إذا كانت الفراشات تنجذب للضوء مسحورة به لتسقط مضرجة بألوانها فإن الفنانين يعيدون اكتشاف أرواحهم في حضرة الضوء. إنه الضوء، هذا ما أجمع عليه الفنانون التشكيليون الأجانب الذين شاركوا في مهرجان «المحرس» الفني الأخير، الذي يقام في مدينة المحرس التونسية.

هذه الإجابة قد لا تكون جديدة أو مفاجئة، فقد سبقهم إليها الكثير من الفنانين المستشرقين الذين جذبهم الضوء في منطقتنا العربية وخاصة «المغرب العربي» ودعاهم للعيش فيها، وحرضهم على تخليدها وتخليد أنفسهم بأهم وأجمل الأعمال الفنية. فقدر الفنان أن يغوى بالضوء ليحيا به، لا أن يموت كما تفعل الفراشات. إلا أن نجاح مهرجان «المحرس» واستمراره منذ 21 عاماً لا يمكن أن يكمن في الضوء فقط، فلا الضوء ولا الجغرافية ولا الإمكانيات، يمكنها أن تضع مكانة متميزة لأي مهرجان أو مدينة، ما لم يكن هناك إنسان مسكون بصنع تلك المكانة، مهما كانت الإمكانيات، فمدينة المحرس التي تقع على المتوسط وتربط شمالي تونس بجنوبها صغيرة.

ولا يتجاوز عدد سكانها 30 ألفاً، وما كان لها أن تحقق هذه المكانة لولا القائمين على المهرجان الذي جاء تعبيراً عن عشق جارف للفن ولمدينتهم، عشق عشش طويلاً في أرواحهم، وانتقلت عدواه إلى أبناء المدينة كلها وتجلى كثيراً في كلام ضيوفهم من الفنانين المشاركين في المهرجان. في هذا الصدد، يقول رئيس المهرجان الفنان يوسف الرقيق وهو القادم من المسرح إلى التشكيل منبع الفنون واحدة، كل ما فعلته أنني غيرت أدواتي ونقلتها من المسرح إلى الرسم، فكان هذا المهرجان لمسة وفاء لمدينتي التي تنسمت فيها أولى روائع الفن والجمال، والتي أضاءت روحي منذ الصغر.

نبرة الشغف والحب ظلت واضحة في كلام الكاتب العام للمهرجان إسماعيل حابا عن المهرجان عندما قال: «نحن جميعاً من موظفين وإداريين ومضيفين نعمل متطوعين تقديراً للفن ووفاءً لمدينتنا، لا ننتظر مقابلاً، ما يهمنا هو أن نرى السعادة على وجوه ضيوفنا الفنانين، الذين يزينون مدينتنا ويضيئون أرواحنا بإبداعاتهم، وأن نرى مدينتنا تكبر بهذا المهرجان عاماً بعد عام، وأن نرتقي بمستوى التذوق الفني لدى أبناء المحرس الذين تجاوبوا معنا ومع ضيوفنا المبدعين خير تجاوب«.

حارس المدينة

الفنان السويسري الذي استضافه المهرجان في إحدى دوراته، ترك عملاً نحتياً استوحاه من اسم المدينة وسماه «حارس المدينة» وهو عمل بسيط ومعبر أجمع عليه كل الذين شاهدوه وتعلقوا به، فتقرر أن يكون هذا العمل هو شعار المهرجان الدائم «حارس المدينة».

إلا أن القائمين على المهرجان أدخلوا، هذه المرة، في عشقهم للفن، فاختاروا له عنوان «المدينة الحديقة» فكان منسجماً مع المدينة وحديقتها التي تعج بمنحوتات الفنانين، الذين مروا بها تاركين توقيعاتهم ومحملين بانطباعات جميلة عن المهرجان والمحرس لينقلوها إلى بلدانهم وهم مطمئنون على أعمالهم يقول أحد أبناء المدينة: «بالماء نسقي الأشجار لتنمو، وهذه المنحوتات الجميلة تسقي أرواحنا لينمو حبنا للفن ونتذكر ضيوفنا الذين قالوا كلمتهم (النحتية) ومضوا.

من الواضح أن القائمين على المهرجان يحرصون في كل دورة من دوراته على تجديد دمائه وتنويعها، ومما يدل على هذا التنوع أعلام الدول المنتصبة في الشارع الرئيسي الموازي للبحر وهي بعدد الفنانين المشاركين القادمين من إيطاليا وفرنسا وإسبانيا ومصر والإمارات وسوريا والجزائر.

وقد أضفت تلك الأعلام على المهرجان صفة عالمية ودولية، ودلت على تنوع مدارس الفنانين وأجيالهم وإنجازاتهم، وهو ما يدعو إلى التساؤل عن المعايير التي تتم بواسطتها دعوة الفنانين، إذ يقول حابا: نحن نتواصل مع نقابات الفنون الجميلة في أغلب الدول لترشح لنا أسماء الفنانين المشاركين، إلا أننا لا نستطيع إلا أن نفتح صدورنا لبعض الفنانين الذين يأتون إلى تونس.

وبالتالي إلى المهرجان بشكل شخصي بناءً على ما سمعوه من خلال أصدقائهم أو قراءاتهم عن المهرجان، فيقطعون المسافات الطويلة ليعبروا عن حبهم لنا ولبلدنا وللمهرجان ومن خلال أعمالهم التي سيتركونها في حديقة المحرس وهي المحروسة بعيون وقلوب أهل المحرس.

تخللت المهرجان ندوات عن الفن ودوره الكوني، وتحدث فيها عدد من الفنانين المشاركين وشكلت محور المهرجان على مدى 4 أيام. كما تخلل تلك الندوات تكريم الفنان السوري بشار عيسى المقيم في باريس منذ 25 عاماً، وقد تحدث عن تجربته الشخصية داخل وطنه وخارجه قائلاً: إنني سعيد بهذه المشاركة في هذا المهرجان المتواضع مادياً، والكبير معنوياً وفنياً، والذي يتميز باستمراريته وأجوائه الحميمين، والتي تفتقدها الكثير من المهرجانات الكبيرة جداً والتي زرت معظمها، ولكن للمحرس نكهة خاصة تراها مرسومة على وجوه القائمين على المهرجان وأهل المدينة الطيبين والذواقين.

وقد جرى الاحتفاء بالفنانة الإماراتية كريمة الشوملي التي تشارك في المهرجان للمرة الأولى، فقد عرضت عملاً فنياً فوتوغرافياً لافتاً مؤلفاً من ست لقطات تقاسمها شاب وفتاة باللباس الإماراتي المميز، ثلاث لقطات لكل شخص مطبوعة بالأسود والأبيض تحت عنوان «صرخة الصمت»، وقد أرادت الفنانة أن تصرخ فنياً بأعلى صوتها في هذه الجهة من العالم النائم الصامت تقول كفاكم فالصمت عار عليكم.

تقول كريمة الشوملي: «أنا فخورة بمشاركتي وهي الأولى لأنني قدمت صورة إيجابية ومشرفة للفنانين وخاصة الأجانب عن دور ومكانة المرأة الخليجية والإماراتية بشكل خاص، وخاصة أن الإمارات باتت لها سمعة طيبة على مستوى العالم بتلك النهضة العمرانية والإنسانية خلال السنوات القليلة وبسرعة الصاروخ».

وقد شاركت الشوملي في الندوات وتحدثت عن تجربتها الشخصية ودراستها وأسفارها وطموحها الذي لا يتوقف عند حد، وعبرت عن فرحتها بهذه المشاركة بالقول: «كم كنت سعيدة عندما رأيت علم الإمارات يرفرف في سماء المهرجان، فالفن والحضارة خير ما يقدم بلدنا للعالم».

الحلم

على الرغم من أهمية هذا المهرجان فنياً وثقافياً، إلا أن القائمين عليه يتطلعون إلى إقامة مجمع ثقافي فني متكامل يتيح عرض الأعمال الفنية (نحت ورسم) بدلاً من تخزينها. ويحتوي المجمع على غرف مجهزة للضيوف وصالات عرض ومتحف دائم، كما تقام فيه ورشات خارج المهرجان، يقول حابا: «لقد حصلنا على الأرض التي تكرم بمنحنا إياها مشكوراً رئيس البلدية رجب الطرابلسي، وقد تم وضع المخططات اللازمة والتصميمات الداخلية للمجمع، إلا أننا مازلنا ننتظر الدعم والتمويل اللازمين لتحقيق هذا المشروع الحلم».

بقي أن نقول إن المهرجان الذي تأسس في عام 1988 ينعقد في شهر يوليو من كل عام، وقد تم عرض أكثر من 4000 عمل فني وتنظيم 150 ندوة فنية فيه وتنظيم معارض داخل تونس وخارجها.

عمل تطوعي

نبرة الشغف والحب ظلت واضحة في كلام الكاتب العام للمهرجان إسماعيل حابا عن المهرجان عندما قال: «نحن جميعاً من موظفين وإداريين ومضيفين نعمل متطوعين تقديراً للفن ووفاءً لمدينتنا، لا ننتظر مقابلاً، ما يهمنا هو أن نرى السعادة على وجوه ضيوفنا الفنانين، الذين يزينون مدينتنا ويضيئون أرواحنا بإبداعاتهم، وأن نرى مدينتنا تكبر بهذا المهرجان عاماً بعد عام، وأن نرتقي بمستوى التذوق الفني لدى أبناء المحرس الذين تجاوبوا معنا ومع ضيوفنا المبدعين خير تجاوب«.

حسن ادلبي