لم يكن من قبيل الصدفة أن يرتبط إصدار دار نوف النيويوركية لرواية «الحكواتي» للروائي اللبناني ربيع علم الدين بضجة كبرى، لها أول ويبدو أنه ليس لها آخر، على الأقل في المدى القريب، وهي ضجة تردد ـ بلغة أخرى ـ أصداء الضجة التي أثارها من قبل أمين معلوف برواياته المكتوبة بالفرنسية، التي عاد فيها إلى أنفاق الشرق ومخابئه وأقبيته العتيقة ليغترف منها دفقاً لا ينتهي من القصص والحكايات والأساطير الغابرة، وليقدمها للقارئ في قالب حديث مشوق، مع التوقف بصفة خاصة عند عالم ألف ليلة وليلة العجيب والحافل بالأسرار.

غير أن التركيب، أو التوليف إن شئت، عند الروائي ربيع علم الدين يغترف أيضاً من تجاربه، وارتحاله في أرجاء الدنيا، ومن معرفته الواسعة بالتاريخ العربي فضلاً عن تأمله لتاريخ لبنان والأعاجيب التي شهدها تحت أفق الحرب الوحشية المتشح بالموت والدماء. والحكواتي المشار إليه في العنوان هو اسماعيل، جد بطل الرواية أسامة الخياط، وهذا الجد يمتهن سرد القصص والحكايات والأساطير، وباختصار فإن الحكي هو جوهر حياته. وفي نهاية الرواية، فإننا نكون قد عرفنا دفقاً هائلاً عن عائلة الخراط التي ينتمي إليها أسامة. ومن المؤكد أن اختيار لقب «الخراط» ليس صدفة ولا اتفاقاً، فالمؤلف حريص قبل أن يوغل بنا في الرواية على أن ندرك أننا أمام فانتازيا تترنح بين الواقع والخيال، والحكواتي هو بمثابة جسر يسهل الدخول والخروج إلى هذا العالم العجيب، من دون تدقيق في هوية الخراط، فهذا عالمه، وهو عالم مختلط عليه هو نفسه، وبالتالي فهو لا يملك له شرحاً ولا إيضاحاً.

إن والد أسامة يرقد في المستشفى محاولا التشبث بالحياة، ويتدفق عليه أقاربه في المستشفى لزيارته، ونلتقي بأسامة وأخته وهما يتبادلان الحديث الفضولي والذكريات، ويكشفان عن التنافسات والتحالفات وقصص الغرام التي أثارت الوقيعة بين أبناء العائلة الممتدة على امتداد وقت طويل حقاً. والقسم الخاص بأسامة من الكتاب يتحرك في الزمن جيئة وذهاباً، متناولاً قصص التودد بين الرجال والنساء في العائلة وحياتهم وموتهم.

وعلى الرغم من أن العنوان يشير إلى جد أسامة الخراط، إلا أن الحكواتي بامتياز هو ربيع علم الدين نفسه، الذي يضم رصيده السابق مجموعة قصص وروايتين. وتتوقف طويلا عند إصرار حكواتي الرواية على أن القصص هي للترفيه فحسب، وليس لأي شيء آخر، وليس مقصوداً منها أن تعلم المتلقي شيئاً، وهذا هو ما يؤكد علم الدين عليه في كل الحوارات التي أجريت معه تقريباً.

لكن الأمر لا يقف عند ذلك حقاً، فالباحث جاك زيبس، الذي قام بتحرير طبعة حديثة من ألف ليلة وليلة يشدد على القوة الهائلة التي تتمتع بها الحكايات الخرافية في مساعدة المجتمعات على التعامل مع عالم متغير ومثير للحيرة، وهو يقول في هذا الصدد: «ليست هناك حكاية جديدة تماماً، فنحن دائما نعيد الحكي والبناء على التجربة والحكمة لكي نشق طريقنا في عالم ليس من صنعنا».

وهكذا فإنه عند أحد منعطفات الرواية يجد أسامة الخراط نفسه عاجزاً عن الرد عن سؤال بسيط، فلا يملك إلا أن يقول: «أستطيع رواية القصص ولكن التفسيرات تهرب مني دوما». ولكنه في نهاية المطاف ـ شأن الكثيرين منا ـ يصل إلى فهم العالم وإيضاح نفسه لهذا العالم من خلال القصص.

وليس من قبيل الصدفة أن تكون «استمع!» هي الكلمة الأولى في الرواية، وهي أيضاً الكلمة الأخيرة فيها. وفيما نحن نودع أسامة الخراط وهو يحكي لأبيه المحتضر حكايات العائلة، فلا يجد منه استجابة، فإننا لا نملك إلا أن نعلق آمالاً كباراً على أن القصة يمكنها ـ حقاً ـ أن تنقذ حياة إنسان.

وفي ضوء هذا كله فإنه ليس من العجيب أن نجد أصداء مدهشة بلا حدود لهذه الرواية في الصحافة الأميركية. الروائي الكاريبي جونو دياز لا يتردد في أن يقول عن هذه الرواية: «هنا جمال مطلق. إنها إحدى أروع الروايات التي قرأتها في أعوام.

ومن شأن تفسير السر في أن هذا الكتاب بالغ الروعة وأن علم الدين كاتب شديد الأهمية أن يستغرق كتاباً، ومن حسن الطالع أن القارئ بجد بين يديه هذا الكتاب ممثلاً في الرواية نفسها». وتقول الناقدة لورين أدامز في مقال مطول لها عن الرواية في صحيفة «نيويورك تايمز» إن هذا العمل مذهل حقاً، وانه إذا كان هناك كتاب يمكنه يتجاوز جبل الجدل والاستفسار التاريخي والتحليل السياسي الذي يقف بين القارئ الغربي والروح العربية فإن هذا الكتاب لن يكون إلا الحكواتي.

وتشير مطبعة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة عن «الحكواتي» إنه «عمل سحري.. تنحدر القصص فيه من القصص مثلما تنحدر عائلات من أصلاب عائلات، ويروي حكايات لبنان المعاصر التي تتداخل مع الأساطير العربية التي تنطلق عبر الزمان بلا حدود».

وتقول مطبعة «كيركوس» المتخصصة في عروض الكتب عن هذه الرواية إنها: ملحمة بأكثر المعاني حداثة وقدما تمتد من استلهام القرآن الكريم إلى العهد القديم، ومن هوميروس إلى شهرزاد، ومن الصعب تخيل الشخص الذي لا تستطيع هذه الرواية أن تفتنه.

لكن المرء لا يمكن إلا أن يتوقف ليتساءل: أليس مصدر افتتان القارئ الأميركي بهذا العمل، وهو نسيجه الذي لا ينتهي من القصص والحكايات، هو مصدر ضعفه من منظور القارئ العربي؟ سواء أكانت الإجابة عن هذا السؤال بنعم أم بلا، فإنها تحمل معها دعوة للاقتراب من هذا الكتاب، لقراءته، ولتأمله بمزيد من الحب والتعاطف ومحاولة الفهم.

الكتاب: الحكواتي

تأليف: ربيع علم الدين

الناشر: نوف

نيويورك 2008

الصفحات: 528 صفحة

القطع: المتوسط

The Hakawati

Rabih Alam eddine

Knof, N.Y. 2008

825.P