ينطلق القاص والناقد محمد برادة من خلال كتابه «الرواية ذاكرة مفتوحة» إلى دراسة قضايا الرواية العربية المعاصرة من مفهوم أولي وأساسي وهو مفهوم التخييل بوصفه ذاكرة مفتوحة لم يحظ بالاهتمام المطلوب في الدرس النقدي العربي نظراً لصعوبة تحديد ماهيته والعناصر التي يتحقق بها ما يجعله بمثابة ذاكرة تتجمع فيها أزمنة متباينة ووقائع مختلفة وملامح شخوص شديدة الاختلاف، الأمر الذي يجعل من الرواية ذاكرة للمستقبل مع أنها تقدم محكيات ووقائع وحبكات منتهية، ذلك أن الروائي يضع إحدى عينيه على المستقبل بوصفه بعدا جوهريا لا يمكن تصور الزمن من دونه.
يناقش الكتاب موضوعات روائية مختلفة ويركز بشكل رئيسي على التخييل الروائي وتجلياته الشكلية وما يحمله أو يوحي به من متخيل اجتماعي المحور الذي يحاول من خلاله إعادة تشييد حكم القيمة في نقد الرواية والموازنة بين دراسة الأبعاد الجمالية والدلالية للرواية، ويتوقف المؤلف عند علاقة الرواية بالنقد الراهن انطلاقا من البحث في العلاقة المحتملة والمثمرة بين الرواية والنقد في ضوء التحولات التي تحققت على صعيد الكتابة الروائية ومجال نقدها والتنظير لها. يحاول المؤلف أولا تحديد إشكالية مفهوم المحلية والعالمية الذي نبع من الارتهان إلى التعميم والتجريد في الممارسة النقدية، لاسيما ما يتعلق منها بمفهوم أصالة اللغة وواقعية الواقع والهوية والقيم التاريخية. وإذا كانت الرواية العربية بدءا من ستينيات القرن الماضي قد أخذت تنفتح على التجريب والتحرر من الأيديولوجيا السائدة.
فإنها استطاعت عبر تلك التحولات أن ترسم مسارها المفتوح عبر العمل على تطويع اللغة واستدعاء المسكوت عنه في الواقع العربي. ويذهب في دراسة أخرى إلى اعتبار أن رواية دون كيخوت لسيرفانتس هي التي أسست لحداثة الرواية على الرغم من أن كاتبها لم يكن يدرك ذلك أو يحاول عمله.
وعن علاقة الرواية العربية بالمستقبل يلاحظ برادة وجود ندرة ملحوظة في رواية الخيال العلمي تندرج كما يرى في أسئلة المستقبل. وفي حين يتلمس جذور تلك الرواية التي اختلف النقاد حولها، فإنه يؤكد أن جنس هذه الرواية لم يتطور ويتحقق في حضن الرواية إلا عندما فرضت الرواية نفسها أداة للمعرفة والتحليل والمتعة خلال القرن التاسع عشر.
وقد لعبت الأفلام الأمريكية منذ الستينيات من القرن الماضي دورا هاما في هذا المجال. وبعد أن يستعرض آراء عدد من الباحثين والنقاد الغربيين يخلص محمد برادة إلى أن هذه الرواية التي استوحت العلاقة الجديدة مع العلم بوصفه عنصرا يتيح إمكانية تغلغل الروائي في ثنايا المجهول واستحضار عوالم ممكنة، لم يهتم النقد عند دراستها بقضايا شعرية تلك الرواية وعناصر التشكيل والكتابة واللغة فيها باعتبارها تنتمي إلى جنس الرواية.
يؤكد المؤلف أن اللغة الروائية شهدت مع تطور الرواية العربية تحولات هامة استندت إلى فكر للغة الذي يتضمن طموح النص إلى تحويل اللغة تحولا يدعم الحاجة إلى تغيير الفكر وتعامله مع العالم على تصور شمولي للعلاقة بين الإنسان والأشياء.
ويحدد برادة تمظهرات تلك اللغة بأربعة مظاهر: أولها لغة فصحى تزاوج بين لغة القاموس التراثية وتركيب الجملة الحديثة المتخفف من قيود البلاغة القديمة وقد تبلور هذا الاتجاه في القرن التاسع عشر، وثانيها لغة فصحى تستعير كلمات أجنبية بلفظها أو محورة إلى صيغة دارجة كما في أسماء الآلات والأدوات الالكترونية والمخترعات العلمية.
وهناك اللغة الفصحى المرنة ذات التراكيب الجميلة الحديثة والمستويات القاموسية الواسعة، وأخيرا هناك اللغة العامية كما في بعض الروايات المصرية التي أثبتت أن تلك اللغة تتوفر على إمكانات في السرد الروائي. وفي الإجمال فإن تعدد لغة الرواية طوال مدة قرن ونيف يقدم سجلا حافلا يلخص محاولات المجتمعات العربية على طريق التحديث وبناء الدولة الوطنية وانتكاسات المشاريع النهضوية.
يستعيد المؤلف محمد برادة تجربة الروائي نجيب محفوظ من خلال سؤال استفهامي يحاول الكشف عن الفراغ الذي نعانيه في مجال الأبحاث الميدانية الاستبارية بخصوص تلقي الأعمال الأدبية اعتمادا على تحديد فئات القراءة وخارطة مواقعهم الاجتماعية ونوعية العلاقة التي تربطه بالكاتب وطريقة فهمهم للنصوص التي يقرأونها، وفي ضوء ذلك يكون من الصعب تحديد فحوى القراءات الكثيرة لأدب نجيب محفوظ طوال خمسين عاما، وكذلك تحديد تفاعل جمهور القراء مع هذا الأدب الذي تباين شكلا ومضمونا.
المؤلف في سطور
محمد برادة قاص وناقد مغربي بدأ حياته الأدبية في الستينات قاصا معروفا في المشهد الأدبي المغربي ثم كاتبا متعدد الإسهامات له العديد من المؤلفات في نقد القصة والرواية والشعر قدم فيها إضاءات مهمة على واقع التجربة الأدبية الحداثية في المغرب والوطن العربي.
مفيد نجم
الكتاب: الرواية ذاكرة مفتوحة
تأليف: محمد برادة
الناشر: دار آفاق القاهرة 2008
الصفحات : 144 صفحة
القطع: الكبير

