يعتبر المخرج والمنتج وكاتب السيناريو الأميركي ديفيد لينش أحد أشد المتحمسين لظاهرة التأمل والغوص في قاع العوالم الباطنية للإنسان، مستفيدا مما لديه من مواهب فذة في ميادين فنية وحياتية وفلسفية عديدة يتقدمها الإخراج السينمائي والفن التشكيلي وممارسة تقنية التأمل المتسامي، فضلا عن الكتابة.
فلقد وقع مخرج »الإمبراطورية« في البرازيل، مؤخرا، كتابا يميط فيه اللثام عن هذا المنظومة الفلسفية في أعماله السينمائية. هناك تحدث إلى الملحق الثقافي لصحيفة »كلارين« الأرجنتينية حول تجريبيته الدائمة، التي أصبحت ملازمة لأعماله كلها. أبدع لينش الكثير من الأعمال السينمائية الرائدة على غرار فيلم »الأزرق المخملي« ـ 1986 ـ ومسلسلات أشعلت ثورة في عالم التلفزيون مثل »توين بيكس« ـ 1990 ـ ويعتبر هذا المخرج السينمائي الأكثر انشغالا في الشأن الفلسفي خلال السنوات الثلاثين الماضية. زيارته الأولى للبرازيل استغرقت خمسة أيام أمضاها بين سان باولو وريو دي جانيرو ومدارس »بيلو أوريزونتي« العامة، حيث ألقى محاضرة ضمن دورة »حدود فكر كوبسول بريسكين« في الجامعة الاتحادية في ريو غراندي دي سول، منتهزا الفرصة للترويج لكتاب سيرته الذاتية الذي يحمل عنوان »اصطياد السمكة الكبيرة«، الذي يتناول عوالم الإبداع والسينما والتأمل المتسامي.
وصل لينش مسبوقا بإعلان نشرته وسائل الإعلام البرازيلية يقول »بوسع التأمل المتسامي القضاء على العنف في ريو« وهي عبارة وردت على لسانه ارتباطا بعلاقته مع فكر مرشده الروحي ماهاريشي ماهيش يوغوي، والذي كان المرشد الروحي لفرقة »البيتلز« كذلك.
منذ 35 عاما خلت، يمارس لينش هذه التقنية إذا تأملت، فذلك لأنك تريد الوصول إلى مستوى أعمق في الحياة على حد قوله، وفي يوليو 2005 أنشأ »مؤسسة ديفيد لينش«، التي تعمل على برامج تعليمية قائمة على الوعي والسلام العالمي في مدارس عامة وخاصة في الولايات المتحدة وباقي العالم. خلال الأيام الأخيرة من حياة ماهاريشي (توفي في هولندا في فبراير 2008)، لاحظ لينش أن أحدا ما عاد يصغي لمرشده وقرر »الخروج« لتوصيل الرسالة.
»إذا اختبرنا هذا المستوى الأكثر عمقا، يبدأ الوعي بالانتشار والتمدد. وبالممارسة والتمرين يستطيع جميع الأشخاص القيام بذلك«، لكن لينش يوضح أن التأمل ليس ديانة ويذكر أنه عندما بدأ العمل في مؤسسته الخاصة كان هناك ثلاث مدارس تعتمد هذه التقنية. الآن أصبح عددها 16 مدرسة. لينش يتحمس ويقول مقتنعا: »العالم يتغير«.
في معرض رده على سؤال: كيف يتعايش فيك ذلك اللاشعور، المعكوس في الزوايا المعتمة لأعمالك، مع رسالة التأمل المتسامي هذه؟ قال إن »صنع قصة سعيدة في السينما ليس فيه ما يجعلك سعيدا، وبوسعك سرد قصة سوداوية تعشقها، يمكنك الدخول إلى تلك العوالم الغامضة والبقاء سعيدا من الداخل. أن يعاني المرء لا يتساوى مع عرضه للمعاناة«.
على الرغم من أن شخصياته يتعين عليها سبر أغوار عالم الشر(مثل جيفري بيمونت انطلاقا من أذن مقطوعة) أو اختبار الجنون(مثل فريد ميديسون في طريق ضائعة)، إلا أن لينش لا يتفق مع ما قاله ريمباود: »معاناة الشاعر يجب أن تكون هائلة« ويقول: »ثمة جرعة كبيرة من الرومانسية في الفكرة القائلة بأنه يتعين على الفنان أن يعاني ويشعر بالجوع أو الاضطهاد كي يتمكن من التعبير عن شيء ما«، ويضيف: »إذا كان الفنان يعاني، فلن يتمكن من القيام بعمله. إذا كان المرء جائعا، لا يمكن أن يكون لديه رغبة في فعل أي شيء آخر.
كلما كانت السلبية أقل، كان الدفق الإبداعي أكبر، وذلك هو السبب الذي مارست من أجله التأمل المتسامي طوال هذه السنوات. أنا على يقين من أن فان غوخ كان بوسعه القيام بأمور أكثر روعة بعيدا عن القيود التي فرضتها عليه آلامه وعذاباته«.
ولد المخرج ديفيد لينش في ميسولا(مونتانا)، في كنف أميركا الحقيقية تلك، التي قطنتها شعوب أصلية مثل الـ »سيوكس« ـ هذا الشعب يرى أن الحكمة موجودة في الأحلام ـ ، وعاش محاطا بالطبيعة، فلقد كان والده باحثا في وزارة الزراعة وكان متخصصا في دراسة عالم الأشجار.
ويقول لينش إنه كان يحب اللعب في الغابة ويعتبر أن ذلك كان »ساحرا« وعلى الرغم من أنه كان لديه الكثير من الأصدقاء آنذاك، إلا أنه كان يفضل البقاء وحيدا في بعض الأحيان متأملا الحشرات عن قرب. لم يكن يحب الدراسة، كان يلعب كرة السلة ويمارس السباحة وكان يحلم مستيقظا.
وكان يحب الرسم دائما، مما جعله يلتحق بمشغل للرسم في أيام الأحد. وهو يعلق على ذلك بالقول: »كانت المدرسة بالنسبة لي آنذاك جريمة ترتكب ضد الشبان. هناك كانت تدمر بذور ومنابع الحرية، لم تحفز على المعرفة ولا على المسلك الإيجابي. والناس الذين كانوا يثيرون الاهتمام ما كانوا يذهبون إلى المدرسة«.
جسد ذلك النقد في فيلمه القصير الأول »الأبجدية«، لكن اللافت هو أن لينش عاش حياة هادئة في كنف أسرة خالية من النزاعات، وكان يتعين عليها العيش في مدن مختلفة من البلاد. تلك الزيارة لجدته من أمه التي عاشت في بروكلين كان حاسمة في حياته. أصوات وروائح تلك المدينة أذهلته.
فيما يتعلق برؤيته المحورية عن التطور الحضري، اعتاد لينش على القول إن فيلادلفيا (التي ذهب إليها ليعيش مع زوجته الأولى بينما بدأ بتصوير »إيريسرهيد« في عام 1976) هي المدينة الأكثر عنفا، الأكثر انحطاطا، الأكثر مرضا، الأكثر قذارة من بين جميع المدن«.
ذات ليلة لما كان يعيش في الإسكندرية (فيرجينيا)، تعرف لينش إلى الرسام بوشنيل كيلر، والد أحد أصدقائه، وأدرك لحظتها ما معنى أن يكون المرء رساما.
على الرغم من أن لينش حقق شهرته عن طريق أفلامه السينمائية، إلا أنه لم يتوقف عن الرسم أبدا. ولقد عرض أعماله خلال هذه السنوات الأخيرة في باريس ونيويورك (وكيلاه الفنيان هما ليو كاستيلي وجيمس كوركوران). وأعماله تغطي مساحة لونية غنية تبدأ بالرمادي إلى الأحمر وتعتمد لغة وموضوعات أفلامه نفسها. بيد أنه من الواضح أم مستوى تحوير العالم الذي يسعى إليه لينش في السينما يبقى محدودا طالما أن تلك الحدود ملغاة في رسوماته ولوحاته.
انطلاقا من لون أعماله (اختار الأبيض والأسود لأفلامه الأولى)، يتحرك لينش لصالح منطق خاص يتطلب، أوليا، التنازل عن التأويلات. الظلال في اللوحة تسمح لك بالتحليق والحلم. إذا كان كل شيء مرئيا وكان هناك الكثير من الضوء، فإن الأشياء تبقى كما هي عليه، لكن ليس أكثر من ذلك«.
كما الأسطورة، يروي لينش أن حياته تغيرت مساء أحد الأيام في أكاديمية الفنون الجميلة في بنسلفانيا. كان واقفا قبالة »قماشة داكنة عليها نباتات نبتت من الظلمة«. على حين غرة سيطر عليه انطباع بأن تلك النباتات كانت تتحرك إلى درجة جعلت الفنان أنه كان يسمع صوت الريح، وهو يعلق على هذا الموقف بالقول: »لم أكن مخدرا. رغبت بأن تختفي الحواف والدخول إلى قلب العمل الفني«. كان قد اكتشف السينما.
يمكن إيجاز حياة وأعمال لينش في صورة مروحة، في البداية يظهر فيها مبدأ »توين بيكس« ويتحول إلى مسطح يرتاده بصورة متكررة. مروحة تعمل في مكان غير مألوف، فوق السلم الذي يفضي إلى حجرات النوم في منزل لاورا بالمير. ترى ما الذي عناه هذا المشهد؟ يقول لينش: »لا أعرف لماذا وضعتها ـ المروحة ـ هناك«، لكنه لا يحب توضيح الأمور ويرى أن الفيلم يجب أن يكون كافيا. فتلك الهيئة وذلك الصوت (صوت الريح) قد يكونا تلك الحياة نفسها »المنافية للعقل والموجودة هناك دائما«.
بحسب الباحث الفرنسي ميشيل تشيون، يعتبر لينش مبدعا يؤمن بتعددية مستويات الإحساس والواقع. »جمال الأطفال هو البراعة التي لديهم والتي يرون من خلالها العالم بعيون مفتوحة من دون محدوديات المثقف«، على حد قول لينش الذي ينتقد تلك الحاجة الغربية الدائمة لتقديم توضيحات حول الأعمال الفنية.
مؤكدا أنه »بعيدا المنطق أو السبب، هناك دائما شيء أكثر، شيء ما كنا قد رأيناه في السابق«. ثمة عنصر فهمه لينش وفجره منذ البداية وهو مادية الصوت. بدءا من أفلامه القصيرة الأولى »الفيل«و »الجدة«، مرورا ببريق نظرته الفريدة في »إيرسرهيد« حتى »الإمبراطورية«، فهم لينش أن ألأصوات تبقى مسجلة في مستوى مختلف تماما عن مستوى اللغة أو عن مستويات وسائل الاتصال المرئية. وكما يشير تشيون نفسه، فإن لينش »جدد السينما« بواسطة هذا العنصر. وإذا كان توزيعه للمشاهد تقليديا وشفافا رغم بلاغته، إلا أن عمله الصوتي شخصي تماما.
في ذلك السياق، تبدو موعظته حول التأمل المتسامي متماسكة. »القوة الكامنة في لكائن البشري هي الوعي اللامتناهي«، يقول لينش ويوضح أن الإنسان لا يدرك تلك العملية أثناء مرحلة التعلم، مضيفا أن تلك المرحلة لا تسهم بشيء لتحسين الكائن البشري. قوته الكامنة هي الإلهام الأسمى.
الرجل نفسه الذي زين وجمل الدم المتخثر في »إيريسرهيد«، ها هو يكتب في »اصطياد السمكة الكبيرة« اننا »نولد جميعا لنكون سعداء، سعداء كأشبال يحركون الذيل. والرجل نفسه الذي يعلق في عمل تشكيلي هو (بي بورد) نحلات ميتة لها أسماء مثل جاك ودوغي وبوب، يكتب بشكل متناغم في كتابه ما يلي: »يوجد نسيج خارق للعادة في جسد متفسخ«. وكما ذكرت صحيفة »نيويورك تايمز« في يناير 1990، فإن لينش هو »نورمان روكويل المريض النفساني« (في إشارة إلى رسام العائلات السعيدة بالـ »كوكا كولا«).
لينش هو الرجل الذي صور تلك اليد الممدودة مع أصابع لولا (لاورا ديرن) المفصولة في فيلم »قلب متوحش«، الذي أخرجه عام 199، بينما يجبرها بوبي بيرو(وليام ديفوه) الكريه على قول كلام بذيء(ضاجعني)، وعندما تنطق به، يتركها (ويتركنا) دون فعل شيء مع إحساس بأنه شهد منظرا من مناظر العنف الشفاهي، على حد تعبير تشيون.
مرجعية الاسم بوب تعبر كل أعماله السينمائية، وجميع لوحاته التشكيلية بما في ذلك كوبر بشعره المصفف جيدا، بحيث يجعلنا لينش نقف أمام بوب الباطني، بوب الذي يمثل الشر أقول دائما إن الأفلام هي قصص وفيها تناقضات. في أفلامي ثمة الكثير من العتمة، لكن ثمة نورا أيضا.التناقض هو الفطرة البشرية ، يقول المخرج بينما كانت الشمس تدخل عبر نافذة هائلة. هكذا هو لينش. عقب سيجارة مسحوق في »أميركان سبيريت« داخل علبة صابون كتب عليها »لوف«.
باسل أبو حمدة


