تقوم أسطورة المخرج التشيلي فلسطيني الأصل ميغيل ليتين السينمائية على ثلاثية المهجر والوطن وما يكنه له أبناء جلدته في أميركا اللاتينية وفلسطين من احترام وتقدير لتجربته الفنية، التي رصد إحدى محطاتها الرئيسية الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في كتاب جاء تحت عنوان «مغامرة ميغيل ليتين السرية في تشيلي» ويحتضن بين دفتيه تحقيقا صحافيا حول الزيارة السرية التي قام بها ليتين إلى بلاده بعد 12عاما قضاها في المنفى.

هذه التجربة الإبداعية الرائدة ما كان لها أن تأخذ كل تلك الأبعاد بعيدا عن ذلك الإيمان العميق بأن السينما ابتكار صممه الإنسان ليعكس قضايا المجتمع ويسمو بوضع الإنسان ويدون تاريخ بلاده لا سيما إذا كان الأمر يتعلق ببلد أبتلي بحكم استبدادي وسادت فيه المظالم مثل تشيلي وفلسطين، الأمر الذي يعد نقطة الانطلاق التي تحرك على أساسها الكثير من المخرجين السينمائيين المعاصرين. الذين تمكنوا بجدارة وجسارة من أن يظهروا للعالم الصراعات التي مرت بها أوطانهم، وهذا ما يحيلنا إلى تجربة ميغيل ليتين، السينمائي البارز الذي عرض من خلال بكرات أفلام طويلة وشيقة واقع تشيلي أثناء أسوأ فترة سياسية واجتماعية في تاريخ البلاد، تجسدت في طغيان ديكتاتورية أوغستو بينوشيه، التي حملته على المغادرة والعيش في المنفى.

تلقى ميغيل ليتين، المولود في بلدة بالميا عام 1942، تعليما صارما في المدارس الدينية، بيد أن الأحكام المسبقة التي فرضت عليه لم تمنعه من إخراج فيلمه الأول »المكسورون«، والذي تدور قصته حول المهمشين في بلاده. وفي وقت لاحق برز من موقع كاتب السيناريو المسرحي في جامعة تشيلي، وهناك كتب عدة أعمال جاء أحدها تحت عنوان »الرجل الناظر إلى النجوم«. ومن ثم عمل مخرجا للتلفزيون في محطة الجامعة نفسها، حيث أخرج عدة أفلام وثائقية ذات طابع اجتماعي. في هذه الفترة، بدأ ليتين يكشف النقاب عن السياق السياسي والاجتماعي في تشيلي، حيث يمكن رؤية ذلك بوضوح في فيلم »ابن آوى ناهويلتورو« الذي أخرجه عام 1969 ويروي قصة رجل يقتل أسرته. هذا الفيلم، الذي يعتبر فيلما وثائقيا إلى حد ما ارتباطا بحقيقة وواقعية المأساة التي قامت عليها قصته، وظف أمكنة الجريمة واستخدم حوارات استندت إلى اعترافات القاتل نفسه، الأمر الذي سجل لبداية نشوء تيار أصبح يعرف لاحقا باسم تيار السينما التشيلية الجديدة.

في بداية سبعينيات القرن الماضي، عينه الرئيس الراحل سلفادور الليندي مديرا لمؤسسة »تشيلي فيلم«. وفي أوج فترة الصراع الداخلي على السلطة في تشيلي، أخرج، بالإضافة إلى عدة أفلام وثائقية، الفيلم الطويل «الأرض الموعودة»، الذي يسلط الضوء فيه على معاناة الشعب التشيلي، ما أدى إلى ملاحقته من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لنظام بينوشيه، ولم يبق أمامه من خيار آخر، حتى يبقى على قيد الحياة، سوى المنفى. بعد أن استقر في المكسيك، لم يتوقف ميغيل ليتين عن إخراج الأفلام، التي راحت تكشف تفاصيل الوضع الاجتماعي-السياسي في تشيلي، فكان فيلم «محاضر ماروسيا» عام 1975، الذي يروي فيه قصة تمرد العمال المأجورين في شمال تشيلي والقمع الشديد الذي تعرض له هؤلاء العمال. هذا الفيلم الذي رصدت له ميزانية ضخمة رشح لنيل جائزة أوسكار الأكاديمية لأفضل فيلم أميركي لاتيني.

ومنذ ذلك الحين، اكتسب ميغيل ليتين مكانة خاصة في السينما الأميركية اللاتينية. وهكذا واصل عمله مع توليفات لأبرز الأعمال الروائية، التي يبرز من بينها رواية «بيدرو بارامو» للأديب المكسيكي خوان رولفو التي حولها ميغيل ليتين إلى فيلم سينمائي عام 1983 حمل عنوان »ألسينو والكوندور«، الذي رشح من خلاله للمرة الثانية لنيل جائزة أوسكار.

لكن يبدو أن كل ذلك لم يكن كافيا، ما دفع ميغيل ليتين إلى مواصلة مغامرته الأولى بإصرار على كشف حقيقة القمع الذي عاشته بلاده، لا يعرف طريقا إلى الكلل أو الملل، وهكذا يعود سرا إلى تشيلي عام 1985 بمساعدة مخرجين أجانب وتمكن من إنجاز قصة الديكتاتورية، التي عرض لها في الفيلم الوثائقي »محضر تشيلي العام« 1986، هذا التفاني والإخلاص المطلقان ألهما غابرييل غارسيا ماركيز ودفعاه إلى كتابة روايته »مغامرة ميغيل ليتين السرية في تشيلي«، التي سرعان ما تصدرت قوائم الكتب الأكثر مبيعا على مستوى العالم.

يشكل كتاب ماركيز هذا حدثا فريدا في تاريخ العمل الإبداعي عموما، فلقد جرت العادة على تحويل الأعمال الروائية المكتوبة إلى أعمال سينمائية مرئية-مسموعة، بينما نجد المخرج التشيلي، في هذه الحالة، يمد أحد أعظم كتاب أميركا اللاتينية والعالم المعاصرين بمادة دسمة ومثيرة تعينه على وضع مؤلف يقع في 189 صفحة.

وتشير تفاصيل هذه المغامرة السرية إلى أن بينوشية وضع، بعد مرور 10 سنوات على استيلائه على السلطة عن طريق انقلاب عسكري أطاح بحكومة سلفادور الليندي المنتخبة ديمقراطياً في تشيلي- وضع قائمة بأسماء المنفيين الذين بات من المسموح لهم العودة إلى تشيلي، لكن اسم ميغيل ليتين لم يكن موجودا في تلك القائمة، وإنما في قائمة أخرى فيها أسماء أشخاص يحظر عليهم زيارة البلاد، ما دفع ليتين على الاقتناع بأن الطريقة الوحيدة للعودة إلى وطنه العزيز هي استخدام جواز سفر مزيف ومهنة وذريعة مزيفتين وحتى برفقة زوجة مزيفة أيضاً.

أثناء زيارته، قام ليتين الذي انتحل شخصية رجل أعمال من أوروغواي بقيادة ثلاث فرق تصوير لعمل فيلم وثائقي حول الحياة في تشيلي في ظل الديكتاتورية، كما صور مقابلات مع تشيليين عاديين ومع أشخاص من حركة المقاومة الذين كانوا يعملون بصورة سرية، وحصل ليتين على مقابلة مع أحد قادة حركة التمرد بعدما اقتيد معصوب العينين إلى مستشفى سري كان يعالج فيه القائد الثوري بعد أن تم تحريره من مستشفى عام أدخل إليه لمعالجة الإصابات التي تعرض لها جراء محاولة لاغتياله على يد شرطة بينوشية السرية.

ليتين ينجح في مهمته ويغادر تشيلي في لحظة كانت السلطات التشيلية قد اكتشفت وجوده في البلاد وكان هناك مخبرون يراقبونه في المطار.وكان الهدف من إخراج الفيلم الوثائقي يكمن في تبيان الممارسات القمعية الوحشية في ظل الحكم الديكتاتوري وفضح نظام بينوشيه وإحراجه أمام العالم بالكشف عن شبكات الشبان الذين كانوا يعملون في تشيلي لإسقاط الديكتاتورية.

تم نشر الكتاب عام 1986، وفي فبراير 1987، اعترف وزير الداخلية التشيلي بقيام وزارته بحرق 15 ألف نسخة من الطبعة الأولى من « مغامرات ميغيل ليتين السرية في تشيلي» في 28 نوفمبر 1986بحضوره وبأوامر من أوغستو بينوشيه نفسه.

تمكن الشعب التشيلي بانتصاره على النظام الاستبدادي عام 1990من إعادة ميغيل ليتين بصورة نهائية إلى بلاده، كما مكن العدالة من أن تأخذ مجراها بالسماح لإنسان ملتزم بالعيش بحرية على أرض وطنه. الجدير ذكره في هذا المقام هو أنه على الرغم من تلك المعاناة والملاحقة.

تمكن ميغيل ليتين من صنع أفلامه السينمائية بعيدا عن الرقابة وكل ما يبتغيه هو التعبير عن الرأي والترويح عن النفس وإظهار ما يجري للعالم عموما وما يجري للإنسان في الواقع الذي يعيش فيه يوما تلو آخر. ذلك الالتزام بإنقاذ الحياة نفسها عن طريق السينما هو الذي يسجل لليتين على صدر صفحات تاريخ السينما في أميركا اللاتينية والعالم.

ذلك الالتزام بالشأن العام وبقضايا وهموم الناس وبالوقوف في وجه الظلم، أي ظلم بغض النظر عن جنسيته وهويته، قاد ميغيل ليتين في رحلة العودة إلى موطن أجداده في فلسطين المحتلة، هناك في بلدة بيت ساحور، التي شكلت مسرح فيلمه الشهير «القمر الأخير»، الذي يتناول قصة وطن يرزح تحت الاحتلال ويدعو إلى إقامة سلام عادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين وزرع بذور المحبة بدل الكراهية في الأرض المقدسة.

في لحظة ما من الدقائق ال105 التي يستغرقها فيلم «القمر الأخير»، تظهر امرأة ضربت بوحشية (فرانسيسكا ميرينو) وهي منقادة إلى غرفة قديمة من الحجر يعلق ليتين على هذا المشهد بالقول: »ذلك المنزل هو منزل والد جدي»، وهذا انعكاس واضح لأن المسألة برمتها تعتبر بالنسبة لمخرج «ابن آوى ناهويلتورو» جزءا من التاريخ الشخصي للعائلة.

يروي الفيلم قصة صداقة تجمع بين الفلسطيني سليمان واليهودي جاكوب في مطلع القرن. لكن وعلى الرغم من أن قصة الفيلم هي من نسج الخيال، إلا أنها، بلا شك، تولد من رحم عائلة ليتين، التي وصلت إلى تشيلي في بداية القرن التاسع عشر من فلسطين التي كانت أوضاعها متأزمة، كما أن تشيلي حاضرة بقوة في » القمر ألأخير » أيضا.

جوائز

منحت فرنسا المخرج ميغيل ليتين وسام الفنون والآداب عام 1986 وفي عام 2002 منحته المكسيك ميدالية النسر الذهبي تقديرا لمساهماته في مجال السينما، بعد انتهاء فترة حكم بينوشيه الديكتاتوري، عاد إلى تشيلي وتولى منصب عمدة بلدته بالميا لفترتين متعاقبتين، أفلامه السينمائية شاركت في العديد من المهرجانات وفازت بالعديد من الجوائز وتعد علامات بارزة في السينما التشيلية بشكل خاص وسينما أميركا اللاتينية بشكل عام.

وجهة نظر

جنسية السينمائي ترتبط بالمكان الذي يصور فيه أفلامه، فالتكنولوجيا السينمائية متماثلة في كل مكان بالعالم، الفرق هو في وجهة النظر ومتى وأين ولماذا تضع الكاميرا في هذا المكان؟

باسل أبو حمدة