يرى خريستو نجم في كتابه الجديد «رمزية الحذاء والقدم في الأدب والفن» أن الأبعاد النفسية للقدم والحذاء في علاقتهما المتعددة والمتنوعة، تختلف باختلاف الأنماط النفسية التي يتصف بها كل من الذكر والأنثى: «السادية المازوشية ».

ومن خلال منهجه الذي يتكئ على فتوحات علم النفس، يرى الباحث خريستو نجم أنّ ثمة ثنائية جدلية تنقل قدم الأنثى بين حقلي المقدس والمدنّس، فأقدام تماثيل الآلهات عند اليونان والرومان والألمان فيما بعد كانت مغطّاة حفاظاً على طهارتهنّ. كما انتقدت محاكم التفتيش الفنان «موريّو» لأنه صوّر العذراء في لوحات تظهر قدميها. كما كانت بعض اللوحات الفنية في إسبانيا تعرض نساء عاريات ألبست أقدامهنّ جوارب وأحذية.في حين نشهد في أوبرا لفاغنر أن تقبيل القدم يرمز إلى المقدس والمدنّس في الوقت نفسه. ويخلص الكاتب إلى أن القدم ليست واحدة في كلّ مسعى، من خلال شواهد مستفيضة من قصائد جميل بثينة وأحمد شوقي و نزار قباني وإلياس أبي شبكة.

يفصّل الكاتب في العلاقة بين القدم والحذاء، باعتبار أن الحذاء مكان لسجن القدم، فرضته الحضارة الراهنة، ولكنه من جهة أخرى مثير للرغبة، وأداة للسلطة القاهرة ويذكر الكاتب بمشية جنود «هتلر» المسمّاة خطوة الإوزّ، والتي تحدثها جزماتهم المرصّعة بالمسامير، فتنشر الرعب في أرجاء البلاد، مستشهداً بقول الجنرال باتون : إنّ جندياً يرتدي حذاءً هو مجرد جندي، ولكنه مع جزمة الماشو فهو محارب . وهو غطاء للحقيقة أيضاً لأن صانعي الأحذية قلّما هندسوا بضاعتهم على قياس الأقدام.

ولهذا يختار الناس ما يرضي مزاجهم لا ما يناسب أقدامهم، ولكن الحذاء لا يكشف عن حقيقة الطبع إلا بالتحليل النفسي الدقيق. وهو أيضاً رمز للمسير والسفر والترحال التي ترمز جميعها إلى الموت وهذا يفسّر بعض التقاليد الغربية التي تقضي بعرض حذاء الميت بجانب سريره كونه في وضعية الغياب الأبدي.

من خلال تفكيك دلالة «باشا» ذات الأصل الفارسي، با: حذاء، شاه: ملك، يوضح الكاتب علاقة جديدة بين القدم والحذاء، علاقة صعود دنيء بتعالٍ متجبر، فالباشا لقب يناله العظماء بعد أن «تتقدم إحدى الجواري وترفع القدم الشاهانية وتلفّها على رأس الزائر العظيم، وبعد دقيقة أو نصف دقيقة، تعود الجارية وترفع قدم السلطان عن رأس الزائر العظيم». ويعزو الكاتب إلى ذلك نعت مجالس الباشاوات في بعض مراحل التاريخ العثماني بـ «مجلس الأقدام» أو«مجلس الأرجل».

ويشير د. نجم إلى أنّ وضعية الإنسان العمودية خلافاً للحيوانات هي وضعية فريدة، مما جعل للقدم فضلاً في مضاعفة حجم الدماغ، وفي غنى الحياة الجنسية أيضاً، ذلك أنّ الوقوف على قدمين قلّل من شأن الإثارة الشمّية وعوّض عنها بأهمية النظر إلى الآخر، حيث لم تعد الإثارة خاضعة لزمن محدّد.

فالقدمانيّة «المشي على قدمين» صفة تفرد بها الإنسان عن بقية مخلوقات الله، وهي أصل الرشاقة، وكل مشية تعبّر عن شخصية صاحبها، وقد عرفت البشرية أنواعاً من الخطا التي تنمّ عن الجمال والاعتزاز والفرح عبّر عنه مؤلفو الموسيقا : فاغنر شوبان تعبيراً دقيقاً، وكذلك الشعراء. ومن قبيل هذا التطور ارتبطت المدينة والحضارة بوقع خطا الإنسان.

وفي المدينة تعرف الشوارع من وقع الخطا، ويغدو له معنى صورة الشعراء، فهو زاهٍ مريح للسامع، وقاتم مؤلم، وأليف. يذهب الكاتب في النهاية إلى أن القدم تتجاوز اليد في قدرتها على التعبير، من خلال تمثله بأعمال فنية لأنجلو ورينوار وإنغر وغيرهم ممن ملأوا لوحاتهم برسوم الأقدام الموحية.

المؤلف في سطور

د.خريستو نجم كاتب وشاعر من لبنان، يعمل في التعليم الجامعي . أستاذ التحليل النفسي والأدب في الجامعة اللبنانية.من مؤلفاته: (جميل بثينة والحب العذري النرجسية في أدب نزار قباني رهاب المرأة في أدب إلياس أبي شبكة) دواوينة قصائد حب «من أغاني شهريار« الطريق إلى جبل التوباد بكائية على جدار مديني».

الكتاب: رمزية الحذاء

والقدم في الادب

والفن

تأليف: د. خريستو نجم

الناشر: الدار العربية

للموسوعات

بيروت 2008

الصفحات : 216صفحة

القطع: المتوسط

عيسى الشيخ حسن