«اليوم الذي صمت فيه أبي» هو قبل كل شيء كتاب شهادة عن سيرة حياة والد المؤلفة فريجيني لانهارت الذي كان أحد النشطاء في صفوف اليسار الثوري أثناء الفترة التي سبقت اندلاع المظاهرات الطلابية في فرنسا في شهر مايو 1968 وأثناء تلك المظاهرات وما رافقها من أحداث عنف والنزول إلى الشوارع وإقامة المتاريس فيما عُرف ب«ثورة الطلبة».
تروي فيرجيني أن والدها «روبير لانهارت» كان قد أسس حركة موالية للصين «الثورية» في ظل قيادة ماوتسي تونغ، وكان يعتبر «الكتاب الأحمر» للقائد الصيني الشيوعي بمثابة «دليل في الفكر والعمل». وكان والدها هو نفسه قد ألّف كتابا ذا طابع ثوري تحت عنوان: «أشياء مثبتة» نشره عام 1978 عن دار نشر«مينوي» المعروفة.
إن فيرجيني تعود في «اليوم الذي صمت فيه أبي» إلى ذلك اليوم من شهر أبريل ـ نيسان 1981 الذي قرر فيه والدها «روبير» أن يلوذ بصمت مطبق لم يتفوه بعده بكلمة واحدة إلا بعد أربعة وعشرين سنة. وقد جاء قرار «الصمت» ذاك بعد محاولة انتحار فاشلة والبقاء في حالة غيبوبة كاملة استمرت ثلاثة أسابيع.
كان عمر فيرجيني في «اليوم الذي صمت فيه والدها» خمسة عشر عاما، ولم تسمع صوته بعد ذلك إلا عندما بلغت التاسعة والثلاثين. لقد كانت محرومة طيلة تلك الفترة من أي «تواصل كلامي» مع ذلك الوالد الذي كانت تكنّ له حبا كبيرا.
وتشير المؤلفة أنها بدافع رغبة فهم الأسباب الدفينة لذلك «الصمت» الذي لاذ به والدها حاولت أن تبحث عن أبناء «رفاق دربه القدامى» الذين شاركوه سنوات النضال الثوري. وهكذا «اكتشفت أبناءهم» وغدت حواراتها معهم ووصفها للحالة التي غدوا بها وذكرياتهم وذكرياتها هي المادة الأساسية لمضمون هذا الكتاب.
وتؤكد فيرجيني لانهارت قولها: إن والدي لم يبرأ أبدا من ذلك الزمن الذي اعتقد فيه أنه بالإمكان تغيير مجرى التاريخ وتحقيق الثورة العالمية التي تملأ الأرض عدالة ومساواة بين جميع البشر تطبيقا للمقولة الشهيرة «من كل بحسب قوته ولكل بحسب حاجته ، وفي معرض الحديث عن ظروف لقاءات المؤلفة بأبناء «الرفاق القدامى» لوالدها تحكي عن تلك الصدفة الغريبة التي كانت وراء لقائها بأولهم، ذلك أنها وجدت نفسها بمناسبة معاينة مرَضية أمام طبيب اسمه صموئيل كاسترو، ابن رولان كاسترو المهندس المعماري والطالب في كلية الفنون الجميلة بباريس عام 1968.
كانت قد التقت بالأب مرّات من خلال والدها لكن الابن رأته للمرة الأولى. تقول: «إن أحداث 1968 لا تعني أي شيء لصموئيل، إلا ربما ما يتعلق بوالده وبمجموعة الرفاق الذين كانوا معه».
وتؤكد المؤلفة أنها بعد لقاء أول حول مأدبة عشاء مع صموئيل ووالده بعد أسابيع من الزيارة الطبية جعلتها تفهم أن صموئيل قد «تحرر تماما من الماضي»، ماضي والده، أما هي فتقول: «إن شيئا بسيطا كنت قد نسيته تماما، وهو أنها بسبب الألم التي تعيشه ابنة أمام أب مفقود لم تفهم أنه بعد جيل الآباء هناك الأبناء».
وإذا كانت المؤلفة لم تفقد أبدا «الخيط» الذي يشدّها باستمرار إلى الحديث عن «سر صمت والدها»، فإنها بالمقابل تتحدث بإسهاب أيضا عن إرث 1968 بالنسبة لأطفال «صانعي» أحداث تلك السنة.
إنها تتذكر كيف كانت ترقد باستمرار تحت صورة كبيرة معلقة على الجدار لماوتسي تونغ وهي تحتضن بيديها «كلبة صغيرة» أطلقت عليها تسمية «حركة تحرير النساء»، كمؤشر على الحب وليس السخرية بالطبع. ثم تتذكّر كيف كانت تتقن ترديد «النشيد الجديد» لليسار البروليتاري.
من الملاحظ أن فيرجيني لانهارت لا تبحث عن «تدمير» إرث 1968 ولا عن «تمجيده»، وإنما تريد إظهار التبدّل الكبير الذي يطرأ من جيل إلى آخر، فجيل الآباء كان غارقا في السياسة حتى أخمص قدميه على خلفية الاعتقاد بإمكانية تغيير كل شيء وجيل الأبناء في مجتمع لم يعد يعرف أي حديث سوى عن الفرد . نقرأ: إنني أعيش باستمرار في إطار مساومة داخلية مستمرة بين القيم التي كانوا قد أدخلوها في ذهني وأنا صغيرة وبين العالم الذي أعيش فيه اليوم .
ونقرأ أيضا: «ما يصعقني هو ملاحظة إلى أي مدى قد تأقلمنا جميعا هي وأبناء المناضلين الثوريين الآخرين ـ مع نمط الحياة البورجوازية ومع التربية التقليدية، وما يثير الأسف أحيانا .وجملة أخيرة في محصلة بحثها عن أسباب صمت أبيها، تقول: كنّا، نحن أطفال 1968، نعاني من وطأة أجواء أهلنا، وحلمهم ومشروعهم. وقد أمضيت زمنا طويلا كي أفهم ذلك في إطار مجتمع أصبح كل شيء يجري بطريقة عكس الماضي وحيث يبدو أي تفكير جماعي بمثابة حماقة .
وإشارة أخيرة إلى تلك المقاطع «الممتعة» التي تتحدث فيها فريجيني لانهارت عن «تناقضات» ذلك الجيل من «الثوّار» الذي كانوا يرددون دائما تعاليم «الكتاب الأحمر» لماو وإنما الذين كانوا يحرصون على تعليم أبنائهم في المدارس «الأكثر بورجوازية». إنها تتذكر والدها عندما كان يصطحبها إلى إحدى تلك المدارس كي يقول لها همسا بإذنها عند وصولها: تذكّري دائما أن هؤلاء هم أعداؤنا الطبقيون.
الكتاب: اليوم الذي صمت فيه أبي
تأليف: فريجيني لانهارت
الناشر: سويل باريس 2008
الصفحات: 174 صفحة
القطع: المتوسط
Le jour où mon père s'est tu
Virginie Linhart
8002 siraP - liueS
P.174
