«أنا بصدد العمل على إنجاز رواية جديدة (...). ويمكن للجائزة أن تسمح بالكتابة أفضل وبقدر أكبر من الهدوء، فالدائنون لا يهددون بقرع الباب». هذا ما قاله جان ماري غوستاف لوكليزيو أثناء بث تلفزيوني كان «ضيفه» بالصدفة بعد ساعات من منحه جائزة نوبل للآداب لعام 2008.

ولم ينسِ أن يشير بنفس المناسبة أنه لن يتراجع عن رفضه الدخول إلى الأكاديمية الفرنسية فـ «أنا لست في باريس(...) للسهر على قاموس اللغة». ولم ينسِ أيضاً أن يؤكد أنه لا يعرف، حتى الآن، ما سيقوله في السويد عند تسلّم الجائزة، وربما حكاية أو ربما أقصوصة أو «ربما أي شيء». هذا الأمر لم يشغلني«.لوكليزيو أديب يعشق الكتابة والترحال في جنوب فرنسا يحب الكلام كثيراً. جاب العالم من مدينة نيس في جنوب فرنسا على »الكوت دازور« حيث وٌلد إلى المكسيك الجديدة »نيومكسيكو«.

حيث يعيش اليوم وكتب في كل مكان معان عن المنفى. وكان في كل مكان يذهب إليه يحاول الولوج إلى ماهو أعمق من المظاهر، بل ومن البنى السياسية والاجتماعية في محاولة للكشف عما ينبعي من »إشارات خفية« في العالم عبر البشر والحجر والشجر.. وقد بدا في كتاباته كلها كمن لا يرى سوى »عمق الأشياء« بعيداً عن سياقاتها الراهنة أو مظاهرها العملية.. وهنا بالتحديد تكمن رؤيته. «الكونية» التي تميزه عن »جحافل« الكتّاب ذوي الشهرة العالمية. كونية في رؤية جان ماري لوكليزيو تتغذى في واقع الأمر من نزعته الإنسانية العميقة وحبّه للإنسان على اعتبار أنه قيمة بحد ذاته. نقرأ في إحدى جمله: «أريد أن أطلق صرخة أمام رؤية الطريقة التي يتم بها تقسيم سوق العمل. إنهم يستخدمون القوة البشرية كآلة».

وعلى خلفية الإنسان المتأصل في أعماقه يبدو لوكليزيو حاداً في شجبه لكل أشكال العنصرية. هذا ما لخصته فكرة رددها كثيراً وجمعها في الكلمات التالية: «إنني أكره الكره». ومن صفاته المتأًصلة والأصيلة الأخرى، تعلقه بالطبيعة والتأكيد على ضرورة حمايتها من العبث. «هذا هم يتأجج في داخلي كل لحظة». يقول «لا يوازي تعلقه بالطبيعة سوى تأكيده لأهمية دور المرأة وصولاً إلى حد قوله: إن حظوظ نجاة الإنسانية بين أيدي النساء بصورة كاملة».

ومن المعروف من جان ماري لوكليزيو أنه «رجل صامت»، لا يحب احتلال صفحاته الجرائد وشاشات التلفزة إذ قليلة جداً هي المقابلات التي أجراها مع مختلف وسائل الإعلام. لكنه لا يتردد بالمقابل في الإدلاء بآرائه، بل احتجاجاته، إذا اقتضى الوقت ذلك، دفاعاً عن «شعب بدائي» وعن «البيئة». وكان قد نشر في عام 2000 مقالاً ضد شركة «ميتسوبيشي» دفعها كما أشار كُثر إلى التراجع عن بناء سد مائي كان سيمنع «فقمات البحر» من التوالد.

ومن المعروف عن لوكليزيو أيضاً أنه يقول عن نفسه باستمرار، رغم عيونه ذات اللون الأزرق الفاتح، إنه هندي. ويقصد بذلك أنه من جنود أميركا اللاتينية الذين أولاهم قسطاً كبيراً من اهتمامه. لقد عاش في المكسيك ودرس حضارات «المايا» و«الأزتيك» القديمة، بل وخاطر بالعيش لشهور طويلة في الأدغال بين ما تبقى من قبائل بدائية شارك أبناءها نمط حياتهم بعيداً عن كل قواعد الحضارة المادية التي لم يتوان أبداً عن شجبها.

إلى جانب حبه للهنود، هناك نمط آخر من الحياة يستهوي الحائز على جائزة نوبل هذا العام. وهو إعجابه الشديد بطريقة حياة الرُحّل.. إحدى رواياته تحتل عنوان «الصحراء» وهو يتردد باستمرار وبانتظام إلى حيث توجد الخيم وكثبان الرمال.. وزوجته من أصل مغربي صحراوي، وكان قد كرّس لمسيرة حياة أهلها في سنوات الخمسينات موضوع هذه الرواية.

ما يؤكده جان ماري لوكليزيو بأشكال مختلفة هو أن حياة الرُحّل تشدّه وتستهويه بفضل ما تشتمل عليه من وئام وانسجام. يقول: «ما تتسم به حياة الرحل ليست القسوة والبؤس، ولكن الانسجام»، ثم إن هؤلاء الرحل، كما يراهم، إنما «يعيشون حريتهم دون نقصان».

ومن الأمكنة التي تشدّ لوكليزيو إليها «جزيرة موريس» التي خصها بالعديد من رواياته ولعل أهمها رواية «الأربعين» إنها الجزيرة التي تعود إليها أصول أمة «الموسيقيين». هذه الأم هي التي يكرّمها الكاتب في روايته الأخيرة التي صدرت قبل أيام قليلة من منحه جائزة نوبل للأدب وعنوانها «لازمة الخوف».

وما يردده لوكليزيو باستمرار عن جزيرة موريس هو قوله إنها «وطنه الصغير». نقرأ: «أنا سعيد جداً بجزيرة موريس، ذلك أنني أحس بها كوطن، ذلك حتى لو كانت فرنسا هي وطني المختار لثقافتها ولغتها». ويعرج الكاتب في هذا السياق للحديث عن المكان الذي يقيم فيه كثيراً، أي «نيو مكسيك» ويصفه بالقول: «إنه مكان رائع من أجل الكتابة». مثل هذا «الوفاء» لمختلف الأمكنة التي يحس بالانتماء إليها هي التي جعلت العديد يقولون عن لوكليزيو إنه «مواطن من العالم».

وتبقى مدينة «نيس»، مسقط رأسه، ومرتع طفولته ومراهقته وسنوات شبابه الأولى، هي التي يشده الحنين إليها بعد أن غادرها في مطلع عقد الستينات الماضي، عندما كان في مطلع سن العشرينات. باختصار، إنها المدينة التي تشكل مرجعيته، بالمعنى الجغرافي والعاطفي أيضاً، في فرنسا. أما باريس فلا يتردد في التعبير عنها أنه «غريب» فيها، بينما غربته أقل في منطقة «بروتانيا» التي يعود إليها أحد أصوله العائلية ويستشهد فيها خاصة أن البشر يميلون إلى الصمت مثله.

هناك أيضاً «خيط» عائلي يشده إلى إفريقيا.. انه أبوه الطبيب العسكري الذي مارس مهنته لسنوات في أدغال إفريقيا، وتحديداً في المنطقة التي تتناظر مع نيجيريا حالياً. لقد زار جان ماري لوكليزيو إفريقيا أثناء طفولته، ولكنها «لم تغادره» بعد ذلك. إنه وصفها و«كتبها» في روايته التي تحمل عنوان «أونيتشا» الزاخرة بـ «الألوان» وبحب الحياة.

أماكن عديدة إذن لها موقع خاص في أعماق جان ماري لوكليزيو، وهي تشكل «مفاتيح» حقيقية من أجل فهم العوالم التي ترسمها أعماله الأدبية التي وصل عددها إلى 57 عملاً. هذا فضلاً عن أن اهتمامه الحقيقي والمتأصل بها منحه ثقافة عميقة نأت به بدورها عما يثيره «العالم المعاصر» من رعب، وما يعيشه لوكليزيو ك«اعتداء». هكذا كان قد دافع في عام 1981 عن أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ وبالتحديد حول موضوع يتعلق بالحضارات «الكولومبية» القديمة.

ابتعاد لوكليزيو عن «اهتمامات» العالم المعاصر يدل عليه استخدامه »النادر« لجهاز الهاتف، فهو يفضل العلاقات المباشرة مع البشر، ثم إن الكتابة تأخذ عملياً كل وقته تقريباً. أما لحظات «فراغه» النادرة فهي مكرسة لنزهاته الطويلة في أحضان الطبيعة «سيراً على الأقدام».. إنها تجربة بدنية و«روحانية» في الوقت نفسه.

يمكن أن يقال الكثير عن جان ماري لوكليزيو الفائز بجائزة نوبل للأدب هذا العام، وما سبق هو مجرد محطات صغيرة في حياة ومسيرة أديب كبيرة.وكلمة أخيرة هي أن بساطته هي جزء من أسطورته.. وعلى أولئك الذين يصفونه ب«السذاجة» يجيب: «أرى هذا مجاملة كبيرة جداً».

«لازمة الجوع» قبل أيام من جائزة نوبل

شاءت الصدفة أن تصل رواية «لازمة الجوع» إلى رفوف المكتبات الفرنسية قبل أيام قليلة من حصول مؤلفها جان ماري غوستاف لوكليزيو على جائزة نوبل للآداب لعام 2008.

وما بين فصلين قصيرين، افتتاحي وختامي، يعود المؤلف في أولهما إلى ذكريات طفولته ـ هو من مواليد عام 1940 ـ وإلى ذلك الجوع الذي رافق الحرب العالمية الثانية «الجوع الذي لا أستطيع نسيانه»، يقول مؤكداً أنه يشكل لازمة سمحت له بالاحتفاظ بـ «ذكريات ذلك الزمن».

أما الفصل الختامي فيدور حول ذكرى روتها له أمه وبقيت في أعماقها.. وهي عن ذلك اليوم الذي استمعت فيه للمرة الأولى التي عزف فيها «رافيل» مقطوعته الموسيقية الشهيرة «البوليرو» والتي «غيّرت حياتها» إذ أصبحت هي نفسها موسيقية.

وما بين هذين الفصلين تدور أحداث قصة «البطلة» واسمها «ايتيل» ذات الـ 18 عاماً في سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، وكانت حياتها موزعة بين شخصيتين قويتين، عمها القادم من جزيرة موريس وإحدى زميلات الدراسة، وكانت فتاة روسية اختارت المنفى في باريس. لكن ايتيل، فقدت العم بسبب المرض وقطعت مع زميلة الدراسة قبل أن تنشب الحرب العالمية الثانية، وتلجأ إلى مدينة «نيس» بجنوب فرنسا، حيث ناضلت لتأمين سبل العيش.

إن حكاية أم المؤلف وصورتها واضحة من خلال شخصية اريتيل.. ومن خلالها يحكي كلوزيو بأسلوبه الرائع قصة سنوات الحرب وما قبلها.

فرنسيون حصلوا على جائزة نوبل للأدب

* 2008 جان ماري غوستاف لوكليزيو

* 2000 غاو كسنجيان (فرنسي من أصل صيني)

* 1985 كلود سيمون

*1964 جان بول سارتر

* 1960 سان جون بيرس (الاسم المستعار إليكسيس ليجيه)

* 1957 البير كامو

* 1952 فرانسوا مورياك

* 1947 اندريه جيد

* 1937 روجيه مارتن دوغارد

* 1927 هنري برغسون

* 1921 اناثول فرانس

* 1915 رومان رولان

* 1904 فريدريك ميسترال (بالاشتراك مع خوسيه اشكاراي ايزاغير الاسباني)

* 1901 سوللي برودوم (الاسم المستعار لرونيه فرانسوا أرمان برودوم) .

غربة الإنسان

يرصد جان ماري لوكليزيو، في كتاباته، تناقضات المجتمع المعاصر، ويقف على غربة الإنسان فيه، من خلال اهتمامه بقضايا المهمشين في هذا المجتمع. وتحتل مسألة الهوية مكاناً مميزاً في أعماله، التي وقف عليها في الكثير من أعماله التي عالج بها قضايا الهنود الأميركيين، والمهاجرين في المجتمع الفرنسي، وفي روايته «نجمة تائهة» يرصد مأساة اللجوء الفلسطيني عام 1948، هذه المأساة التي يعتبرها أكبر مأساة للاجئين في القرن العشرين. حيث أثارت هذه الرواية عليه الكثير من الانتقادات الصهيونية في فرنسا.

المعنى الجديد

أول نص واجهه جان ماري لوكليزيو، في مكتبة المعهد الفرنسي لأميركا اللاتينية في مكسيكو عام 1968، هو نص أنطوان أرتود المكرس، لهنود تاراهمارس، عام 1936، هذا الشعب المستقل الذي لجأ قبل أربعمئة عام إلى جبال سييرا ماديرا الغربية فاراً من المبشرين.

كانت الصدمة التي عاناها بسبب أرتود سريعة: يكتب لوكلوزيو في نص حرره بالإسبانية واستعاده في «الحلم المكسيكي»: «جئت إلى المكسيك لأبحث عن معنى جديد للإنسان». «كانت تجربة أرتود في المكسيك هي تجربة الإنسان المعاصر الذي يكتشف شعباً بدائياً وفطرياً: الاعتراف بالتفوق المطلق للطقوس والسحر على الفن والعلم».

د. محمد مخلوف