الكاتب يوسف القعيد واحد من أبرز الأصوات الإبداعية المصرية التي تركت بصمة واضحة في المشهد الروائي المصري والعربي بشكل عام ، لا يزال يحتفظ ببراءته الريفية ويتمسك بها إلى درجة الجهر والاعتراف بأنه يشعر بالتحرر مجرد أن يشم نسمة هواء آتية من الحقول.

ويعترف أيضا وأيضا أنه كان مرغما على العيش في القاهرة كل هذه السنوات، وهو يعتقد أن القرى خلقها الله ، والمدن صنعها البشر، وتحدث عن معرفته بالكاتب نجيب محفوظ الذي اختلف معه بالعديد من القضايا الا أنه يبقى المثقف الوحيد الذي لم يضع قدمه في أية سفارة أجنبية. عن هذه المسائل وغيرها كان هذا الحوار التالي نصه مع الكاتب والصحافي يوسف القعيد: هناك من يعتقد أن الروائي عندما يكون صحافيًا يفتقد فرصة الإبداع الروائي ما صحة هذا الكلام ؟

- مثل هذا الحديث يشبه الأكلشيه عند بعض الصحفيين الأدباء، لكن الحال عندي يختلف، فقد استفدت كثيرًا من العمل الصحفي لأنه مكنني من أن أضع قدمي فوق كل شبر في أرض مصر، كما أمدتني الصحافة بتقنيات أفادتني في كتابة الرواية مثل الاختزال في الكتابة.

وتعلمت أن الاجترار أخطر ما يهدد الجملة الروائية، وأنا أؤمن بالعبارة التي نقلها »جارسيا ماركيز« في »ارنست هينج داي«: »الصحافة تناسب الروائي تمامًا بشرط أن يعرف الوقت المناسب لتركها، وفي اللحظة المناسبة يفعل ذلك وليس قبلها ولا بعدها«، وأنا حاليًا أكتب رواية لا أعرف منها إلا عنوانها »الشقيقات الخمس«، أتناول فيها قصة تركي للصحافة.

يتهم البعض جيلك بالاعتماد على لغة كلاسيكية في الكتابة وأن الجملة الروائية لم تتطور لديكم؟

ليت لغة الأجيال الحالية تكون كلاسيكية، مشكلتنا أننا نكتب في زمن تراجعت فيه اللغة العربية بشكل مطلق، طه حسين لا يقرأ له الآن على المستوى الجماهيري سوى كتابه »الأيام«، وأعترف أن اللغة العربية تراجعت في حياتنا كثيرًا، ومن يتكلم بالفصحى الآن أقل القليل، فمن المحزن أن أرى ابني وابنتي عندما تبدأ المسلسلات التاريخية يبادران بغلق التليفزيون كي لا يصدعا رأسيهما بمسلسلات اللغة العربية.

بعض الروائيين يعبرون عن غضبهم من الإخلال برواياتهم عند تحويلها إلى أعمال سينمائية.. فهل واجهت رواياتك السينمائية المشكلة نفسها؟

بل لقد أضاف تحويل ثلاث من رواياتي لأعمال سينمائية إلي الكثير، مع اعترافي بأنها تعرضت لبعض التعديلات لأن الفيلم السينمائي يختلف عن النص الروائي، وأنا مؤمن بما قاله نجيب محفوظ عن أنه مسؤول عن روايته فقط، أما في حالة تحويلها إلى عمل سينمائي فصناع الفيلم يصبحون المسؤولين عن فيلمهم.

هذا بصفة عامة .. فما الذي لم يعجبك في بعض أعمالك بعد تحويلها إلى أعمال سينمائية؟

مثلاً في روايتي »الحرب في بر مصر« التي أصبحت بعد ذلك فيلم »المواطن مصري« كانت قضيتي الجوهرية أن حرب أكتوبر صنعها فقراء مصر بدمائهم وأرواحهم، لكن الأغنياء حولوا الأنظار عنها لمشروع استثماري، وعلى الرغم من محاولات عمر الشريف لتشويه هذه القضية، إلا أنها وصلت لدرجة أن عمر الشريف مازال يعلن ندمه على قيامه ببطولة »المواطن مصري« حتى الآن.

وأنا أيضًا لم أكن سعيدًا عندما قرروا إسناد البطولة له، لدرجة أنني رفضت السفر لباريس لعرض فكرة الفيلم على عمر الشريف، وأعلنت ذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده منتج الفيلم، كانت أسباب رفضي اعترافه بأنه حينما وصل إلى هوليوود العام 1968 تمنى ألا يعود إلى مصر مرة أخرى.

هذا يجعلنا نتساءل عن رؤيتك للمشهد السينمائي والغنائي حاليا؟

السينما المصرية الآن لا تسر عدوًا ولا حبيبا، حالها لم يكن بهذا القدر من السوء في أي مرحلة سابقة، والمشكلة أن الخصخصة التي فرضها »الغرب« على الحكومة الحالية في مصر جعلتها تبيع الاستوديوهات ومعامل التحميض ودور العرض، حيث تخلت مصر عن أهم صناعة في تاريخها بعد غزل القطن ونسجه، وتركت هذه الصناعة لرؤوس الأموال الخاصة التي لا يعنيها إلا الربح والربح ثم الربح.

وماذا عن المشهد الغنائي؟

يوجد عدد محدود من الأصوات النسائية والرجالية تمتلك موهبة غنائية حقيقية، فمن الرجال علي الحجار ومدحت صالح وهي أصوات لا تقل من حيث خامة الصوت عن عبدالحليم حافظ، ومن الأصوات النسائية أمال ماهر وأنغام، وصوت أمال ماهر لا يقل من وجهة نظري عن صوت أم كلثوم، بل ربما يتفوق عليه من حيث الخامة.

وأم كلثوم عندما جاءت إلى القاهرة وجدت مصر كلها تقف بجوارها وزللت أمامها كل العقبات ابتداءً من طلعت حرب رائد الاقتصاد وانتهاءً بالشيخ مصطفى عبدالرازق رائد الفلسفة الإسلامية، لكن امال وجدت الملحنين ولا داعٍ لذكر الأسماء »حتى لا يجرونا للمحاكم«، يأخذونها لتغني في الحفلات الخاصة، فلم تجد أمامها سوى تقليد أم كلثوم، وتقليد مطربة كبيرة لا يصنع مطربة جيدة أبدًا، وتكون بذلك مصر فقدت أم كلثوم جديدة إلى الأبد.

كنت أحد المقربين للأديب »نجيب محفوظ«.. فكيف بدأت علاقتكما، وما فيها من ذكريات؟

عندما جئت من قريتي في ستينات القرن الماضي كان نجيب محفوظ الأديب الوحيد في المشهد الثقافي المصري الذي يمكن أن يراه الإنسان على المقهى، حصلت على رقم تليفونه من الدليل، وهو نفسه حتى هذه اللحظة لم يتغير فيه إلا الثلاثة أرقام الأولى، واتصلت به وقدمت نفسي إليه، وطلبت مقابلته، لم يسألني عن شيء، بل أعطاني موعدا وهو يوم الجمعة التالي في مقهى ريش، ذهبت وسلمت عليه، قال لي »شد كرسي واجلس« وطلب لي فنجان قهوة.

وقال لي »إذا تكرر حضورك اعزم نفسك«، لم يكن بخيلاً، لكنه كان حريصًا حرص العرب العادي. وأذكر عندما كنت أعد كتابي مع محمد حسنين هيكل »عبدالناصر والمثقفون والثقافة« حكى لي قصة عن نجيب محفوظ، قال إنه فكر في ضم نجيب محفوظ لكتّاب الأهرام، وأرسل له »علي حمد الجمال« لمقابلته.

وكان يوم عيد ميلاد إحسان عبدالقدوس وتعمد الجلوس بجوار نجيب محفوظ، وقال له عن رغبة هيكل في ضمه إلى كتّاب الأهرام، فكان رده: »مش لما أكمل خدمتي في الحكومة علشان أضمن المعاش للبنات«، وعندما نقل رد نجيب محفوظ لهيكل أندهش بشدة، وقال »معاش إيه اللي بيفكر فيه الراجل ده« وهى قصة تعكس حرص نجيب محفوظ.

ورقة صغيرة

أهم صفات نجيب محفوظ من خلال تجربتك معه؟

تعرفت إليه قبل خمسين عاما، واستمرت علاقتنا حتى 30 أغسطس 2006، وأشهد أنه إنسان شديد الرقي يهتم بأصدقائه، يأخذ الكتابة بأكبر قدر من الجدية والمثابرة، ولا يوجد كاتب من أبناء جيله عرق من أجل الكتابة مثله، كان حريصا أن يكون لديه عمل كل سنة.

وأذكر أننا فوجئنا به مرة يقول لنا إنه لم يجد موضوعًا يكتبه هذا العام فجمع عددا من الشخصيات وكتب عنها، ومنها خرجت روايته القصيرة »المرايا«، لذلك ترى أنه حتى آخر لحظة من عمره لم يتوقف عن الكتابة أثناء فترة النقاهة، وعندما فقد القدرة على القراءة قال لي »متعتي في قراءة الرواية تفوق متعتي في كتابتها«.

هل اختلفت معه في بعض الأفكار أو الآراء؟

اختلفت معه في أمور كثيرة جدًا، لكنه لم يغضب، كان ليبراليًا حقيقيًا، وهو الوحيد الذي رفضت بعض مواقفه، لكني لم أكرهه أبدًا، مثل خلافنا في عروبة مصر، وتقييم فترة عبدالناصر، والعلاقة مع العدو الإسرائيلي، لكن يجب علينا أن لا ننسى أن نجيب محفوظ هو المثقف الوحيد الذي لم يضع قدمه في أية سفارة أجنبية أبدًا في حياته.

القرية، ما الذي تركته من أثر عليك، وماذا عن المدينة؟

أنا فلاح، قضيت في قريتي »الضهرية« ال20 عاما الأولى عن عمري، وهى فترة تكوين وعي أي إنسان، كنت أريد بعد أن جئت للقاهرة وقضيت 9 سنوات فيها مجندًا في القوات المسلحة المصرية أن أعود إلى قريتي وأعيش فيها.

وأكتب عنها من خلال المعايشة اليومية لأن أول أديب رأيته في حياتي رؤى العين كان يجلس وسط الفلاحين في قرية كفر »بولين« مركز كوم حمادة محافظة البحيرة، يرتدي الجلباب الفلاحي و»البُلغة« وبيده عصا معقوفة، وهو بهذه الصورة أعجبني جدًا لدرجة أنني قررت عند العودة لقريتي بعد انقضاء فترة الجيش أن ألبس جلبابا وأعيش وسط الفلاحين.

وهل فعلت؟

بعد صدور روايتي الأولى »الحداد« أهديتها للمرحوم الكاتب أحمد بهاء الدين، وسألني ماذا سأفعل في حياتي بعد فترة الجيش؟! فأعربت له عن رغبتي في العودة إلى قريتي، ضحك بشدة وأخذ ورقة صغيرة من أمامه كتب فيها قرارًا بتعييني بدار الهلال، وقال لي لو غيرت رأيك عد بها إلى هناك.

عدت إلى قريتي، وبعد فترة اكتشفت أن القاهرة اختصرت مصر كلها، والقرية ليس بها دار نشر، ولا يوجد مثقفون، وهكذا عدت إلى القاهرة وأنا مؤمن بعد كل هذه السنوات التي عشت فيها بالقاهرة كنت مرغمًا، وعلى الرغم من اقتناعي بأن القرى خلقها الله، لكن المدن بناها البشر، وأصارحك بأنني لا أحب المدينة وعند زيارتي لقريتي ما أن أشم أول نسمة هواء آتية من الحقول حتى أشعر بالتحرر.

خدمة (دار الإعلام العربية)