كان في وسع الكثيرين، حتى عهد قريب، وربما حتى الآن، أن يعبّروا عن سخطهم تجاه عبارة ذائعة الصيت في وسطنا، وهي »الهامش«. إن تسمية أيٍّ منهم، ب»الهامشي،« تعني مباشرة نوعاً من الزحزحة المكانية عن الحياة اليومية، مثلما تتضمَّن ذماً لمكانته.
لكن اعتبار أحدهم نفسه هامشياً، بات يشكل مفخرة، وشهادة حسن سلوك تاريخية، حديثاً، حيث لم يعد المتن يغري بالإقامة فيه، أو التنظير له، وكأن المتن يساوي الحقيقة المسمومة، أو الكتاب المسموم الذي ما إن يبدأ أحدهم بتصفحه قليلاً، حتى يودي بنفسه سريعاً، بينما الهامش، صار قبلة النظَّار، ومهبط الشعراء المبدعين، والباحثين عن المختلف، وربما يكون ذلك دقيقاً، عندما يتحدد المتن، باعتباره انغلاقاً على هويته النصية، بينما الهامش يكون قائماً مستقلاً عنه، استشرافاً للحياة الرحبة....
نعم، الهامش ذخيرة المعنى، إنما عندما يكون الهامش هذا مجاوراً للمتن، وإلا لما كان هامشاً، حيث إن وجود نص يحث على التفكير، ولو واقعة مألوفة ومتوارثة ثقافياً، هو الذي يستحضره! يجود الهامش بالكم الوفير من المعاني، بينما المتن، إذ يقبع النص المتداول، أو الرئيس، كما يُسمى، في مكانه، وهو في معرض المساءلة الثقافية، وحتى المحاكمة المنطقية أيضاً، من قبل جملة الذين يلحوُّن على الهامش، في مواجهة المتن، وكأنهم لحظة تسمية أنفسهم بالهامشيين، سرعان ما يكونون في عداد المتبصرين مباشرة، وذلك في حقول أدبية أو معرفية مختلفة..
ليس من نص ثابت، مهما كانت طبيعته، أو نوعيته الأسطورية أو الدينية التاريخية أو الأدبية، أو الفكرية...الخ، وذلك من جهة الموقف الاعتقادي أو حتى الانطباعي، ما كان مقروءاً بالأمس، غيره اليوم، وسيكون غير اليوم غداً، لكن هل يعني هذا وجود وقيعة/ حرب أبدية بينهما؟
يٌبقي الهامش المتروك لكتاب، لقارئ، وليس أي قارئ، يمنح الكتاب قيمة أرحب لنصه المطبوع، ولكنها القيمة التي يستولدها الكتاب! إن السلب والإيجاب، يتداخلان، من جهة تحفيز القارئ على جعل الأثر، أي أثر، مقروءاً دائماً، فالقراءة قابلةُ التاريخ، وكل معاينةً لهامش مكتوب، تستكشف نوعية علاقة معينة، بين صاحب الهامش، وكاتب النص، ولكنهما معاً، يجمعان بين الحضور والغياب: حضور النص المقروء، وغياب القارئ المجهول، وهو قارئ منتج، وقد أضفى على الأثر المقروء طابعاً من الزمنية الخاصة به.
إذاً، الآثار تكون مقرَّرة بهوامشها، وهذه، ترافق المتون، ولكن كيف تقرَأ العلاقة المركَّبة هذه؟ عبر حبٍّ مزدوج، حب ذو لسانين، يحيل كلاً منهما(الهامش والمتن) إلى الآخر، عبر ألفة قادرة على توسيع حدود الزمن، المعنى، الإنسان بالمعنى العام لأي أثر يعنينا، وليس ذهابنا إلى تأمل هامش كتاب مقروء مثلاً، إلا بحثاً عن اكتشاف جديد، عما يقرّبنا من أنفسنا أكثر، لتكون العداوة المسماة ذاتها، وفي حالات الوجد الشديدة بمكاشفة الأثر، فيضاً من الدلالات التي تجدد في حيويتنا وليس سواها.
الذين يوقعون بين الأثر وتاريخه، بين فقرة وأخرى في النص الواحد، بين صاحب الأثر، وما هو منسوب إليه، بجملة لافتة، أو عبارة معينة، على الهامش، ولاحقاً، قد يكون ذلك موضوع بحث معين، كما هو المألوف، إنما يتنكرون لحقيقتهم التاريخية، لأن مجتمعاً معرفياً، مفتوحاً في زمنه، هو الذي يشد كلاً منهما إلى الآخر، وهنا، يمكن الحديث عن النصوص الكبرى في التاريخ، ولكن لا بد من تسمية القراءات «الهوامش الكبرى» التي يضطلع بها، الضليعون في استشراف الأعمق والأثرى فيما يعاينونه.
إن الشعور بالهامشية، فاعل يقظة نفسية، لمعرفة مقام الذات، والبحث عن المتن المناسب، كما هو الشعور بالمتنية، والذي يكون فاعل معرفة قائمة، وأخيراً، وليس آخراً، لا أظن أن أحداً، ودون استثناء، يريد في قرارة نفسه أن يظل هامشاً، إن ادعاء الهامشية هنا وهناك، محاولة لفت الأنظار، ليكون له المتن الذي ليس لسواه، وأن نكون جميعاً، أعضاء لعبة المعرفة متناوبين بين الهامش والمتن، خير ذخيرة لتوليد المعاني التي تعرّفنا بإنسانيتنا!.
إبراهيم محمود
