شهدت السنوات الأخيرة، ظهور تيارات فنية جديدة كانت بمثابة رد فعل عنيف ضد الواقعية، واهتماماتها بالمظاهر العابرة، وبالمظاهر الحسية والمادية، فنزع فنانون ومدارس وجماعات بالتحرر والابتعاد عن لوحة المسند الرصينة، لترتمي التجارب الجديدة بأحضان الفن المفاهيمي الذي يتضمن كل العمليات الفكرية دون ان يكون له اي هدف، وهو بعامة متحرر من المهارة الحرفية للفنان. اذ تصبح الفكرة الهدف الفعلي بدلا من المنجز الفني نفسه.
بين الحين والآخر تخرج علينا تجارب فنية باهرة تتعارض مع التقاليد الجديدة لفن ما بعد الحداثة، تحاول إعادة تكريس واقعية العمل الفني باعتماد عناصر تشكيلية هي من الوضوح والصفاء بقدر ما هي معبرّة وذات دلالة، تساهم بشكل بارز في انجاز جانب مهم من جوانب صورة الفن المعاصر، منحرفة عما هو متداول وشائع، تفتح امام الإنسان المعاصر طرقا تقليدية أصبحت في زمن العولمة جديدة، تعينه على تطوير ثقافته البصرية، بما ينعكس إيجابا على سلوكه الجمالي والقيم الأخلاقية التي يعبر من خلالها عن ذلك السلوك. يتم ذلك وسط تعدد الهويات الفنية والذي فرضته اتجاهات ما بعد الحداثة.
والمعرض الفني الكبير تحت عنوان »حضور« الذي اقامته وزارة الكنوز الثقافية الايطالية بالاشتراك مع بلديتي مدينة »جزينا« و ميناء »جيزناتكو« البحري في الشمال الايطالي، للفنانة الايطالية باولا ايبفاني والتي تطلق على نفسها اسماً فنياً رومانياً قديماً .
لقد تمكنت راباراما هذه الفنانة الشابة ( مواليد مدينة روما 1969) التي تنتمي لعائلة فنية معروفة في الوسط الثقافي والفني الايطالي، من إعادة صياغة اشكال الواقع بأساليب ذكية ومشغولة بعقلية مغامرة ويد جريئة ومهنة رصينة، لم تقتصر على تمثيل الواقع كما هو، بل أخذت من خلال منحوتاتها التي تنشد النشوة والتماهي، باختيار من بعض جوانب هذا الواقع أو مظاهره، مدلولات جديدة.
لتقترب هذه المنحوتات وهي تراعي في بنائها الاكاديمي قواعد الهارموني التقليدية والتجسيد التمثيلي، إلى قلب الناس المارة دون وسائط لشرح فكرة العمل وتوجهاته، تتوسل بالعين أولا، وبالمفردات والإشارات البصرية الملونة التي الفت بناءه . كل عمل فني من هذه الاعمال الجميلة الملونة يمثل موضوعا يتباعد أو يتنابذ أو يتجاوب مع الآخر.
وفق حساسية جديدة وبتأمل دقيق لعناصر من الطبيعة، تستخلص الفنانة «راباراما» من المرئي والمحسوس مجموعة مفردات وعلاقات تؤلف بها مساحتها الجمالية التي لا تتوارى خلف ملامح الأشكال المرئية في الواقع، بل انها جعلت شرط البناء الاكاديمي التعبيري لازما لاي انجاز قائم على فكرة البحث. انها وسائل للتعبير عن اوضاع لمعان وفلسفات عميقة تمثلها حركة جسد الانسان، وكل جسد حري بالفتنة التي تلوح على سطحه المتحرك، وبزخرفته اللونية البراقة وكأنه يطير في فضاء فسيح بلا حدود.
فهذه الفنانة تدعونا بخطابها البصري التشكيلي، إلى الاقتراب من معان انسانية نبيلة وراقية تسمو بذائقتنا الحسية، وتحملها على الدخول إلى عوالم مفعمة باشراقات الشكل والوانه المبهجة التي تستلهم من كل الاطياف الضوئية المحيطة بهذه الأعمال وهي تحتل الفضاءات المفتوحة، لتحقق لنفسها ثراء وتميزا، وتجعل المتلقي وهو ينظر اليها ويلامسها باصابعه باجلال، وكأنها تكثيف وتكيف مرن لبسط الملامس المتنوعة بما يضفي على السطح حيويته الظاهرة .
اعتمدت في اعمالها الفنانة راباراما على ابراز الشكل على اكمل وجه، متمسكة بالقواعد الدقيقة والصارمة للمنظور، تحمل شبابا على شيء من الطيش تماما كما يمكن الانسان ان يتصور ما يجب ان تكون عليه وهي تحتل الساحات والشوارع وقاعة العروض في مركز المدينة، قصدت الفنانة من خلالها، خلق اساليب جديدة في هذه الشخوص اعتمدت على عنف حركة الجسد التي ترسمها فلسفة اليوغا، بألمعية بارعة تدل على فهم عميق بكل تفاصيل الجسد البشري ووظائف اعضائه الخارجية، بطريقة يصبح معها الجسد كله احيانا حركة واحدة شاملة.
وصلت مهارات راباراما إلى استعمال الالوان المقسمة بمساحات تحمل اشارات ورموز زخرفية ملونة، وحروف لاتينية متسقة، وخطوط سوداء متساوية فاصلة للتشكيلات الزخرفية، إلى اثارة الدهشة، وهو اول ما يسترعي انتباه المشاهد حين ينظر إلى وسائل تنفيذها من مادة البرونز المغطاة بالسيراميك.
ومن المؤكد انها حصلت على هذه الدقة من الخطوط البارزة بواسطة استعمال تقنية سيراميكية متطورة على سطوح اعمالها، فعكست الاعمال الكبيرة والصغيرة على السواء قدرة فنية رفيعة تضافرت مع الدقة في التنفيذ مما جعل العديد من اعمالها تتقدم إلى قلب المشاهدين .
اما مجموعة اللوحات الزيتية والتخطيطات الملونة جنبا إلى جنب مع عدد من الاعمال النحتية الصغيرة التي احتوتها قاعة العروض الفنية التي فتحت ابوابها الكبيرة على احدى الساحات المطلة على بحر الادرياتيك واجتمعت في وسطها ثلاثة اعمال نحتية كبيرة الحجم، فقد نفذتها الفنانة وهي مشغولة بالالوان وكأنها تخطيطات اولية مرحلية ملونة لمشاريع انصابها النحتية، تجتمع الاضداد بها ايضا، حيث تلتقي الطبيعة وما تسويه يد الفنانة الماهرة، في مساحة واحدة.
التعبير البسيط
تمثلّ راباراما اتجاها يعكس ما بلغه الفنان الايطالي لأقصى حافات الوعي وتجاوز محدوديات العطاء والمادة، ومستنبطا نموذجا روحيا يضفي على صفات منجزه الفني طابع الإحساس بالتسامي، ليمثل بصنيعه الفني حالة ارتقاء بالحياة من التعبير البسيط إلى العاطفة العلوية وهي تخط حروفها بصفحات الذوق الإنساني المتعدد.
لقد عبرت هذه التجربة المتميزة عن رفض الفن اللاشكلي والتجريدية، مستمدة عناصرها من البنية الواقعية لجعلها في متناول الجميع، من خلال ما استمدته الفنانة من موضوعات تنتسب للمثيولوجيا القديمة وفلسفة اليوغا بمختلف مضامينها ومظاهرها.
تنظيم الفراغ
راباراما هذه الفنانة المعروفة لها اعمال فنية في اليابان وهولندا والصين والولايات المتحدة وسويسرا والمكسيك والارجنتين ومدن ايطالية متعددة، واقامت عشرات المعارض في كبريات مدن العالم، واقتنت لها عدة متاحف عالمية مجموعة من اعمالها الفنية، عكست في تجاربها الفنية قدرة متميزة على السيطرة الكاملة والظاهرة على مصادر الحس الفني والعناصر المكونة له، بسمات الرقة والرهافة المطلوبتين لتنظيم الفراغ داخل وحدة الشكل ووضعه في فضاء مفتوح.
موسى الخميسي



