تختلط العصور وتتقاطع الثقافات بأحلى صورها في مقهى «النوفرة» الذي يتوسط قلب دمشق منذ أكثر من مئتي عام شاهدا حيا على تحوّل أنماط التسلية والسمر في أقدم عاصمة مأهولة عرفها التاريخ، فهذا المقهى الشعبي الذي مازال يحتفظ بعبق التراث في طراز عمارته وأثاثه احتفى على مدار السنين بالفنون العريقة.
فقدّم إلى رواده الكثر عروض خيال الظل في السابق، وأحيا ظاهرة الحكواتي في الوقت الحاضر، وجمع ما بين الأهالي من مختلف الطوائف والشرائح الاجتماعية إلى جانب السيُاح من كافة أنحاء العالم، إنه مكان جميل للاسترخاء واللقاء والتعارف والتلقي، ومن زاره ذات مرة لا بد أن يعود إليه ثانية لمذاقه الخاص وسحره الآسر.
لم تُوثق كتب التاريخ زمن قيام مقهى «النوفرة»، لكن للمكان ذاكرته الشفوية التي تناقلتها أجيال الزبائن أبا عن جد، وكما ذكر لنا أحمد (أحد ورثة المقهى) فهو أقدم مقاهي دمشق وأعرقها، وقد تم بناؤه قبل حوالي مئتين وخمسين عاما، ولا يُعرف من الذي أنشأه ومن توارثه من بعده، لكن ملكيته آلت إلى الحاج أحمد صالح الربّاط في النصف الأول من القرن العشرين، ومازال أولاده يديرون المقهى حتى يومنا هذا.
سُمي المقهى بـ «النوفرة» تيمنا باسم المنطقة التي أُقيم فيها، وهي المنطقة الممتدة ما بين الباب الشرقي للجامع الأموي وحي القيمرية، وقد سُميت كذلك نسبة إلى نافورة ماء بطول مترين أو أكثر كانت تنبثق من بركة تظللها عريشة من أوراق العنب وتقع قبالة المقهى، غير أن النافورة جفت بجفاف بردى منذ زمن بعيد، وبقي اسمها عالقا بالمكان، وعلى حد تعبير المؤرخ السوري قتيبة الشهابى: استفاض الرحالون والجغرافيون العرب بوصف محاسن محلّة النوفرة في العصور الوسطى.
موقع «النوفرة» وتفاصيلها
للوصول إلى المقهى من جهة القلعة عليك عبور سوق الحميدية، وهو سوق قديم مسقوف ومكوّن من الكثير من المحّال التجارية المنتشرة على جانبيه، والتي تبيع كل شيء من التحف إلى الأثاث والألبسة الحلوى وما شاكل، وبعد عبور السوق تقطع باحة المعبد الإغريقي، وتتابع السير بمحازاة الجامع الأموي، وحين تبلغ بابه الشرقي الملقب بـ «باب جيرون»، تهبط الأدراج الحجرية العريضة، فتجد «النوفرة» على اليمين.
يتكون المقهى من قسمين: الأول خارجي يقع بمحازاة الشارع، تبلغ مساحته حوالي الثمانية عشر مترا مربعا - حسب ما قال صاحب المحلّ- وهو قسم مسيّج بالنباتات، ومرصوف بأحجار البازلت السوداء الكبيرة، ومظلل بالعرائش.
أما القسم الداخلي فهو مسقوف، تبلغ مساحته حوالي الستين مترا مربعا، وتزدان جدرانه بالنقوش الإسلامية، والصور الفوتوغرافية التذكارية، والرسوم الشعبية القديمة لعنتر والزير سالم، وفي ركن من أركانه نجد الموقد الخاص بالجمر، وفي الأعلى تصطف النراجيل المفضّضة، بينما يحتل وسط المكان كرس ضخم من الخشب المحّفور، وهو مخصّص للحكواتي الذي يتربع عليه كل مساء لمدة ساعة تقريبا ما بين المغرب والعشاء ليروي على حلقات سيرة عنتر بن شداد والظاهر ببيرس، لكن في ليالي رمضان تبدأ الحكايات بعد صلاة التراويح.
إحياء فن الحكواتي
كما هو معروف فإن الحكواتي هو أبو الفنانين، وهو الشخص الذي يروي القصص أمام الجموع، تارة يجنح به الخيال فيضيف على الحدث تصوراته، وتارة يتقمص إحدى الشخصيات، وأخرى يقرأ بعضا من الشعر أو يغنيه، وقد يطلق العنان لنايه أو ربابته، وهذا الفن العريق الذي انجدلت فيه فنون عدة عاش طويلا في المنطقة العربية منذ فترة ما قبل الإسلام، وعرفته المقاهي والساحات، وتحلّق حوله الناس واختلفوا فيما بينهم بمواقفهم من الشخصيات والأحداث، إلى أن انتشرت وسائل الإعلام المرئية فجذبت الجمهور إليها، ليجد الحكواتي نفسه وحيدا في متحف التاريخ.
غير أن مقهى النوفرة كان رائدا في محاولته لإحياء هذا الفن حين استقدم في عام 1990 الحكواتي رشيد الحلاق ليقص على الزبائن السير الموروثة، وقد سألناه لماذا اختار هذه المهنة؟ فقال: حب المطالعة والسير الشعبية دفعني إلى إحياء هذا التراث الفني الذي كاد أن يندثر تماما، وأفتخر لأني أعدت لهذه المهنة رونقها ومريديها، وبت اليوم انتقل بين عدة مقاه، كي أحكي سير الأبطال».
وهل استطعت أن تنافس شاشة التلفزيون؟ سألناه، فأجاب باسما: «بالطبع استطعت ذلك، فمهما كانت الشاشة مغرية، فإن الحضور الحي أكثر إغراء وجاذبية، وأنا لا أكتفي بقراءة السير، بل أتحرك وأتلاعب بصوتي، وأهز سيفي، وأمارس أسرار المهنة التي تنجح دائما في شد انتباه الحضور».
التحولات
في «النوفرة» الكراسي من الخشب والطاولات المستديرة الصغيرة من الحديد، والكل مصنوع حسب الطراز الشعبي القديم، والنادل يقدّم القهوة والشاي والزهورات والمشروبات الغازية والنراجيل بأسعار أرخص بحدود النصف مما قد نصادفه في المقاهي الأخرى، وقلما تجد مكانا شاغرا في أوقات الذروة، وهي تمتد على مساءات الصيف والخريف والربيع، فهذا المقهى هو الأكثر ازدحاما من بين مقاهي دمشق، وفي هذا المقهى ثمة رواد دائمون لهم نراجيلهم الخاصة بهم، وإليه كانت الفنانة هالة الفيصل تأتي لترسم. وكان المخرج أسامة محمد يرتاده لتدخين النرجيلة.
وهنا أقام الفنان محمود شاهين معرضا للوحاته.. شأنهم في ذلك شأن العديد من المثقفين والفنانين السوريين المتأملين والحالمين، أو الباحثين عن متعة النظر إلى المارين في الطريق من كل صوب وانتماء. وسألنا صاحب المكان (ابن الربّاط) عن التحولات التي طرأت على المقهى، فقال: في السابق كان الزبائن يقتصرون على رجالات الحارة وقبضاياتها، ومنذ أواخر القرن العشرين بدأ المقهى ينفتح على شرائح مختلفة من الزبائن، ثم جاء السيّاح، وفي عام 1996 بدأنا نقدم نراجيل المعسّل للزبائن إلى جانب التنباك، وبدأت النسوة يرتدن المقهى، واليوم بات أغلب الرواد من الشباب والأجانب والسيدات.
أصل التسمية
سُمي المقهى بـ «النوفرة» تيمنا باسم المنطقة التي أُقيم فيها، وهي المنطقة الممتدة ما بين الباب الشرقي للجامع الأموي وحي القيمرية، وقد استفاض الرحالون والجغرافيون العرب بوصف محاسن محلّة النوفرة في العصور الوسطى.
الرحالة السوري قتيبة الشهابي
زبائن وأجيال
منذ أواخر القرن العشرين بدأ المقهى ينفتح على شرائح مختلفة من الزبائن، ثم جاء السيّاح، وفي عام 1996 بدأنا نقدم نراجيل المعسّل للزبائن إلى جانب التنباك، وبدأت النسوة يرتدن المقهى، واليوم بات أغلب الرواد من الشباب والأجانب والسيدات.
تهامة الجندي

