ذلك، ولا يتعين أن تقوم رواية بذلك.
أنت فنان تشكيلي ناجح بالإضافة إلى كونك كاتباً، ولديك درجة ماجستير في إدارة الأعمال ودرجة علمية في الهندسة. وعندما يسألك الناس عن مهنتك فماذا يكون ردك؟ وما الذي يتعين أن نعرفه عنك في هذا الصدد؟
إنني كاتب، هذا هو ما أرد به على هذا السؤال، واعتقد أن هذا هو أهم شيء بالنسبة لي. وقد أردت أن أكتب منذ زمن بعيد، ولذا بدأت بالقيام بذلك، كما أن وصف نفسي بأنني فنان تشكيلي لا يبدو لي أمراً حقيقياً أو دقيقاً الآن، فأنا لم أرسم شيئاً منذ وقت طويل، وكان آخر معرض أقمته في عام 1997 في النرويج، وهو وقت طويل، أما هوايتي فهي لعب الكرة، فأنا عاشق لهذه الرياضة، التي اعتبرها العلاقة الحميمة الوحيدة غير المعقدة في حياتي.
المؤلف في سطور
ولد الروائي والفنان التشكيلي اللبناني ربيع علم الدين (48 عاماً) لعائلة لبنانية من أصول درزية، وغادر بيروت مع انطلاق الحرب الأهلية، وهو في السابعة عشرة من عمره، إلى انجلترا للدراسة بها، ومن ثم انتقل للدراسة في جامعة كاليفورنيا، حيث حصل على الماجستير في إدارة الأعمال وعلى بكالوريوس الهندسة. قدم للمكتبة العالمية روايتين ومجموعة قصص قصيرة.
لكن شهرته لم تحلق عالياً إلا مع صدور روايته «الحكواتي» عن دار نوف النيويوركية التي أثارت ضجة كبرى في مختلف الدوائر الأدبية والنقدية. أقام مجموعة من المعارض للوحاته كان آخرها في النرويج عام 1997، وهو يقسم وقته حاليا بين سان فرانسيسكو وبيروت.
منى مدكور
