في الشمال السوري، تنتشر المدن الميّتة والقرى المنسية بكثافة، حيث تتوضّع في المناطق الجبلية الكلسية، في جبال سمعان، باريشا الأعلى، الزاوية، وفي المناطق السهلية المجاورة، وتعود إلى الفترة الممتدة بين القرن الأول والقرن السابع الميلاديين.

توطّن الإنسان في عصور ما قبل التاريخ هذه المنطقة، حيث تم العثور فيها على مجموعة من الكهوف، وجدت فيها بقايا صوانيّة وعظمية تعود إلى إنسان ما قبل التاريخ، من أهمها كهف الدودريّة أو (الحضيرية). وقد أعيد استخدام هذا الكهف في العصر البيزنطي، وعثر في التلال القريبة منها على بقايا معمارية، أهمّها المعبد الآرامي في تل (عين درا)، كما عثر على عدد من اللقى الأثرية، كالفخار والنقود والدمى والأواني البرونزية، وقد ازدهرت المنطقة في العصور الرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية، بدليل البقايا المعمارية الكثيرة والمنتشرة فيها .

والتي تعود إلى مساكن وفيلاّت وكنائس ومدافن وأبنية عامّة أخرى. وكذلك الكتابات والمعاصر وبقايا الأشجار... ممّا يدلّ على ازدهارها في مختلف العصور، ما عدا بعض الفترات التي تراجعت فيها النشاطات الحضارية، ويمكن أن ننوّه أيضاً بأهمية هذه المنطقة من الناحية الاستراتيجية، فقد كانت تشكّل منطقة حدود بين بيزنطة والدولة العربية.ما هو سبب نشوء هذه المدن؟معظم هذه الأماكن كانت عبارة عن منتجعات صيفية أو مزارع ريفية لأهالي أنطاكية، أو لأهالي المدن الأخرى، لطيب هوائها وجفافه في فصل الصيف.

إننا أمام حالة فريدة من العمران والنشاط الزراعي، تضم العديد من الكنائس، وتضم بكثرة العديد من المنازل والبيوت وقاعات للاجتماعات العامّة والأسواق والحمامات والمدافن وغيرها، وكانت تعيش على إنتاج الزيت من الزيتون والنبيذ من أشجار الكرمة وتصديرهما إلى سائر أرجاء الإمبراطورية البيزنطية آنذاك التي كانت تتبع لها سورية من الناحية السياسية، إلى جانب استيراد البضائع التي يحتاجها سكان سوريا والاتجار بها.

طبيعة صامتة

الموقع خلاّب، منفتح على الأفق البعيد الواسع... وتتراءى من هنا أنقاض وخرائب ميتة، وذلك قبل الطريق التي تتفرّع باتجاه قلعة سمعان بالنسبة للقادم من مدينة حلب، تعبر طريق أنطاكية درباً غريباً مرصوفاً بالمربّعات، يرتكز على مداميك من الحجارة (الطريق الروماني القديم)، بقي على ما كان عليه منذ مئات السنين.

عند أول قرية بعد مفترق الطرق القريب من الدرب الروماني، وعلى يمين الطريق، نجد قبراً رومانياً محفوراً في الصخر، يعلوه بناء صغير غريب بأربعة أعمدة، وقد أطلق على الريف المجاور اسم (السهل الدامي) بعد المعارك الضارية التي تطاحنت فيها عام 1119 م الجيوش الإسلامية لأمير حلب والموصل مع القوات الصليبية بقيادة روجيه دوسالرن، أمير أنطاكية، وانتصر المسلمون انتصاراً ساحقاً فيها. ويقودنا طريق متفرّع على شمال الطريق الرئيسي، إلى المدينتين الميتتين: (رفد) و(قطورة)، وفيهما قبور ضخمة البناء وأخرى محفورة في الصخر، مع نصيبات منحوتة في جوانبها.

في قرية »دير سمعان« كانت تعرف في العهد البيزنطي باسم تيلانيسوس Telanissos، أي تل النساء، كما كانت مركزاً دينياً يشدّ الرحال إليه كثير من طلاب العلم، ووفد إليه الحجاج من سائر أطراف الأرض، أضف إلى ذلك أن المدينة كانت منتجعاً لأهل مدينة أنطاكية الأغنياء، وملجأ للمتهربين من دفع الضرائب وتأدية الخدمة العسكرية والديون، بدخولهم سلك الرهبنة أو الالتجاء إلى الأديرة لحمايتهم. وضمّت المدينة حيّاً للحجاج وفنادق وكنيسة وثلاثة أديرة للرهبان ومكان إقامة كبير للرسميين وقوس نصر، وصفاً من الدكاكين.

فيلّلات جميلة، مجتمعة أو متناثرة، أبراج وقرى أرستقراطية ذات أملاك كبيرة، مقابر رومانية وأعمدة جنائزية، ومدافن قدّت في الصخر، صور وكتابات، أعمدة وتيجان، أرومة ومداخل، أديرة وكنائس، أقواس حجرية... قاعات كبيرة وغرف وحمّامات وزخارف معمارية رائعة، تركت كلّها للشمس على مدى مئات السنين لتكون شاهداً على تاريخ الإنسان في هذه المنطقة.

الموت

هجرت هذه المستوطنات تدريجياً، وقد ظل بعضها مأهولاً حتى القرن العاشر، أو بعد قرنين على أقل تقدير من ذهاب السلطة البيزنطية، لقد خرّبت هذه المدن ثم هجرت بسبب الوضع الاقتصادي الذي تغيّر بفعل الأحداث السياسية التي حدثت على الساحة منذ مطلع القرن السابع الميلادي، فقد تمكّن الفرس في حروبهم مع البيزنطيين من تدمير كثير من هذه المدن والقرى وقطع أشجارها وإتلاف مزروعاتها (603 ـ 630 م) ممّا ترك آثاراً اقتصادية مدمّرة على المنطقة، كما توقفّت حركة التجارة العالمية، مما أفقد المنطقة ثراءها، ثم جاءت الجيوش العربية فاستخلصتها من أيدي البيزنطيين وضمّتها إلى الإمبراطورية العربية،.

وقد حرص العرب على عودة الازدهار الاقتصادي لهذه المنطقة، فشجعوا الناس على العودة إلى مدنهم وقراهم، ومن أجل ذلك قامت السلطات العربية بتوقيع اتفاقية اقتصادية مع البيزنطيين، لبيع منتجات سكانها الزراعية والصناعية كالزيت والنبيذ والصوف، مقابل دفع أثمانها بالدينار البيزنطي، إلاّ أنّ البيزنطيين نقضوا تلك الاتفاقية مرات عديدة وتوقفوا عن استيراد أصناف البضائع المتفق عليها، بمثابة مقاطعة اقتصادية للدول العربية، فتكدّست المنتوجات وتوقف تصديرها...

ثم إنتاجها، فترك السكان قراهم ومدنهم وهاجروا إلى المناطق السهلية المجاورة للزراعة، وبقي بعضهم الآخر يسعى لتأمين حياته بصعوبة، وقد عثر على نقود أموية وعباسية وأيوبية ومملوكية وعثمانية إلى جانب بعض الكسر الفخارية الإسلامية التي تعود إلى تلك العصور.

... هذه قصة المدن الميتة، أو المهجورة أو البائدة... تركها سكانها لتكون شاهدة على قدرة هذا الشعب على صنع الحضارة.

الثراء المادي

هناك من يرى أن هذه المدن والقرى، إنما أقيمت لسكن المزارعين السوريين الذين عمّروا تلك المناطق وساعدوا على ازدهارها زراعياً وتجارياً، لذلك أقاموا الأبنية الجميلة للسكن والاجتماعات والعبادة، وهذا يدلّ على الثراء المادي الذي حصل لسكان هذه المنطقة.

فيصل خرتش