شكّل معرض الفنانة التشكيلية الفرنسيّة (مارتين سيوتا) الذي شهدته صالة المركز الثقافي الفرنسي بدمشق من 7 سبتمبر إلى 13 أكتوبر الماضي ظاهرة فنيّة جديدة شكلاً ومضموناً، يصعب تصنيفها ضمن حقل محدد من ضروب الفنون البصريّة المعاصرة، ذلك لأن الأعمال الفنيّة (المجسمة والمسطحة) التي ضمها هذا المعرض، تجمع بتآلف لافت، بين مقومات وخصائص فنون الرسم والتصوير والزخرفة والنحت وخيال الظل والمنسوجات.
وتتناول جميعها موضوعاً واحداً هو (المرأة) الواقفة بانتصاب، وذات الهيئة والملامح شبه الواحدة والمكرورة، سواء في المجسمات المنفذة من الخشب والنحاس والزجاج والقماش والرسم البالغ عددها 29 مجسماً، أو في اللوحات المسطحة والمعلقة خلف الأعمال المجسمة (وهي من القماش المخيّط والمنسوج والمطرز) ومشدودة إلى الأسفل بأقراص ملونة من الزجاج متدلية بواسطة الحبال عبر دوائر نحاسية كررتها في القسم العلوي، مثبتة بها اللوحة التي تحولت إلى ما يشبه السجادة المعلقة.اتسم المعرض بطريقة عرض أعماله، والوحدة الشكليّة والمضمونيّة المسيطرة عليه، وبجوه المسرحي الشديد الشبه بما كان يعرف بـ (خيال الظل) مع ملاحظة أن الأعمال هنا ثابتة ومكرورة، هيئةً وتقنيّةً.
وهذا الخيار، لجأت إليه الفنانة (سيوتا) لكي لا تقتصر أعمال معرضها على أنموذج واحد كبير، تُضحي من خلاله بالتفاصيل، في الوقت الذي أتاحت لها عملية تصغير النماذج الإكثار منها، وإمكانية التدقيق في التفاصيل، ودفع المتلقي لمشاركتها في هذه العمليّة. أما النساء اللواتي تناولتهن في أعمال معرضها، فيمثلن نماذج التقت بها خلال مراحل حياتها المختلفة التي أمضتها في جبال (البرينيه) وإفريقيا وباريس وسوريا التي تعيش وتعمل فيها منذ ما يربو على عشرين عاماً. والمعرض هذا (كما يقول فريدريك دوبوا) تحية للنساء اللواتي علّمنها وأحطن بها، واللواتي التقت بهن، واستمعت إليهن، وألبستهن، إي باختصار (النساء اللواتي ساهمن في تشكيلها، واتخذ وجودهن المتنوع، العذب والقوي، شكلاً غريباً، حيوياً وهادئاً في آن).
وهاته النسوة يمكن أن يبدون متيبسات دون حراك، لكنهن يتحركن ويسافرن، وكل امرأة منهن، تمثل بأسلوبها، الاجتثاث من الجذور (الحزن اللامتناهي في أن يكّن بعيدات جداً) وكذلك سعادة المكان البعيد والآخر. بعضهن لم يعدن على قيد الحياة. إنهن، أنهين رحلتهن، لكنهن جميعاً هنا، في هدوء يقظ، يختلط الشرق بالغرب، ويتمازجان في خيوط أعمالها).
ويؤكد (دوبوا) أن الفنانة (مارتين سيوتا) أرادت أن توجه التحية (عبر كثافة أقمشتها لسلطة الجدران الشاعرية، حيث تنحفر انفعالات الشرق الأوسط وقيمه وآلامه. تعيش الفنانة في سوريا، البلد الذي شهد تفتح أولى الأوابد الحضارية، وبالتالي أولى جدران تاريخ البشريّة، لذلك فهي تُظهر ازدواجيّة معنى كلمة جدران، وهو في الآن ذاته، غطاء حماية، وحاجز فصل)!!.
لم يقتصر التمايز وتفرد معرض الفنانة (مارتين سيوتا) على وحدة الأعمال وانسجامها مادة ومعالجةً، وإنما شمل أيضاً، طريقة عرضها، حيث حوّلت صالة العرض، إلى حيزٍ متوافق ومنسجم أيضاً. فالأعمال شبه المجسمة والمجسدة لنسوة واقفات بوضعية واحدة، وطول واحد، والمرتديات لأثواب متنوعة، ويضعن في أكتافهن حقيبة بسيطة (كيس).
وعلى رأسهن قبعة شبيهة بالطربوش الذي استبدلته بالحجاب الذي قدمت نساءها به، عندما عرضت هذه الأعمال في بلادها، كي لا تخلق أي نوع من الحساسيّة أثناء عرضها في دمشق، هذه الأعمال، قدمتها الفنانة على قاعدة (أخذت شكل متوازي مستطيلات) بحجم وارتفاع ولون واحد (بيج غامق) استلته من ألوان الأعمال، يعلوه متوازي مستطيلات صغير منفذ من الموزاييك الدمشقي، وخلف هذه الأعمال المجسمة مباشرة، تنتصب فوق الجدار، لوحات كبيرة، منفذة بتقنية الرسم والتطريز والخياطة، تموج فيها أطياف مختلفة، لنفس النسوة، بنفس الشكل والملامح والوقفات.
ونسوة (سيوتا) ينتمين لأكثر من عرق وبلد. ولأنها استخدمت في تنفيذها الألوان البنية والبيج و(الاوكر) والقليل من الأسود والرمادي والأبيض. أي ألوان الخريف، واستخدمت ستارة خاصة، تحمل نفس الألوان إنما بشفافيّة كبيرة، غطت بها الواجهة الزجاجيّة لصالة العرض، جاءت الأعمال والصالة والستارة والقواعد والإضاءة، في غاية التوافق والانسجام والجدة، ما يضع المتلقي في حالة خاصة تدفعه للتفاعل مع موجودات المعرض، والتعاطف معها، لا سيما مع النسوة اللواتي تأخذ المرأة السوريّة (في الأحقاب التاريخيّة الماضية والمعاصرة) النصيب الأوفر بينهن.
فالفنانة (مارتين سيوتا) التي تعمل في تصميم الأزياء منذ ما يربو على خمسة عشر عاماً، استفادت (كما تقول) في إنجاز أعمال معرضها الأخير، من الفنون البيزنطيّة التي تمازجت فيها فنون الشرق بالغرب وتمخضت عن أسلوب جديد، والتي تمثلها الجداريات الفسيفسائيّة الموجودة في إيطاليا، والمنفذة في الأصل، من قبل فنانين سوريين في وقتها الموغل في القدم.
وأكثر ما لفت انتباه الفنانة (سيوتا) في هذه الجداريات، كبر عيون النسوة، وهو ما شاهدته في وجوه السوريات الحاليات، إضافة إلى تشابه الهيئات والوقفات والحركات التي تناقض ما هو موجود لدى المرأة الغربيّة، التي تفتقد اليوم لمثل هذه السمات المستمرة في المرأة السورية حتى اليوم.
وهو ما حاولت نقله إلى أعمالها، وتجسيده في ملامح ووضعيات نساء أعمالها اللواتي غادر بعضهن الحياة، وبعضهن الآخر يقطع المسافة الأخيرة فيها، وكلهن (كما يبدو) تربطهن بالفنانة (سيوتا) علاقات إنسانيّة رفيعة، تحولن معها إلى جزء أساس من شخصيتها وحياتها، ولهذا جاء معرضها، تحية لهن، وكأني بها، تحاول من خلاله، استعادتهن واستعادة الزمن الجميل، الذي جمعها وإياهن، بغض النظر عن مكان وزمان هذا اللقاء، والطرائق والوسائل التي بنت جسور تواصلها معهن، ما يؤكد من جديد، دفء وحميمية ونبل العواطف والأحاسيس البشريّة الصافيّة، ووحدة الجذر الحضاري الإنساني الذي شابه الخلل، وطاوله العطب، وهددت وجوده، عنصرية وأطماع وقصر نظر البعض!!.
مارتين سيوتا
فنانة فرنسيّة تعيش وتعمل في دمشق منذ ما يربو على عشرين عاماً. درست الفنون في معهد العمارة الداخلية (الديكور) في باريس. عرضت أعمالها في (بيت الشرق) بمدينة (ليون) وبينالي التصميم في (سان اتيين) ومتحف الأشغال اليدوية في مدينة (مرسيليا) وفندق (فونفريد) في (كليرمون فيران) وملتقيات (آرل) للتصوير، وفي المركز الثقافي الفرنسي بدمشق أكثر من مرة. تشارك الفنانة (سيوتا) في عملها مجموعة من المحترفين السوريين أمثال (إيمان عربش، سامر وفادي بطبوطة، وطوني كردي).
د. محمود شاهين

