الأراجوز كان الأكثر قدرة على التعبير عن المقهورين في مواجهة الظلم الاجتماعي والسياسي في فترات لم يقو فيها العامة على النطق بكلمة واحدة عن ما يحيق بهم.. وكنا نراه في أحيان كثيرة عاشقاً حالماً طيباً محباً.. وأحياناً أخرى منتقماً ساخطاً على الأوضاع يرفع عصاته في وجه الظلم بلا تحفظ.

دلالات سياسية كثيرة حملها الأراجوز أقلقت السلطات فحولوا اتجاهه من النقد والسخط والعقاب إلى التوجيه والتعليم أو أداة للتسلية والضحك مع الصغار، فتركوه بلا جدوى وبلا دلالة تعيد إليه دوره وهيبته، فظل يبحث عن هوية بعد أن انفض عنه الجميع، ولا يعرف قيمة الأراجوز إلا من اقترب منه وأحبه واستمع إليه وهو الآن يعاني كثيراً ولا يجد من يصونه ويعمل على إحيائه، سوى أحد الأكاديميين الذي رفع راية التحدي وقرر تبنيه بل قرر أن يحوله إلى »والت ديزني« عربية بعيداً عن الانبهار بالغرب.. حول هذا الفن الذي بدأ في الاندثار كانت هذه السطور.فاطمة فرحات أحد المهتمين بهذا الفن فضلاً عن كونها تتولى إحدى الإدارات المعنية بثقافة الطفل ترى أن الاهتمام بالأراجوز بدأ منذ فترة طويلة، ليصير رمزاً في أعياد الميلاد كما دخل في النسيج الدرامي وكانت له شعبية كبيرة في أوساط العامة باعتباره يعبر عن كل طبقات هذا الشعب.

وأشارت إلى أن هذا الفن، برغم اختفائه منذ فترة عن مسرح الطفل العربي، إلا أنه مازال محبباً للأطفال ومازال محل إعجابهم رغم الكم الهائل الذي تبثه الفضائيات على مدار الساعة من أفلام ومسلسلات موجهة للطفل.

لكن د. سميح شعلان الأستاذ بأكاديمية الفنون يرى أن الأراجوز مازال يلعب إلى الآن دوراً مهماً في حياة الأطفال نظراً لخبرته وخصوصيته وصوته الرنان الذي نسمعه ومازال محبباً إلى أذهاننا.

ويقول: كان الأراجوز قديماً هو الفرجة الشعبية بدلاً من السينما والمسرح لكنه يقع الآن في منافسة صعبة مع الإبداعات المتعددة من قبل الأجهزة المتنوعة التي تعرض إبداعات أكثر إبهاراً منه، واعتبر أن هذه المنافسة تتطلب منا أن نفعل دوره من خلال الصبغة المميزة والمحببة له والمتمثلة في بث مفاهيم وقيم يعرفها للأطفال.. لافتاً أن هناك العديد من الجهود لإعادة أمجاد الأراجوز وخيال الظل عن طريق ورش عمل تعيد لعروسة الأراجوز عرشها.

غير أن دور الأراجوز لم يعد مقصوراً فقط عليه كأراجوز ولكننا نحتاج إلى استثمار آلياته لعرض القضايا والموضوعات التي تهم الطفل بأن يكون له دور تعليمي وقيمي وقد يكون من السهل عليه تحقيق ذلك نظراً لحب الأطفال الشديد له، ولذلك فإننا لا نريد فقط المحافظة على العروسة كشكل ولكننا نريد أن نجعلها تستجيب لمتغيرات العصر وانشغالاته وذلك من خلال قدرتها على »ملاغية« الأطفال وإقامة الحوار معهم لأننا لا نستطيع العيش في جلباب الماضي وآليات الأراجوز القديمة.

ضد التغريب

أيضاً هناك من ظل يقاتل ويقف بفرقته أمام الانقراض الذي يهدد فن الأراجوز ويرفع شعار «ضد التغريب» من حيث استيراد الأفكار الجاهزة وتقليدها وهو د. نبيل بهجت أستاذ علوم المسرح ومدير بيت السحيمي بالقاهرة.

حيث كان قد بدأ نشاطه بفرقته الخاصة منذ ثلاث سنوات من خلال إقامة الورش لتعلم فن الأراجوز وخيال الظل في بيت السحيمى.. وهذا أدى إلى أن يلتحق بها المحترفون والهواة والطلبة حتى أصبحت الورشة تعقد بشكل دائم في أحد البيوت التابعة لوزارة الثقافة.

يقول بهجت: لا يوجد شعب في العالم إلا ولديه عروسة شعبية لم يهملها ولكن الإهمال جاء من قبل الشعوب العربية، حيث أخذ العرب شخصيتي السندباد وعلاء الدين بديلاً عن الشخصيات العربية في هذا المجال، برغم أن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي احتفت بالعروسة الشعبية.

وحول أهم العرائس عبر العصور قال إن العرائس استخدمت في الاحتفالات الدينية مثل العروسة الفاطمية في المولد النبوي وهناك عروسة الحسد التي تصنعها السيدات من الورق وتقوم الواحدة منهن بثقبها عدة ثقوب اعتقاداً منها بأنها تزيل الحسد..

وهناك عروسة القمح المصنوعة من عيدانه ويضعها الفلاحون في موسم الحصاد اعتقاداً منهم أنها تجلب الرزق وأيضاً عروسة خيال المآتة التي يضعها الفلاحون لطرد الطيور التي تأكل المحاصيل، وأيضاً عندما كانت تقوم الأم الريفية بصناعة عروسة العجين عقب انتهائها من الخبز لأطفالها الذين يقومون بأكلها في الأعياد.

وقد قدم المصري تلك النماذج من العرائس في أشكال مختلفة ومن مواد مختلفة فمنها ما صنع من الخشب والقص أو الطين أو الحلوى أو العجين وتنوعت عبر الزمان والمكان واتسمت بطول عمرها، ويعد الأراجوز وزوجته من أشهر تلك العرائس كونه كان المسرح المتنقل الصغير المحمول على الظهر في الشارع والسوق والحارة والميادين والساحات الشعبية.

أنماط عربية

يؤكد بهجت أن الأراجوز يمثل ثورة ثقافية عظيمة إذا أحسن استغلاله وقد يجعل لنا وضعاً آخر على خريطة الثقافة العالمية، ولكن العائق الرئيسي أمام تحقيق هذا الإنجاز هو أننا كعرب نصدق الآخرين ونفتتن بهم ولا نصدق أنفسنا..

لافتاً في هذا الصدد أن الحالة السيئة التي تواجهها العروسة الشعبية المصرية لا تختلف كثيراً عن حال العروسة العربية بصفة عامة، فالعروسة الجزائرية تشبه الأراجوز المصري والتونسية تمثل أبو زيد الهلالي والأردنية تمثل البدوية المصنوعة من القطن، ولذلك فان كل العرب يعانون من عدوى الانبهار بالغرب وأنا لا أرفض الانفتاح على الآخر وثقافاتهم وإنما أرفض الانفتاح الذي يلغي ثقافتنا الشعبية فيجب علينا التأصيل لأنفسنا.

وأهم ما يميز العروسة الشعبية عن غيرها الذكاء وهو ما تفتقر إليه تصميمات كثيرة تجدها عريضة القفا فيمكن ضربها بسهولة وتظهر عليها علامات البلادة، كذلك فإن تلك القيم لا يمكن وصفها بالشعبية إلا أن الأراجوز من أكثر العرائس شهرة وترتبط شعبيته بصفات معينة أهمها ضرورة ارتدائه الملابس الحمراء واكتساب ملامح ذكاء خالصة تبدو للمشاهد للوهلة الأولى تصاحبها ابتسامة.

ولابد أن يقترن الأراجوز بالعصا التي يستخدمها في إنهاء صراعاته مع السلطة الاجتماعية متمثلة في زوجته أو السلطة السياسية متمثلة في الشاويش وقد عرف مسرح الأراجوز بمسرح »المقهورين« فهو في عروضه يعطي درساً في الحرية والتمرد وعدم الانصياع لفكرة الأمر الواقع فلا توجد »تابلوهات« يصنعها البشر.

السياسي الصغير

وأشار أستاذ المسرح إلى أن الأراجوز المصري لعب دوراً سياسياً رغم صغر حجمه حيث كان شخصية تعريفية تم استخدامها في ثورة القاهرة الثانية ضد الاحتلال الفرنسي، ومع مجيء ثورة يوليو عام 1952 تنبهت تلك الثورة إلى هذا الكائن الصغير حجماً والكبير فعلاً وهى عروسة الأراجوز المصري .

والذي حاول أن يفهم المصريين مبادئ الثورة من خلال قوافل المسرح الشعبي وكذا عبر عن فترة الانكسار في عام 1967، ثم تراجع دوره مثل باقي الفنون في مصر وبدأ يظهر مرة أخرى مع ظهور الانفتاح ولكن في شكل جديد وبشرط ألا يتحدث عن السلطة والسياسة.

وتابع: يراودني حلم بأن أصنع من العرائس الشعبية عالم ديزني عربياً وقد بدأت مشوار الألف ميل وأشركت وزارة الثقافة المصرية في هذا الحلم وقمت بالإعداد لمهرجان خيال الظل والأراجوز ثم الملتقى الأول للعروسة الشعبية والرحلة المقبلة تبشر بملتقى عربي دولي للعروسة الشعبية يكون بمثابة خطوة جادة على طريقة إحياء التراث وهناك دعوة لرؤوس الأموال العربية لاحتضان العقول المستنيرة من أجل صناعة عالم عربي للأطفال يفوق »والت ديزني« وتقدم من خلاله صورتنا الحقيقية.

أراجوز مستأنس

عروسة الأراجوز المصرية مثل عرائس الأراجوز الموجودة في العالم العربي نجد شبيهاً لها في روسيا باسم عروسة »البتر وشكا« وعروسة »اليانس جودي« في إنجلترا، و»الكاشبرال« في ألمانيا.. هذا ما أوضحه المخرج المسرحي ناصر عبدالتواب..

وأضاف ان جميع تلك العرائس التي ذكرت مثل الأراجوز المصري تقوم أفكارها على التحريض ضد الفساد السياسي والاجتماعي بشكل عام وانتقاد للأوضاع غير المرغوب فيها.. لكن الأراجوز خلال السنوات الأخيرة أصبح للطفل فقط وبدأ يأخذ دوراً آخر مستأنساً وهو دور المعلم والموجه للأطفال بعد أن كان ناقداً رغم أن عدد من يؤدون هذا الدور فنانين قلائل أمثال صابر وصلاح المصري ومحمد كريم وصابر شيكو.

دور الأراجوز

كان الأراجوز قديماً هو الفرجة الشعبية بدلاً من السينما والمسرح لكنه يقع الآن في منافسة صعبة مع الإبداعات المتعددة من قبل الأجهزة المتنوعة التي تعرض إبداعات أكثر إبهاراً منه، وأن هذه المنافسة تتطلب بث مفاهيم وقيم يعرفها للأطفال.. وأن هناك العديد من الجهود لإعادة أمجاد الأراجوز وخيال الظل عن طريق ورش عمل تعيد لعروسة الأراجوز عرشها.

وكالة (دار الإعلام العربية)